العقيدة - المناظرة في القرآن

 

   

 
Skip Navigation Links
دين
أدب
لغة
تاريخ
معلومات
الأبراج
شخصيات
حديث
فقه
عقيدة
رجال
خالدون
سيرة
عظيمات
أدعية
وقفات
معارك

قال الشاعر

و خير جليس في الأنام كتاب

 

أعز مكان في الدنا سرج سابح

ركن أخر

ان الذكر من أجل العبادات و أكثرها أجرا قال النبي صلى اله عليه و سلم (ألا أنبئكم بخير أعمالكم و أزكاها عند مليككم و أرفعها في درجاتكم و خير لكم من أنفاق الذهب و الورق و خير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم و يضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى, قال: ذكر الله تعالى) رواه الترمذي.

لقراءة البقية
 

إن الصلاة هي الركن الذي يتكرر كل يوم خمس مرات بخلاف بقية الأركان فالزكاة لا تكون إلا كل عام، و كذلك الصيام، و حج الفريضة لا يكون إلا مرة واحدة في العمر.

لقراءة البقية

"اهلاً بكم في موقع أهلين .... لا تنس ذكر الله ...... سبحان الله و بحمده سبحان الله العظيم, كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلاتان في الميزان حبيبتان للرحمن ......... اللهم اشرح لي صدري و يسر لي أمري .......... اللهم أعني على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك ........ اللهم صلي على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم و على من تبعهم باحسان الى يوم الدين ............ اللهم أغفر لنا و ارحمنا و عافنا و أعف عنا

﴾ ﴿    من لم يمت بالسيف مات بغيره ... تعددت الأسباب و الموت واحد    ﴾ ﴿    اربعة تزيد في ماء الوجه: التقوى و الوفاء و الكرم و المروؤة    ﴾ ﴿    كن حليما اذا بليت بغيظ .. و صبورا اذا أتتك مصيبة .. فالليالي من الزمان حبالى .. مثقلات يلدن كل عجيبة    ﴾ ﴿    إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه    ﴾ ﴿    صغير يطلب الكبرا .. و شيخ ود لو صغرا .. و خال يشتهي عملا .. و ذو عمل في ضجرا .. و رب المال في نصب .. و في نصب من إفتقرا .. فهل حاروا مع الأقدار .. أم هم حيروا القدرا    ﴾ ﴿    قال الامام علي رضي الله عنه: من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه    ﴾ ﴿    يعيش المرء ما استحيا بخير .. و يبقى العود ما بقي اللحاء .. اذا لم تخشى عاقبة الليالي ... و لم تستح فاصنع ما تشاء    ﴾ ﴿    ولدتك أمك يا ابن أدم باكيا .. و الناس حولك يضحكون سرورا .. فاعمل لنفسك كي تكون اذا بكوا .. في يوم موتك ضاحكا مسرورا    ﴾ ﴿    قال ابن تيمية : اربعة أشياء تمرض الجسم : الكلام الكثير و النوم الكثير و الأكل الكثير و الجماع الكثير    ﴾ ﴿    من حفظ عشر أيات من أول سورة الكهف عصم من المسيح الدجال    ﴾ ﴿    لا تنه عن خلق و تأتي مثله ... عار عليك اذا فعلت عظيم    ﴾ ﴿     التاريخ يعيد نفسه    ﴾ ﴿     ماذا لو حصلنا على كل الكتب التى أحرقت عند دخول المغول بغداد و سقوط الدولة العباسية؟؟؟    ﴾ ﴿     لا الهواء هواء عند من عرفوا .. و لا المكان مكان عند من نظروا .. و إنما الله جل الله نظمها .. للمصطفى رحلة في طيها عبر .. راقبوا الله و لا تهنوا .. و حكموا دينكم في الأمر و إعتبروا .. فدينكم أفضل الأديان قاطبة .. لو صنتموه لزال الذل و الخطر    ﴾ ﴿     محمد سيد الكونين و الثقلين .. و الفريقين من عرب و من عجم .. هو الحبيب الذي ترجى شفاعته .. لكل هول من الأهوال مقتحم .. دعا الى الله فالمستمسكون به .. مستمسكون بحبل غير منفصم    ﴾ ﴿     وطني لو شغلت بالخلد عنه ... نازعتني اليه في الخلد نفسي    ﴾ ﴿     و لست أبالي حين أقتل مسلما .. على أي جنب كان في الله مصرعي .. و ذلك في ذات الأله و ان يشأ .. يبارك على أوصال شلو منزع    ﴾ ﴿      "اهلاً بكم في موقع أهلين    ﴾ ﴿    لا تنس ذكر الله    ﴾ ﴿     سبحان الله و بحمده سبحان الله العظيم, كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلاتان في الميزان حبيبتان للرحمن    ﴾ ﴿     اللهم اشرح لي صدري و يسر لي أمري    ﴾ ﴿     اللهم أعني على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك    ﴾ ﴿     اللهم صلي على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم و على من تبعهم باحسان الى يوم الدين    ﴾ ﴿     اللهم أغفر لنا و ارحمنا و عافنا و أعف عنا    ﴾ ﴿     كل أبن أنثى و أن طالت سلامته ... يوما على ألة حدباء محمول    ﴾ ﴿   كل المصائب قد تمر على الفتي ... فتهون غير شماتة الأعداء  ﴾  ﴿ كل القلوب الى الحبيب تميل .. و معي بذلك شاهد و دليل .. أما الدليل إذا ذكرت ُ محمدا .. صارت دموع العارفين تسيل ﴾ ﴿    ليس الجمال بمئزر .. إعلم و إن وريت بردا .. إن الجمال مآثر .. و مناقب أورثن حمدا ﴾ ﴿   صلاح أمرك للأخلاق مرجعه .. فقوم النفس بالأخلاق تستقم  ﴾ ﴿     دقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائق و ثواني  ﴾ ﴿   اذا المرء لا يرعاك الإ تكلفا ... فدعه و لا تكثر عليه التأسفا  ﴾ ﴿   لا إله إلا الله محمد رسول الله ... لا إله إلا الله محمد رسول الله ... لا إله إلا الله محمد رسول الله   ﴾ ﴿   إن الجواهر في التراب جواهر  ...  و الأ ُسد في قفص الحديد أسود    ﴾ ﴿   السبع سبع و إن كلت مخالبه  ...  و الكلب كلب و إن قُلد بالذهب   ﴾ ﴿    عين النقد تبرز كل عيبا ... و عين الحب لا تجد العيوبا   ﴾ ﴿   قال الامام علي بن أبي طالب ( الناس أعداء ما جهلوا)   ﴾ ﴿   من حديث قدسي: يا ابن أدم لا تسألني رزق غد كما لم أطلبك بعمل غد, يا أبن أدم أنا لك محب فبحقي عليك كن لي محبا   ﴾ ﴿   من صلي في اليوم و الليلية أتنتي عشر ركعة تطوعا بنى الله له بيتا في الجنة   ﴾ ﴿  ©  ®   ‡

Hit Counter

 

المناظرة في القرآن الكريم

و

كلام الله القديم

للإمام العلامة

موفق الدين أبي محمد عبد الله بن احمد بن قدامة المقدسي

(541-620هـ )

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مؤلف الكتاب

اسمه ونسبه :

هو أبو محمد موفق الدين عبد الله بن احمد بن محمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي الدمشقي ، الصالحي ولد سنة 541هـ .

