|
مؤتة
إن
من أسباب هذه السرية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتاب إلى ملك بصرى ،
فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقتله صبراً ، وكانت الرسل لا تقتل.
فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرسل هذه السرية إلى مؤتة ، في جمادى الأولى من
سنة ثمان الهجرية.
وكان
عدة هذه السرية ثلاثة آلاف مقاتل ، وأمّر عليها زيد بن حارثة ، ثم قال : إن قُتل
زيد فجعفر ، وإن قُتل جعفر فعبد الله بن رواحة ، وزاد الواقدي ، وابن سعد : (فإن
أصيب عبدالله بن رواحة فليرتض المسلمون بينهم رجلا فيجعلوه عليهم).
وعندما تهيأ الجيش وتجهزوا للخروج ودع الناس أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم
وحينها بكى ابن رواحة ، فسألوه عن السبب ، فقال : (أما والله ما بي حب الدنيا ولا
صبابة بكم ، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله عز وجل
يذكر فيها النار : (وإن منكم إلا واردها ، كان على ربك حتماً مقضياً) ، فلست أدري
كيف لي بالصدر بعد الورود) ، فقال المسلمون : صحبكم الله ودفع عنكم ، وردكم صالحين
، فقال ابن رواحة :
ولكنني أسأل الرحمن مغفرة * وضربة ذات فرغ تقذف الزبد
أو
طعنة بيدي حران مجهزة * بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي * أرشده الله من غاز وقد رشدا
ذات
فرغ : أي ذات سعة.
الزبد : هنا هو رغوة الدم.
ثم
مضوا حتى نزلوا مَعَان من أرض الشام ، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب ، من أرض
البلقاء ، في مائة ألف من الروم ، وانضم إليهم من لخْم وجُذام وبَلَقَين وبهراء
وبَلِي مائة ألف ، عليهم رجل من بَليّ ، يقال له مالك بن رافلة ، فلما بلغ ذلك
المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم ، وقالوا : نكتب إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فنخبره بعدد عدونا ، فإما أن يمدنا بالرجال ، وإما أن يأمرنا
بأمره ، فنمضي له ، فشجع ابن رواحة الناس ، وقال : (يا قوم ، والله إن التي تكرهون
للتي خرجتم تطلبون : الشهادة ، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ، ما نقاتلهم
إلا بهذا الدين الذين أكرمنا الله به ، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين ، إما ظهور
وإما شهادة) فقال الناس : ( قد والله صدق ابن رواحة)..
فمضى
الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء ، لقيهم جموع هرقل ، من الروم والعرب، بقرية
مَشَارِف من قرى البلقاء ، ثم دنا العدو ، وانحاز المسلمون إلى قرية مؤتة، وعبؤوا
أنفسهم فيها ، جعلوا على الميمنة قُطبة بن قتادة العذري ، وعلى الميسرة عبادة بن
مالك الأنصاري ، ثم التقى الناس واقتتلوا ، فاستشهد زيد، وأخذ الراية جعفر ، فاقتحم
عن فرس له شقراء ، ثم عقرها ، ثم قاتل حتى أكرمه الله بالشهادة ، وهو ينشد :
يا
حبذا الجنة واقترابها * طيبة وبارداً شرابها
والروم روم قد دنا عذابها * كافرة بعيدة أنسابها
علي إذ لاقيتها ضرابها
وروى
ابن هشام أن جعفراً أخذ اللواء بيمينه فقطعت ، فأخذه بشماله فقطعت ، فاحتضنه بعضديه
حتى قتل ، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما
حيث شاء.
ثم
قال ابن هشام : (ويقال إن رجلاً من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه نصفين). وقد ذكر
الواقدي وابن سعد عدة روايات في الحالة التي وجد عليها جعفر بعد استشهاده ففي رواية
أنه وجد في أحد نصفيه ثلاثون أو بضعة وثلاثون جرحاً ، وفي رواية ثالثة أنه وجد في
بدنه أكثر من ستين جرحاً وطعنة ، قد أنفذته. وثبت في الصحيح أنه قد وجد في جسده بضع
وتسعون من طعنة ورمية.