شيوخه :

كان رحمه الله من بيت علم و صلاح ، أقبل على العلم مبكراً ، وكان كثير الشيوخ ، رحل إلى بغداد مع ابن خاله الحافظ عبد الغني سنة 561هـ ومن أهم شيوخه باختصار :

          1ـ أبو محمد عبد القادر بن عبد الله الجيلي الحنبلي 561هـ

          2ـ أبو الحسن علي بن عبد الرحمن الطوسي 563هـ

          3ـ أبو الفتح محمد بن عبد الباقي البغدادي 564هـ

          4ـ أبو بكر عبد الله بن محمد بن النقور 565هـ

الثناء عليه :

قال ابن النجار " كان إمام الحنابلة بجامع دمشق ، وكان ثقة حجة نبيلاً غزير الفضل .." وقال ابن نقطة " كان إماماً ثقة فاضلاً صالحاً ". وقال الضياء " كان رحمه الله إماماً في التفسير وفي الحديث ومشكلاته إماماً في الفقه ، بل أوحد زمانه فيه ..." وقال ابن الدبيثي " كان إمامً حبراً مفتياً مصنفاً ذا فنون ..." كما وصف رحمه الله بالصفات الجميلة والأخلاق الحسنة كما تراه في تراجم الأئمة له في مصنفاتهم .

تلاميذه :

          تخرج على يديه علماء أجلاء منهم :

          1ـ الفقيه بهاء الدين أبو محمد عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي شارح المقنع والعمدة تصانيف الموفق .

          2 الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد الجماعيلي المروف بالضياء .

          3ـ الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الغني الشهير بابن نقطة وغيرهم من مثل ابن خليل والبرزالي والمنذري وابن النجار رحمهم الله تعالى .

          تصانيفه :

وكان من بركة الله عز وجل له في علمه أن وفقه إلى تصنيف المصنفات الجليلة الكثيرة في فروع شتى من العلم .

          منها :

1ـ  كتاب المغني و الكافي وكفا بهما من كتابين لو كانا حفظه من التصنيف لكفياه .

2ـ وصنف في الرقائق الرقة والتوابين

3ـ وفي الاعتقاد القدر والاعتقاد والعلو وذم التأويل وغيرها  .

4ـ وفي الأنساب نسب قريش ونسب الأنصار وفي الفضائل فضائل الصحابة وفضل العشر وعاشوراء .

          وفاته :

توفي عليه رحمة الله يوم السبت يوم الفطر ودفن في اليوم التالي سنة عشرين وست مائة ، وكان الخلق الذين صلوا عليه لا يحصون . فرحمه الله رحمة واسعة .

 

 

 

نص المناظرة :

كتاب مناظرة الشيخ الإمام العالم الأوحد العامل الفقيه الورع موفق الدين شيخ الإسلام ناصر السنة مفتي الفرق قامع البدعة سيد العلماء معين أهل الحق : أبي محمد عبد الله ابن أحمد بن محمد ابن قدامة المقدسي رضي الله عنه وأرضاه جرت بينه وبين بعض أهل البدعة في القرآن العظيم وكلام الله القديم .

قال الشيخ الإمام العالم العامل الفقيه موفق الدين شيخ الإسلام مفتي الأنام سيد العلماء أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ـ رضي الله عنه وأرضاه :

          الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد النبي وآله أجمعين .

أما بعد :

          فإنه تكرر سؤال بعض أصحابنا عن حكاية مناظرة جرت بيني وبين بعض أهل البدع في القرآن ، فخفت من الزيادة والنقصان ، فرأيت أن أذكر ذلك على غير سبيل الحكاية ، كي لا تكون الزيادة في الحجج والأجوبة عن شبههم كذباً ، مع تضمن ذلك لأكثر ما جرى إن شاء الله ، والله الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل .

[ الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين الأشاعرة وأشباههم في القرآن ] :

          فنقول : موضع الخلاف أننا نعتقد أن القرآن كلام الله ، وهو هذه المائة والأربع عشرة سورة ، أولها الفاتحة ، وآخرها المعوذات ، وأنه سور وآيات وحروف وكلمات متلو مسموع مكتوب .

          وعندهم : أن هذه السور والآيات ليست بقرآن ، وإنما هي عبارة عنه وحكاية وأنها مخلوقة وأن القرآن معنى في نفس الباري فهو شيء واحد لا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتعدد ولا هو شيء ينزل ولا يتلى ولا يسمع ولا يكتب ، وأنه ليس في المصاحف إلا الورق والمداد .

          واختلفوا في هذه السور التي هي القرآن فزعم بعهم أنها عبارة عن جبريل عليه السلام ، هو الذي ألفها بإلهام الله تعالى له ذلك .

          وزعم آخرون منهم : أن الله خلقها في اللوح المحفوظ ، فأخذها جبريل منه .

          واحتجوا على كون هذه السور مخلوقة : بأنها تتعدد ، ولا يتعدد إلا المخلوق وهذا يبطل صفات الله تعالى ، فإنها صفات متعددة ، منها السمع والبصر والعلم والإرادة والقدرة والحياة والكلام ، ولا خلاف في أنها قديمة ، وكذلك أسماء تعالى فإنها متعددة .

          قال تعالى { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه }

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن لله تسعة وتسعين اسماً ، مائة  إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة " [ أخرجه البخاري والترمذي والنسائي في الكبرى ]

          فثبت تعدادها بالكتاب والسنة والإجماع وهي قديمة .

وقد نص الشافعي ـ رحمه الله ـ على أن أسماء الله تعالى غير مخلوقة وقال أحمد رحمه الله ـ من زعم أن أسماء الله تعالى مخلوقة فقد كفر وكذلك كلمات الله متعددة قال الله تعالى   :{قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدادا }  وهي قديمة وكذلك كتب الله تعالى ، فإن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن متعددة وهي غير مخلوقة .

          فإن قالوا : هي مخلوقة ، فقد قالوا بخلق القرآن ، وهو قول المعتزلة وقد اتفقنا على ضلالهم واتفق المنتمون إلى السنة على أن القائل بخلق القرآن كافر ، منهم من قال : كفر ينقل عن الملة ، ومنهم من قال : لا تنقله عن الملة ، فمتى قالوا بخلق القرآن وغيره من كتب الله تعالى فقد قالوا بقول أقروا بكفر قائله ، وإن أقروا بها غير مخلوقة وهي متعددة فقد بطل قولهم .

          وإن قالوا : هي شيء واحد غير متعددة ، فقد كابروا ، ويجب على هذا أن تكون التوراة هي القرآن والإنجيل والزبور ، وأن موسى لما أنزلت عليه التوراة فقد أنزل عليه كل كتاب لله تعالى ، وأن نبينا عليه الصلاة والسلام لما أنزل عليه القرآن فقد قرأ كل كتاب لله تعالى ، ومن حفظ شيئاً منه فقد حفظه كله ، ويجب على هذا أن لا يتعب أحد في حفظ القرآن لأنه يحصل له حفظ كل كتاب لله تعالى بحفظ آية منه .

          ويجب أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لما أنزل عليه آية من القرآن ، قد أنزل عليه جميعه ، وجميع التوراة والإنجيل والزبور ، وهذا خزي على قائله ، ومكابرة لنفسه .

          ويجب على هذا أن يكون الأمر هو النهي ، والإثبات هو النفي ، وقصة نوح هي قصة هود ولوط ، وأحد الضدين هو الآخر ، وهذا قول من لا يستحي وشبه قول السوفسطائية .

          وقد بلغني عن واحد منهم أنه قيل له : سورة البقرة هي سورة آل عمرا قال نعم .

[ الرد على من قال بالعبارة والحكاية ] :

          فإن قالوا : إن كلام الله تعالى هو هذه الكتب ، وأن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن كلام الله عز وجل القديم ، لكن لم ينزل منه شيء على الأنبياء ، ولا هو شيء يحفظ ، ولا يتلى ، ولا يسمع ، وإنما أنزل عبارته ، كذبهم القرآن والسنة وإجماع الأمة .

          فإن لا خلاف بين المسلمين كلهم أن القرآن أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وأن التوراة أنزلت على موسى عليه السلام ، والإنجيل على عيسى عليه السلام ، والزبور على داود عليه السلام .

          والله عز وجل قال { آلر تلك آيات الكتاب المبين * إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون } وقال سبحانه { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } وقال تعالى { وإنه لتنزيل من رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين } وقال سبحانه { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } وقال { وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } وقال سبحانه { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين } وقال تعالى { ولقد أتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم } وقال تعالى { كتاب أنزلنها إليك مبارك } وقال تعالى { وهذا كتاب أنزلناه مبارك } ومثل هذا كثير .

          وقد أكفر الله تعالى اليهود بقولهم : ما أنزل الله على بشر من شيء ثم قال : { قال من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس } ثم قال { قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } وقال عز وجل { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً والذين آتيناهم الكتب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق }  وقال سبحانه { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات } ومثل هذا كثير وقال النبي صلى الله عليه وسلم [ فيما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي ]  { أنزل القرآن على سبعة أحرف " والستة متلوة منه .

          [ المفارقة بين الكتاب وبين القرآن عند الأشعرية ]

          فأن قالوا : فكتاب الله غير القرآن .

          قلنا : خالفتم رب العالمين ، وخرقتم إجماع المسلمين ، وجئتم بما لم يأت به أحد من المسلمين ، فإنه لا خلاف بين المسلمين أن كتاب الله هو القرآن العظيم ، المنزل على سيد المرسلين ، بلسان عربي مبين .

          والله تعالى قد أخبر بذلك ، فقال سبحانه { آلر تلك آيات الكتاب المبين * إنا أنزلناه قرآنا عربياً } وقال { حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون } وقال سبحانه { حم * تنزل من الرحمن الرحيم * كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعقلون } وقال { وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين * قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى }

          فسموه قرآناً وكتاباً .

          وقال في موضع آخر { فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجباً * يهدي إلى الرشد فأمنا به } ولا يخفى هذا إلا على من أعمى الله قلبه ، وأضله عن سبيله ، ومن يضلل الله فما له من هاد .

          [ حجج الأشعرية في نفي الحرف عن الله تعالى في كلامه والجواب عنها ]

          واحتجوا أيضاً : بأن هذه الحروف لا تخرج إلا من مخارج وأدوات ، فلا يجوز إضافة ذلك إلى الله سبحانه .

          والجواب عن هذا من أوجه :

          أحدها :

ما الدليل على أن الحروف لا تكون إلا من مخارج وأدوات ؟! فإن قالوا لأننا لا نقدر على النطق بها إلا من مخارج وأدوات فكذا للرب .

          قلنا هذا قياس لله تعالى على خلقه ، وتشبيه له بعباده ، وإلحاق لصفاتهم بصفاته ، وهذا من أقبح الكفر وقد اتفقنا على أن الله تعالى لا يشبه بخلقه ، وأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .

          الثاني :

أن ذا باطل بسائر صفات الله تعالى ، فإن العلم لا يكون في حقنا إلا بقلب ، والسمع لا يكون إلا من انخراق ، والبصر لا يكون إلا من حدقه ، والله تعالى عالم سميع بصير ، ولا يوصف بذلك فإن نفيتم الكلام لافتقاره ـ في زعمكم ـ إلى المخارج والأدوات ، فيلزمكم نفي سائر الصفات ، وإن أثبتم له الصفات ونفيتم عنه الأدوات لزمكم مثل ذلك في الكلام وإلا فما الفرق بينهما .

          الثالث :

أن الله تعالى أنطق بعض مخلوقاته بغير مخارج ، فإنه تعالى قال { وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم } وقال تعالى { حتى إذا  ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون * وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } وأخبر عن السماء والأرض أنهما قالتا { أتينا طائعين } .

 وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن حجراً كان يسلم عليه [ أخرجه مسلم ]

 وتسبيح الحصى في يديه [ رواه الطبراني بسند صحيح ] وقال ابن مسعود كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل [ أخرجه أحمد والبخاري والترمذي ] .

ولا خلاف في أن الله تعالى قادر على إنطاق الحجر الأصم من غير مخارج ، فلما لا يقدر سبحانه على الكلام إلا من المخارج .

          واحتجوا بأن الحروف يدخلها التعاقب فيسبق بعضها بعضاً .

والجواب :

إن هذا إنما يلزم في حق من يتكلم بالمخارج والأدوات والله سبحانه لا يوصف بذلك وعلى أن هذا يعود إلى تشبيه الله تعالى بعباده ، فإنه لا يتصور في حقه إلا ما يتصور منهم ، وهو باطل في نفسه .

          فإن قالوا : فما دليلكم على أن هذه السور المشتملة على الحروف قرآن ، قلنا كتاب الله تعالى ، وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام ، وإجماع الأمة .

          أما كتاب الله تعالى : فقوله سبحانه [ وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين } .

          فاخبر الله تعالى أن الذي سموه شعراً قرآن مبين ، وما ليس بحروف لا يكون شعراً عند أحد ، فلما ثبت أنهم سموه شعراً دل على أنه حروف .

          وقال الله تعالى { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً }

          فأشار إلى حاضر ، وتحداهم بالإتيان بمثله ، ولا يجوز التحدي إلا بعلم ، ولا يدري ما هو وقال تعالى { إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل } وقال تعالى { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } وقال تعالى { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل } وقال تعالى { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته } وقال تعالى { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي } وقال سبحانه { وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا } وقال تعالى { وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } .

          فأخبر الله تعالى عنهم أنهم طلبوا من الإتيان بغيره أو تبديله ومرة أنهم ادعوا القدرة على أن يقولوا مثله ، ومرة قالوا : لولا أنزل على غيره علم يقيناً أنه هذا الموجود عندنا الذي هو سور وآيات وحروف وكلمات .

          وقال الله تعالى { ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا } وقال { ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا } وقال { ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا } وقال تعالى { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون * قرآنا غير ذي عوج لعلهم يتقون } .

وهذه إشارة إلى حاضر والذي صرفت           فيه الأمثال إنما هو هذا القرآن العربي الذي يعرفه الناس قرآنا ، وسماه الله تعالى عربياً ، وهذا إنما يوصف به النظم الذي هو حروف دون ما لا يعرف ولا يدرى ما هو .