روى
ابن إسحاق وغيره أنه لما قتل جعفر أخذ ابن رواحة الراية ، ثم تقدم بها وهو على فرسه
، ثم تردد بعض التردد ، ثم قال مرتجزاً :
أقسمت يا نفس لتنزلنه * لتنزلن أو لتكرهنه
إن
أجلب الناس وشدوا الرنة * مالي أراك تكرهين الجنة
قد
طال ما قد كنت مطمئنة * هل أنت إلا نطفة في شنه
إن
أجلب الناس : أي صاحوا واجتمعوا.
الرنة : صوت فيه ترجيع شبه البكاء.
نطفة
: الماء القليل الصافي.
شنة
: القربة القديمة.
وقال
أيضاً :
يا
نفس إلا تقتلي تموتي * هذا حمام الموت قد صُلِيت
وما
تمنيت فقد أعطــيت * إن تفعلي فعلهمــــــا هديت
ثم
نزل ساحة الوغى. فلما نزل أتاه ابن عم له بعظم عليه بعض اللحم وطلب منه أن يشُد به
صلبه لما لاقاه من أيامه تلك من الشدة ، فلما أخذ من هذا العظم شيئاً يسيراً ، سمع
الكسرة من ناحية الناس فقال : وأنت في الدنيا ! ثم ألقاه وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل ،
فنال الشهادة التي كان يتمناها ، وقد ظهر ذلك في موقفه عندما حث الناس على لقاء
العدو ، على الرغم من كثرته ، وعندما ترجم مشاعره في أشعاره التي ذكرنا ، وفي قوله
لربيبه الذي كان في حجره ورديفه إلى مؤتة ، زيد بن أرقم، الذي سمعه يترنم بأبيات من
الشعر ، ويشتهي فيها الشهادة ، فبكى زيد ، فخفقه ابن رواحة بالدرة ، وقال له : (ما
عليك يالكع أن يرزقني الله شهادة وترجع بين شعبتي الرحل).
ثم
أخذ الراية بعده ثابت بن أقرم ، وطلب من المسلمين أن يصطلحوا على رجل منهم ، فرشحوه
فرفض ، فاصطلحوا على ابن الوليد ، فأخذ الراية ، وتمكن من الانسحاب.
وروي
أنه لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد ، فلما أصبح غدا ، وقد جعل مقدمته ساقته ،
وساقته مقدمته ، وميمنته ميسرته ، وميسرته ميمنته ، فأنكر الأعداء ما كانوا يعرفون
من رايات وهيئة المسلمين ، وقالوا : قد جاءهم مدد ، فرعبوا ، فانكشفوا منهزمين ،
فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم ، وانكسرت يومئذ في يد خالد بن الوليد تسعة أسياف ، مما
يدل على شدة القتال قبل أن ينسحب من ميدان القتال.
ومما
يؤكد مباشرة المسلمين القتال قبل الانسحاب ما رواه مسلم وغيره من حديث عوف بن مالك
أن رجلاً من أهل اليمن رافقه في هذه السرية ، فقتل رومياً وأخذ سلبه ، فاستكثره
خالد ، فشكاه اليمني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومما
ظهر من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر هذه السرية أنه صلى الله عليه وسلم
نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة قبل أن يأتيه خبرهم ، وعيناه تذرفان الدموع ، وأخبرهم
بأخذ خالد للراية وبشرهم بالفتح على يديه ، وسماه يومئذ سيف الله .
وحزن
رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقع لهم ، ثم بعد ذلك قدم بخبرهم يعلى بن أمية
ولم يز ما جاء به عما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه . وفي رواية أن عامر
الأشعري هو الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بمصابهم.
وعلى
الرغم من ضراوة هذه المعركة وكثرة أعداد جيش العدو إلا أنه لم يستشهد من المسلمين
سوى اثني عشر رجلاً كحد أقصى ، أما الأعداء فلم يعرف عدد قتلاهم، غير أن وصف
المعركة يدل على كثرتهم.