          وقال عز وجل { كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً } وقال سبحانه { وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين } وقال تعالى { وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرفنا فيه من الوعيد } وقال { إنا أنزلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون } وقال { وهذا كتاب مصدق لسانا عربياً } .

          وهذه الآيات وأشباهها في كتاب الله تعالى كثير ، تدل بمجموعها على أن القرآن هذا الذي هو سور محكمات وآيات مفصلات وحروف وكلمات ، وإن تطرق احتماله بعضها ، فلا يتطرق إلى مجموعها .

 وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن هذا القرآن مأدبة الله ، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم ، إن هذا القرآن هو حبل الله تعالى ، هو النور المبين ، والشفاء النافع ، عصمة لمن تمسك به ، ونجاة لمن تبعه ، لا يعوج فيقوم ، ولا يزيغ فيستعتب ، ولا يتنقضي عجائبه ، ولا يخلق على كثرة الرد ، فاتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات ، أما إني لا أقول { آلم } حرف ولكن في الألف عشر وفي اللام عشر وفي الميم عشر " [ صحيح موقوف ]

          وروي أيضاً عن ابن مسعود موقوفاً عليه ، والسنة مشحونة بذلك .

          والأمة مجمعة على أن هذا هو القرآن ، الذي لا تصح الصلاة إلا به ولا تصح الخطبة إلا بآية منه ولا يقرأه حائض ولا جنب .

          ولما اختلف أهل الحق والمعتزلة فقال أهل الحق " القرآن كلام الله غير مخلوق ، وقالت المعتزلة : هو مخلوق لم يكن اختلافهم إلا في هذا الموجود دون ما في نفس الباري مما لا يدرى ما هو ، ولا نعرفه ولما أمر الله تعالى بترتيل القرآن بقوله سبحانه : { ورتل القرآن ترتيلا } لم يفهم المسلمون إلا هذا الموجود .

          ولما قال الوليد بن المغيرة : إن هذا إلا قول البشر ، إنما أشار إلى هذا النظم فتوعده الله عز وجل فقال { سأصليه سقر } ولما قالوا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ، إنما أشاروا إليه .

          ولما قالوا : إن هذا إلا أساطير الأولين ، لم يعنوا غيره .

          ولو لم يكن هذا النظم قرآنا لوجب أن تبطل الصلاة به ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هي التسبيح والتكبير ، وقراءة القرآن " [ أخرجه أحمد ومسلم وأبو داوود والنسائي ]

          فعلى قول هؤلاء المخذولين يكون القرآن الذي لا تصح الصلاة إلا به مبطلاً لها لأنه ليس بقرآن ، وإنما هو عبارة جبريل ، وهذه فضيحة لم يسبقوا إليها .

          وأجمع المسلمون على أن في القرآن ناسخاً ومنسوخاً ، وإنما يتعلق هذا بالنظم دون ما في النفس .

          وأجمعوا على أن القرآن معجز ، الخلق عجزوا عن الإتيان بمثله أو سورة مثله ، وإنما يتعلق ذلك بهذا القرآن ، وهو هذا القرآن الذي أجمع عليه المسلمون ، وكفر به الكافرون وزعم المعتزلة أنه مخلوق .

          [ مذهب أبي الحسن الأشعري في القرآن ] :

          وأقر الأشعري أنهم مخطئون ، ثم عاد فقال : هو مخلوق وليس بقرآن فزاد عليهم ولا خلاف بين المسلمين أجمعين أن من جحد آية أو كلمة متفقاً عليها أو حرفاً متفقاً عليه أنه كافر .

          وقال علي رضي الله عنه " من كفر بحرف منه فقد كفر به كله [ قال عمرو عبد المنعم سليم لم أقف عليه من قول علي رضي الله عنه ولكن أخرجه ابن جرير بسند ضعيف عن ابن مسعود ]

والأشعري يجحده كله ، ويقول : ليس شيء منه قرآناً ، وإنما هو كلام جبريل ، ولا خلاف بين المسلمين كلهم في أنهم يقولون : قال الله كذا إذا أرادوا أن يخبروا عن آية أو يستشهدوا بكلمة من القرآن ويقرون كلهم بأن هذا قول الله .

          وعند الأشعري ليس هذا قول وإنما هو قول جبريل فكان ينبغي لهم [ أن يقولون ] قال جبريل أو قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا حكوا آية .

          ثم إنهم قد أقروا أن القرآن كلام الله غير مخلوق فإذا لم يكن القرآن هذا الكتاب العربي الذي سماه  الله قرآنا ، فما القرآن عندهم ؟

          وبأي شيء علموا أن غير هذا يسمى قرآنا ، فإن تسمية القرآن إنما تعلم من الشرع أو النص ، وأما العقل فلا يقتضي تسمية صفة لله قرآنا .

          وما ورد النص بتسمية القرآن إلا لهذا الكتاب ، ولا عرفت الأمة قرآناً غيره ، وتسميتهم غيره قرآناً فحكم بغير دليل شرعي ولا عقلي يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة .

         

[ فضح المصنف للأشعرية وإثباته موافقتهم للمعتزلة وقولهم بخلق القرآن ]

ومدار القوم على القول بخلق القرآن ، ووفاق المعتزلة ، ولكن أحبوا أن لا يعلم بهم فارتكبوا مكابرة العيان ، وجحد الحقائق ، ومخالفة الإجماع ، ونبذ الكتاب والسنة وراء ظهورهم والقول بشيء لم يقله قبلهم مسلم ولا كافر ، ومن العجب أنهم لا يتجاسرون على إظهار قولهم ولا التصريح به إلا في الخلوات ، ولو أنهم ولاة الأمر وأرباب الدولة .

          وإذا حكيت عنهم مقالتهم [ التي ] يعتقدونها كرهوا ذلك و أنكروه وكابروا عليه ، ولا يتظاهرون إلا بتعظيم القرآن وتبجيل المصحف والقيام لها عند رؤيتها ، وفي الخلوات يقولون : ما فيها إلا الورق والمداد ، وأي شيء فيها وهذا فعل الزنادقة .

[ بين المصنف ومناظره في التصريح بما سبق ]

          ولقد حكيت عن الذي جرت المناظرة بيني وبينه بعض ما قاله ، فنقل إليه ذلك ، فغضب وشق عليه ، وهو من أكبر ولاة البلد ، وما أفصح لي بمقالته حتى خلوت معه وقال أريد أن أقول لك أقصى ما في نفسي ، وتقول لي أقصى ما في نفسك ، وصرح لي بمقالتهم على ما حكيناه عنهم ، ولما ألزمته بعض الآيات الدالة على أن القرآن هو هذه السور ، قال فأنا أقول إن هذا قرآن ولكن ليس هو القرآن القديم قلت ولنا قرآنان .

          قال : نعم ، وأي شيء يكون إذا كان لنا قرآنان ثم غب لما حكيت عنه هذا القول وقال له بعض أصحابنا : أنتم ولاة الأمر ، وأرباب الدولة ، فما الذي يمنعكم من إظهار مقالتكم لعامة الناس ، ودعاء الناس إلى القول بها بينهم ، فبهت ولم يجب [علي ] .

[ موافقة الأشعرية للزنادقة في كتمان مقالتهم وحقيقة مذهبهم ]

 

          ولا نعرف في أهل البدع طائفة يكتمون مقالتهم ، ولا يتجاسرون على إظهارها إلا الزنادقة والأشعرية .

          وقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بإظهار الدين ، والدعاء إليه ، وتبليغ ما أنزل إليه فقال تعالى { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل ما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } .

          فإن كانت مقالتهم كما يزعمون هي الحق ، فهلا أظهروها ودعوا الناس إليها وكيف حل لهم كتمانها وإخفاؤها والتظاهر بخلافها ، وإيهام العامة اعتقاد ما سواها ، بل لو كانت مقالتهم هي الحق الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والأئمة الذين بعدهم كيف لم يظهرها أحد منهم ؟ وكيف تواطئوا على كتمانها ؟ أم كيف حل للنبي صلى الله عليه وسلم كتمانها عن أمته وقد أمر بتبليغ ما أنزل إليه وتوعد على إخفاء شيء منه بقوله { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } .

          أم كيف وسعه أن يوهم الخلق خلاف الحق !؟

          ثم هو صلى الله عليه وسلم أشفق على أمته من أن يعلمه الله حقاً ويأمره بتبليغه إلى أمته فيكتمه عنهم حتى يضلوا عنه .

          ثم إذا كتمه فمن الذي بلغه إلى الصحابة حتى اعتقدوه و [ قالوا ]  به .

          وكيف تصور منهم أن يدينوا به ويتواطئوا على كتمانه حتى لا ينقل عن احد منهم مع كثرتهم وتفرقهم في البلدان ؟! .

          فإن تصور ذلك منهم ، فمن الذي نقله إلى التابعين حتى اعتقدوه ؟

          فكل هذا من المستحيل الذي يقطع كل ذي لب بفساده ، ويعلم يقيناً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم ما كانوا يعتقدون في القرآن اعتقاداً سوى اعتقاد المسلمين وأنه هذا القرآن العربي الذي هو سور وآيات وهذا أمر لا يخفى على غير من أضله الله ، وإن تصور في عقولهم أن الحق خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه والتابعين بعدهم ، وعلى الأئمة الذين مهدوا الدين ، واقتدوا بسلفهم واقتدى بهم من بعدهم ، وغطى عنهم الصواب ولم يتبين لهم الصحيح إلى أن جاء الأشعري فبينه وأوضح ما خفي على النبي صلى الله عليه وسلم وأمته وكشفه فهذه عقول سخيفة وآراء ضعيفة إذ يتصور فيها أن يضيع الحق عن النبي صلى الله عليه وسلم ويجده الأشعري ويغفل عنه كل الأمة ، ويبينه له دونهم ، وإن ساغ لهم هذا ساغ لسائر الكفار نسبتهم لبنينا عليه الصلاة والسلام وأمته إلى أنهم ضاعوا عن الصواب ، وأضلوا عن الحق .

          وينبغي أن تكون شريعتهم غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ودينهم غير دين الإسلام لأن دين الإسلام هو الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ،  وهذا إنما جاء به الأشعري وإن رضوا هذا واعترفوا به خرجوا عن الإسلام بالكلية .

[ الأدلة على أن القرآن حروف ]

          فإن قالوا فكيف قلتم إن القرآن حروف ولم يرد في كتاب ولا سنة ولا عن أحد من الأئمة ؟

          قلنا : قد ثبت أن القرآن هو هذه السور والآيات ، ولا خلاف بين العقلاء كلهم ـ مسلمهم و كافرهم ـ في أنها حروف ، ولا يختلف عاقلان في أن الحمد خمسة أحرف واتفق المسلمون كلهم على أن سورة الفاتحة سبع آيات ، واختلفوا في أن بسم الله الرحمن الرحيم هل هي آية منها أم لا ؟ واتفقوا كلهم على أنها كلمات وحروف ، وقد افتتح الله تعالى كثيراً من سور القرآن المقطة مثل : { آلم } و { آلر } ولا يجحد عاقل كونها حروفاً إلا على سبيل المكابرة وهذا أمر غير خاف على أحد فلا حاجة إلى الدليل عليه .

          فإن قالوا : لا يسوغ لكم أن تقولوا لفظة لم ترد في كتاب ولا سنة وإن كان معناها صحيحاً ثابتاً .

          قلنا : هذا خطأ فإنه لا خلاف في أنه يجوز أن يقال : إن القرآن مائة وأربع عشر سورة وأن سورة البقرة مائتان وست وثمانون آية ، وفي عد آي سور القرآن وأحزابه وأسباعه وأعشاره ولم يرد لفظ ذلك في كتاب ولا سنة .

          [ إثبات الحرف من السنة وأقوال الصحابة ]

          على أن لفظ الحرف قد جاءت به السنة وأقوال والصحابة وإجماع الأمة فقال صلى الله عليه وسلم " من قرأ القرآن وأعربه ، فله بكل حرف منه عشر حسنات ، ومن قرأه ولحن فيه ، فله بكل حرف منه حسنه " [ أخرجه الطبراني بسند فيه كذاب متروك ]

          وهذا حديث صحيح .

          وقال النبي صلى الله عليه وسلم اقرأوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم ، ولا يجاوز تراقيهم " [ حديث ضعيف ]

          وقال عليه الصلاة والسلام " أنزل القرآن على سبعة أحرف " [ صحيح ]

          وقال أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه وقال علي رضي الله  من كفر بحرف منه القرآن فقد كفر به كله وقال أيضاً : تعلموا البقرة فإن بكل حرف منها حسنة والحسنة بعشر أمثالها [ أثر صحيح ]

          وقال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ من حلف بالقرآن فعليه بكل حرف كفارة [ ضعيف بهذا اللفظ صحيح بلفظ آية ]

          وقال ابن عمر : إذا خرج أحدكم لحاجته ثم رجع إلى أهله ، فليأت المصحف ، فيفتحه فيقرأ سورة فإن الله يكتب له بكل حرف عشر حسنات ، أما إني لا أقول { آلم } ولكن الألف عشر واللام عشر والميم عشر . [ أثر ضعيف وله شاهد صحيح عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ]

          وقال الحسن البصري : قرأ القرآن ثلاثة ، فقوم حفظوا حروفه وضيعوا حدوده

          وقال حذيفة وفضالة بن عبيد : خذ عليّ المصحف ولا تردن على ألفاً ولا واواً 

          وذكر أبو عبيد وغيره من الأئمة في تصانيفهم باب اختلافهم في حروف القرآن واتفق أهل الأمصار من أهل الحجار والعراق والشام على عدد حروف القرآن فعدها كل أهل مصر وقالوا : عددها كذا وكذا . وقال المسيب بن اضح قلت ليوسف بن أسباط حدثني أبو عمر الصنعاني حفص بن ميسرة قال :

          القرآن ألفا ألف حرف ، وأربعة وعشرون ألف حرف ، فمن قرأ القرآن أعطي بكل حرف زوجة من الحور من العين ، فقال لي يوسف بن أسباط وما يعجبك من ذلك حدثني محمد بن أبان العجلي عن عبد الأعلى عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال من قرأ القرآن أعطي بكل حرف زوجتين من الحور العين [ أثر ضعيف ]

           

          ولم تزل هذه الأخبار وهذه اللفظة متداولة منقولة بين الناس لا ينكرها منكر ولا يختلف فيها أحد إلى أن جاء الأشعري فأنكرها وخالف الخلق كلهم مسلمهم وكافرهم ولا تأثير لقوله عند أهل الحق ولا تترك الحقائق ولا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة لقول الأشعري إلا من سلبه الله التوفيق ، وأعمى بصيرته وأضله عن سواء السبيل .