وكان
لشهداء مؤتة مكانة عظيمة عند الله تعالى ، ولذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم :
(ما يسرني أو قال ما يسرهم أنهم عندنا).
أما
ما روى ابن إسحاق من أن الناس قالوا لجيش مؤتة : (يا فرار ، فررتم في سبيل الله)
فقد قال ابن كثير عن هذه الرواية : (وعندي أن ابن إسحاق قد وهم في هذا السياق ، فظن
أن هذا الجمهور الجيش ، وإنما كان للذين فروا حين التقى الجمعان ، وأما بقيتهم فلم
يفروا ، بل نصروا كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين ، وهو على
المنبر في قوله : (ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ، ففتح الله على يديه) ، فما كان
المسلمون ليسموهم فرارا بعد ذلك ، وإنما تلقوهم إكراماً وإعظاماً ، وإنما كان
التأنيب وحثي التراب للذين فروا وتركوهم هناك ، وكان فيهم عبدالله بن عمر رضي الله
عنهما.
وساق
ابن كثير أدلة على أن جمهور المسلمين لم يفروا ، بل فرت مجموعة من المسلمين ، من
ذلك حديث عبدالله بن عمر عند أحمد ، الذي فيه أنه كان ممن فر وخشوا القتل إن هم
دخلوا المدينة ، فهموا أن يركبوا البحر ، ثم أخيراً قرروا عرض أنفسهم على الرسول
صلى الله عليه وسلم ، واعترفوا بفرارهم ، فقال لهم : (لا بل أنتم العكارون ، أنا
فيئتكم ، وأنا فيئة المسلمين) وفي رواية قال لهم : (لا بل أنتم الكرارون).
وجيء
بأبناء جعفر رضي الله عنه ، فداعبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر بحلق
رؤوسهم ، ودعا لهم ، وقال لأمهم عندما جاءته تذكر يتمهم : (العيلة تخافين عليهم
وأنا وليهم في الدنيا والآخرة ؟).
ولما
جاء نعي جعفر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اصنعوا لآل جعفر طعاماً ، فقد
أتاهم أمر يشغلهم ، أو أتاهم ما يشغلهم).
أحكام وحكم ودروس وعبر من أحداث هذه السرية :
1-
إن في تعيين الرسول صلى الله عليه وسلم لثلاثة أمراء على جيش سرية مؤتة ، لدليل على
جواز تعليق الإمارة بشرط ، تولية عدة أمراء بالترتيب.
2-
في نعي الرسول صلى الله عليه وسلم الأمراء الثلاثة قبل مجيء خبرهم ، فيه جواز
الإعلام بموت الميت ، ولا يكون ذلك من النعي المنهي عنه ، وفيه علم ظاهر من أعلام
النبوة.
3- في تأمير المسلمين لخالد بعد استشهاد الأمراء الثلاثة دليل على جواز
الاجتهاد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم.
4-
إن ظهور الحزن على رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما جاءه خبر استشهاد الأمراء
الثلاثة لدليل على ما جعله الله فيه من الرحمة ولا ينافي ذلك الرضا بالقضاء ، ويؤخذ
منه ظهور الحزن على الإنسان إذا أصيب بمصيبة لا يخرجه عن كونه صابراً راضياً إذا
كان قلبه مطمئناً ، بل قد يقال إن من كان ينزعج بالمصيبة ويعالج نفسه على الرضا
والصبر أرفع رتبة ممن لا يبالي بوقوع المصيبة أصلاً.
5-
أفاد المسلمون دروساً وخبرات عظيمة من هذا اللقاء الأول مع الروم في مستقبل جهادهم
معهم، حيث تعرفوا على عددهم وعدتهم وخططهم العسكرية وطبيعة أرضهم التي وقع فيها
القتال.
6- إن في مواقف الأمراء الثلاثة دليل على مدى قوة الإيمان الذي يحرك الصحابة
رضي الله عنهم نحو ميادين الجهاد.
|