[ أدلة الكتاب والسنة على أن كلام الرب عز وجل بصوت ]

          وقالوا أيضاً قد قلتم إن الله يتكلم بصوت ، ولم يأت به كتاب ولا سنة .

          قلنا بل قد ورد الكتاب والسنة وإجماع أهل الحق أما الكتاب :

          فقول الله تعالى { وكلم الله موسى تكليما } وقوله تعالى { منهم من كلم الله } وقوله سبحانه { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب } وقوله تعالى { وإذ نادى ربك موسى } ولا خلاف بيننا أن موسى سمع كلام الله من الله بغير واسطة ولا يسمع إلا الصوت فإن الصوت ما يتأتى سماعه .

          وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله يجمع الخلائق فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمع من قرب أن الملك أنا الديان .... " [ حديث حسن ] وذكر عبد الله بن أحمد أنه قال : سألت أبي فقلت : يا أبه ، إن الجهمية يزعمون أن الله لا يتكلم بصوت ، فقال : كذبوا إنما يدورون على التعطيل . [ صحيح ]

          ثم قال حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي قال حدثنا سليمان بن مهران الأعمش ، عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : " إذا تكلم الله بالوحي ـ سمع صوته أهل السماء ". [ صحيح له حكم الرفع ]

          قال أبو نصر السجزي ـ عليه رحمة الله ـ :" وهذا الخبر ليس في رواته إلا إمام مقبول " وقد روي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعض الآثار أن موسى عليه السلام لما ناداه ربه يا موسى أجاب سريعاً ـ استبياناً للصوت ـ فقال لبيك أسمع صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت ؟ قال أنا فوقك وأمامك ووراءك وعن يمينك وعن شمالك فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله عز وجل ـ قال فكذا أنت يا رب أفكلامك أسمع أم كلام رسولك قال بل كلامي " [ صحيح من قول وهب بن منبه ]

          وفي آثر أخر أن موسى عليه السلام لما ناجاه ربه ثم سمع كلام الآدميين مقتهم لما وقر في مسامعه من كلام الله تعالى [ أثر ضعيف جداً ]

          ومثله في الآثار كثير تناولته الأمة ولم ينكره إلا مبتدع لا يتلفت إليه [ الاعتقاد لا ثبت بمثل هذه الإسرائيليات أو المقطوعات وإنما هو الكتاب والسنة وأقاويل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ]

[ من شبه الرّديّة ]

         

          فإن قالوا فالصوت لا يكون إلا من هواء بين جرمين .

          قلنا : هذا من الهذيان الذي أجبنا عن مثله في الحرف ، وقلنا إن هذا قياس منهم لربنا تبارك وتعالى على خلقه ، وتشبيه له بعباده ، وحكم عليه بأنه لا تكون صفته إلا كصفات مخلوقاته ، وهذا ضلال بعيد .

[ مذهب السلف في الصفات ]

ثم إنه يلزمهم مثل هذا في بقية الصفات على ما أسلفناه على أن معتمدنا في صفات الله عز وجل إنما هو الإتباع .

          فنصف الله تعالى ، بما وصف به نفسه ، ووصفه به رسوله ، ولا نتعدى ذلك ولا نتجاوزه ولا نتأوله ، ولا نفسره .

          ونعم أن ما قال ورسوله صلى الله عليه وسلم حق وصدق لا نشك فيه ، ولا نرتاب .

          ونعلم أن لما قال الله ورسوله صلى الله عليه وسلم معنى هو به عالم ، فنؤمن بالمعنى الذي أراده ونكل علمه إليه ، ونقول كما قال سلفنا الصالح وأئمتنا المقتدى بهم ، آمنا بالله ، وما جاء عن الله ، على مراد الله ، وآمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

          نقول ما قال الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ونسكت عن ما وراء ذلك وتبع ولا نبتدع  بذلك أوصانا الله تعالى في كتابه وأوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته ، وأوصانا به سلفنا ـ رضي الله عنهم .

[ الأدلة الشرعية على هذا المذهب ]

          فقال الله تعالى { وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فترق بكم عن سبيله } وقال تعالى { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم } وقال النبي صلى الله عليه وسلم  : " عليكم بسنتيي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، عضو عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ن وكل بدعة ضلالة" [ حديث صحيح جليل القدر عظيم المكانة ]

          وقال عبد الله بن مسعود اتبعوا ولا تبتدعوا ، فقد كفيتم . [ أخرجه الدارمي والمروزي في السنة واللالكائي بسند رجاله ثقات ]

           وقال عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ كلاماً معناه :

          قف حيث وقف القوم ، فإنهم عن علم وقفوا ، وببصر نافذ كفوا ، ولهم كانوا على كشفها أقوى ، وبالفضل لو كان فيها أحرى ، وإنهم لهم السابقون ، فلئن كان الهدى ما أنتم عليه ، لقد سبقتموهم إليه ، ولئن قلتم ، حدث بعدهم فما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم ، ولقد وصفوا منه ما يكفي ، وتكلموا منه بما يشفي فما دونهم مقصر ، و لا فوقهم محصر ، لقد قصر دونهم أناس فجفوا ، وطمح آخرون عنهم فغلوا ، وإنهم من ذلك لعلى هدى مستقيم [ أثر صحيح ]

          وقال الأوازعي ـ عليه رحمة الله ـ " عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس  وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول ". [ أثر صحيح ] .

[ فتنة القول بخلق القرآن ] :

          ولم يزل السلف الصالح من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ والأئمة بعدهم يعظمون هذا القرآن ويعتقدون أنه كلام الله ، ويتقربون إلى الله بقراءته ، ويقولون إنه غير مخلوق ، ومن قال إنه مخلوق فهو كافر .

          فلما وقعت الفتنة وظهرت المعتزلة ودعوا إلى القول بخلق القرآن ثبت أهل الحق حتى قتل بعضهم وحبس بعضهم ، وضرب بعضهم فمن من ضعف فأجاب تقية وخوفاً على نفسه ، ومنهم من قوى إيمانه وبذل نفسه لله ، واحتسب ما يصيبه في جنب الله ، ولم يزل عن السنة ، إلى أن كشف الله تعالى تلك الفتنة ، وأزال تلك المحنة وقمع أهل البدعة .

          واتفق أهل السنة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق ، ول يكن القرآن الذي دعوا إلى القول بخلقه سوى هذه السور التي سماها الله قرآناً ربيً ، وأنزلها على رسوله عليه السلام ، ولم يقع الخلاف في غيرها البتة .

[ المذهب الحقيقي للأشعري في القرآن ]

          وعند الأشعري أنها مخلوقة ، فقوله قول المعتزلة لا محالة ، إلا أنه يريد التلبيس ، فيقول في الظاهر قولاً يوافق أهل الحق ن ثم يفسره بقول المعتزلة .

          فمن ذلك أنه يقول القرآن مقروء متلو محفوظ مكتوب مسموع ، ثم يقول القرآن في نفس الباري قائم به ، ليس هو سوراً ولا آيات ولا حروفاً ولا كلمات فكيف يتصور إذا قراءته وسماعه وكتابته ؟

          ويقولون إن موسى سمع كلام الله من الله ، ثم يقولون ليس بصوت .

          ويقولون إن القرآن مكتوب في المصاحف ، ثم يقولون ليس فيها إلا الحبر والورق فإن كانت كما زعموا فلم لا يمسها إلا المطهرون ، وما رأينا المحدث يمنع من مس حبر ولا ورق ، ولمَ تجب الكفارة على الحالف بالمصحف إذا حنث .

          ومن قال : إنه ليس في المصحف إلا الحبر والورق لزمه التسوية بين المصحف وبين ديوان ابن الحجاج ، لأنه إذا لم يكن بين كل واحد منهما غير الحبر والورق فقد تساويا ، فيجب تساويهما في الحكم ، هذا مع ردهم على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وخرقهم لإجماع الأمة ، فإن الله تعالى قال : { فلا أقسم بمواقع النجوم * في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون * تنزيل من رب العالمين } .

          فأقسم الله عز وجل أنه قرآن كريم في كتاب مكنون ، فردوا عليه وقالوا : ما في الكتاب إلا الحبر والورق .

          وقال الله تعالى { بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ } وقال سبحانه { والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور } وقال صلى الله عليه وسلم " لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم " [ حديث صحيح ]

          يريد المصاحف التي فيها القرآن واتفق المسلمون كلهم على تعظيم المصحف وتبجيله وتحريم مسه على المحدث ، وأن من حلف به فحنث فعليه الكفارة ولا تجب الكفارة بالحلف بمخلوق .

          وذكر بعض المبتدعة أنه إنما وجبت الكفارة على الحالف لاعتقاد العامة أن فيه كلام الله .

          وهذه غفلة منه ، فإن الحكم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتحدد الآن فإن أقر أن عامة أهل عصر النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته كانوا يعتقدون أن فيه كلام الله تعالى ، وأقرهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصوبهم فيه ، فهو الحق الذي لا شك فيه ، ولا يحل خلافه .

          وإن قال إنهم كانوا يعتقدون ذلك ولم يعلم بهم النبي صلى الله عليه وسلم فكيف علم هو [ من ] أحوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن اعتقاداتهم [ما] يخفى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرهم ، وعنه يأخذون وإليه يرجعون وبه يقتدون وعنه يصدرون .

          ثم هل كانوا مصيبين في اعتقاداتهم أو مخطئين ؟

          فإن كانوا مخطئين ، فقد اعتقد أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ضلالاً ومن بعدهم ، وأنه هو أصاب بمخالفتهم وكيف يجوز أن يكون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفقوا على اعتقاد الخطأ والضلال والباطل ، وأخطأوا الحق وتبعهم من بعدهم على ذلك إلى أن جاء هذا الجاهل بزعمه فعرف الصواب وعرف خطأ من كان قبله .

          ثم هذا إقرار بأن مقالته بدعة وحادثة خالف بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين بعدهم ، وهو الذي يقوله عنهم ، وبدعته فيهم .

          وإن زعم أن أهل عصر النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يعتقدون هذا وإنما حدث بعدهم ، فلم ثبت هذا الحكم في عصرهم ، ولم وجبت الكفارة عى الحالف بالورق والحبر ؟

          ولا خلاف بين المسلمين أنه لا تجب الكفارة بالحلف بورق ولا حبر ولا مخلوق .

          ثم متى حدث هذا الاعتقاد ، وفي أي صر ؟

          وما علمنا الحادث إلا قولهم الخبيث المخالف للأمة وللكتاب والسنة .

 

[ إيهام الأشعرية العامة باعتقادهم أن ما في المصحف هو القرآن على الحقيقة وأنهم متابعون للسلف في اعتقادهم ن وقلوبهم تبطن خلاف ما يظهرون ، وحكم المصنف عليهم بالزندقة ]

          ثم كيف يحل لهم أن يوهموا العامة ما يقوى به اعتقادهم الذي يزعمون أنه بدعة ، من تعظيمهم للمصاحف في الظاهر ، واحترامها عند الناس ، وربما قاموا عند مجيئها وقبلوها ، ووضعوها على رؤوسهم ليوهموا الناس أنهم يعتقدون فيها القرآن وربما أمروا من توجبت عليه يمين في الحكم بالحلف بالمصحف إيهاماً له أن الذي يحلف به هو القرآن العظيم .

          وهذا عندهم اعتقاد باطل ، فكيف يحل لهم أن يتظاهروا به ، ويضمرون خلافه ، وهذا هو النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الزندقة اليوم وهو أن : يظهر موافقة المسلمين في اعتقادهم ، ويضمر خلاف ذلك .

          فهذا حال هؤلاء القوم لا محالة ، فهم زنادقة بغير شك ، فإنه لا يشك في أنهم يظهرون تعظيم المصاحف إيهاماً أن فيها القرآن ، ويعتقدون في الباطن أنه ليس فيها إلا الورق والمداد ، ويظهرون تعظيم القرآن ، يجتمعون لقراءته في المحافل والأعزية ويعتقدون أنه من تأليف جبريل وعبارته ، ويظهرون أن موسى سمع كلام الله من الله ثم يقولون : ليس بصوت .

[ اعتقادهم في الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وكتابه ]

 

          ويقولون في أذانهم وصلواتهم : أشهد أن محمد رسول الله ويعتقدون أنه انقطعت رسالته ونبوته بموته ، وأنه لم يبق رسول الله وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته .

          وحقيقة مذهبهم أنه ليس في السماء إله ، ولا في الأرض قرآن ، ولا أن محمداً رسول الله ، وليس في أهل البدع كلهم من يتظاهر بخلاف ما يعتقده غيرهم وغير من أشبههم من الزنادقة .

[ بيان حال أبي الحسن الأشعري ]

 

          ومن العجب أن إمامهم الذي أنشأ هذه البدعة رجل لم يعرف بدين ولا ورع ولا شيء من علوم الشريعة البتة ، ولا ينسب إليه من العلم إلا علم الكلام المذموم .

          وهم يعترفون بأنه أقام على الاعتزال أربعين عاماً ، ثم أظهر الرجوع عنه فلم يظهر منه بعد التوبة سوى هذه البدعة .

          فكيف تصور في عقولهم أن الله لا يوفق لمعرفة الحق إلا عدوه ، ولا يجعل الهدى إلا مع من ليس له في علم الإسلام نصيب ، ولا في الدين حظ .

[ بيان أن بدعته من أخبث البدع وأفسدها ]

 

          ثم إن هذه البدعة مع ظهور فسادها وزيادة فتحها قد انتشرت انتشاراً كثيراً وظهرت ظهوراً عظيماً و أظنها آخر البدع وأخبثها وعليها تقوم الساعة وأنها لا تزداد إلا كثرة وانتشاراً ، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن في آخر الزمان تكثر البدع وتموت السنن ويغرب الدين وأن الدنيا لا تزداد إلا إدباراً وأنه يصير المعروف منكراً والمنكر معروفاً ، وأنه يقل أهل الحق إلا أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وأنه يعظم ثوابهم ويكثر أجرهم .

          وشبه النبي صلى الله عليه وسلم الدين في أخره بأول ابتدائه في غربته وقلة أهله ، فقال عليه السلام : " بدأ الدين غريباً وسيعود غريباً كما بدأ ". ثم جمع بينهم في أن لهم " طوبى " فقال : " فطوبى للغرباء " [ حديث صحيح ]

          ثم فضل المتأخرين في بعض الأخبار فقال في حديث : " يأتي على الناس زمان يكون للقائمين بالكتاب والسنة مثل أجر خمسين شهيداً "  قالوا يا رسول الله منا أو منهم ؟ قال " منكم " [ ضعيف ] .

          وهذا فضل عظيم وذلك والله أعلم لعظم نفعهم ، وصعوبة الأمر عليهم ، وكثرة أعدائهم ( ..... ) عليه ، وقلة أنصارهم ، وقد جاء في خبر :

      " يأتي على الناس زمان يكون المتمسك بدينه كالقابض على الجمر [ ضعيف ]

          فهذه الصعوبة هي الموجبة لذلك الأجر ثبتنا الله على الإسلام والسنة ، وأحيانا عليهما وأماتنا عليهما وحشرنا عليهما .

[ ما يستدل به الأشعرية وأهل البدع على أنهم على الحق ]

          ومن العجب [ أن ] أهل البدع يستدلون على كونهم أهل الحق بكثرتهم وكثرة أموالهم وجاههم وظهورهم .

          ويستدلون على بطلان السنة بقلة أهلها وغربتهم وضعفهم .

[ فصل مهم في الرد على ما ادعوه ]

          فيجعلون ما جعله النبي صلى الله عليه وسلم دليل الحق وعلامة السنة دليلاً على الباطل ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا بقلة أهل الحق في آخر الزمان  وغربتهم وظهور أهل البدع وكثرتهم ، ولكنهم سلكوا سبيل الأمم في استدلالهم على أنبيائهم وأصحاب أنبيائهم بكثرة أموالهم وأولادهم وضعف أهل الحق ، فقال قوم نوح له { ما نراك إلا بشراً مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين }  وقال قوم صالح فيما أخبرنا الله عنهم بقوله {قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون * قال الذين استكبروا إنا بالذي أمنتم به كافرون } وقال قوم نبينا صلى الله عليه وسلم { وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين } وقال الله عز وجل { وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } { وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه } ونسوا قول الله عز وجل { وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع } وقوله سبحانه { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا } وقوله سبحانه { واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب ......} وقوله سبحانه { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجهاً منهم } وقوله تعالى { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ... } إلى قوله تعالى { وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين } .

          وقد كان قيص ملك الروم وهو كافر أهدى منهم ، فإنه حين بلغه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم سأل عنه أبا سفيان فقال : يتعبه ضعفاء الناس أو أقوياؤهم ؟ فقال ب ضعفاؤهم فكان مما استدل به على أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنهم أتباع الرسل في كل عصر وزمان .

          وفي الآثار : أن موسى عليه السلام لما كلمه ربه تعالى قال له : يا موسى لا يغرنكما زينة فرعون هولا ما متع به فإنني لو شئت أن أريكما [ زينة ] أن مقدرته تعجز عن أقل مما أوتيتما لفعلت ولكنني أظن بكما عن ذلك وأزويه عنكما وكذلك أفعل بأوليائي وقديماً ما خرت لهم أني لأذوهم عن الدنيا كما يذود الراعي الشفيق إبله عن مبارك العرة ، وإني لأجبنهم سلوتها ونعيمها كما يجنب الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة وما ذلك لهوانهم علي ولكن ليستكملوا نصيبهم من الآخرة سالماً موفراً لم تكله الدنيا ولم يطعه الهوى .[ صحيح من قول وهب بن منبه ]

          وقد روي عن عمر ـ رضي الله عنه ـ :

          " إنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم مشربة له فرفع رأسه في البيت فلم يرى فيه إلا أهبة ثلاثة ، والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ على رمال حصير ، ما بينه وبينه شيء قد اثر في جنبه فقلت يا رسول الله وأنت على هذه الحال وفارس والروم وهم لا يعبدون الله لهم الدنيا ، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم محمراً وجهه ثم قال : " أفي شك أنت يا ابن الخطاب ، أما أرضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة " [ حديث صحيح ]

          هذا معنى الخبر .

ثبتنا الله وإياكم على الإسلام والسنة ، وجنبنا الكفر والبدعة ، وحبب إلينا الإيمان وزبنه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان وجعلنا من الراشدين .

                                      ********

[ قصيدة الطرازي في فضح الأشعرية ]

          وقد أنشد أبو الحسن علي بن أبي بكر الطرازي فيهم [ رواها أبو القاسم بن منده في كتابه " الرد على من يقول آلم حرف عن أبي الحسن الطرازي مسند خراسان وهو حنبلي أديب له ترجمة في السير والشذرات .]

          قال

          دعوني من حديث بني اللتيا              ومن قوم بضاعتهم كلام

          تفاريق العصا من كــل أوب             إذا ذكروا وليس لهم إمام

          [ كسير أو عوير أو نغيـــــر             شعارهم السفاهة والخصام

          إذا سئلوا عن الجبار مالـــوا              إلى التعطيل وافتضح اللئام

          وإذا سئلوا عن القرآن قالوا               يقول بخلقه بـــــشر كــرام

          كلام الله ليس له حروف                  ولا في قوله ألــــــف ولام

          كأن الله كلهم جهارا                        وقال لهم كلامي لا يرام

          ولو قيل النبوة كيف صارت             لقالوا تلك طار بها الحمام

          إذا قبض النبي فكيف تبقى               نبوته فديتك والـــــــسلام

          فهذا دينهم فاعـــلم يقينا                   وليس على مهجنهم ملام

          لهم رجل وتوحيد جديد          أبى الإسلام ذلك والأنام

          وإزراء بأهل الحق ظلما                  وتلقيب وتشنيع مدام

          وقول الملحدين وإن تعاووا              عواء الذئب ليس له نظام

          فصبراً بني الأحرار صبراًَ               فإن الظلم ليس له دوام

          وإن الحق أبلج لا يضــــام                وقول الزور آخره غرام

 

                             آخره والحمد لله رب العالمين وصلى الله

على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما

 
القائمة الرئيسية  
الصفحة الرئيسية
للبحث
روابط   شقيقة  
Alsadaweb
Logtonet
WasaGraph
  قائمة  العقيدة  
Skip Navigation Links
أسماء الله الحسنى
أسس العقيدة
المعتزلة
الأشاعرة
العقيدة التدمرية
الأباضية
الصوفية
السبب
الشيعة الأثني عشر
المناظرة في القرآن
الماتريدية
أهل السنة و الجماعة
المذهب الظاهري
الزيدية
للمزيد ....
ركن أخر  

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه جل وعلا أنه قال : ( وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين ، إذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة ، وإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة ) .

 
 
Skip Navigation Links
دين
حديث
أدب
لغة
تاريخ
سيرة
فقه
عقيدة
معارك
معلومات
الأبراج
شخصيات
خالدون
عظيمات
وقفات
أدعية
رجال
Skip Navigation Links
الرئيسية
للاتصال
البريد
إحصائيات
للبحث
المنتديات
Copyright 2009 Ahlain.com All Rights Reserved
Hosted by
www.stsnethost.com