|
استهلت هذه السنة – أي سنة657 – وليس للمسلمين خليفة ، وسلطان
دمشق وحلب الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز.
وقد أرسل الملك الغاشم
هولاكو إلى الملك الناصر صاحب دمشق يستدعيه إليه ، فأرسل إليه ولده
العزيز وهو صغير
ومعه هدايا كثيرة وتحف فلم يحتفل به هولاكو ، بل غضب على أبيه إذ لم
يقبل إليه وأخذ
ابنه وقال : أنا أسير إلى بلاده بنفسي ، فانزعج الناصر لذلك وبعث
بحريمه وأهله إلى
الكرك ليحصنهم بها ، وخاف أهل دمشق خوفاً شديداً ، ولاسيما لما
بلغهم أن التتار قد
قطعوا الفرات سافر كثير منهم إلى مصر في زمن الشتاء فمات ناس كثير
منهم ونهبوا ،
فإنا لله وإنا إليه راجعون
.
وأقبل هولاكو فقصد الشام بجنوده وعساكره ، وقد
امتنعت عليه ( ميافارقين ) مدة سنة ونصف ، فأرسل إليها ولده أشموط
فافتتحها قسراً ،
وأنزل ملكها الكامل بن الشهاب غازي فأرسله إلى أبيه وهو محاصر حلب
فقتله بين يديه ،
وطيف برأسه في البلاد ، ودخلوا به إلى دمشق
.
وتواترت الأخبار بقصد التتار
بلاد الشام إذ دخل جيش المغول صحبة ملكهم هولاكو ، وجاوزوا الفرات
على جسور عملوها
، ووصلوا إلى حلب في ثاني صفر من هذه السنة فحاصروها سبعة أيام ، ثم
افتتحوها
بالأمان ، ثم غدروا بأهلها ، وقتلوا منهم خلقاً لا يعلمهم إلا الله
عز وجل ، ونهبوا
الأموال ، وسبوا النساء والأطفال ، وجرى عليهم قريب مما جرى على أهل
بغداد ، فجاسوا
خلال الديار ، وجعلوا أعزة أهلها أذلة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون
.
وامتنعت عليهم القلعة شهراً ثم استلموها بالأمان ، وخربوا أسور
البلد
وأسوار القلعة ، وبقيت حلب كأنها حمار أجرب ، وكان أمر الله قدراً
مقدوراً ، وقد
كان أرسل هولاكو يقول لأهل حلب : نحن إنما جئنا لقتال الملك الناصر
بدمشق ، فاجعلوا
لنا عندكم شحنة [ أي أميراً ] ، فإن كانت النصرة لنا فالبلاد كلها
في حكمنا ، وإن
كانت علينا فإن شئتم قبلتم الشحنة ، وإن شئتم أطلقتموه ، فأجابوه :
مالك عندنا إلا
السيف ، فتعجب من ضعفهم وجوابهم ، فزحف حينئذ إليهم ، وأحاط بالبلد
، وكان ما كان
بقدر الله سبحانه
.
ولما فتحت حلب أرسل صاحب حماه بمفاتيحها إلى هولاكو ،
فاستناب عليها رجلاً من العجم فخرب أسوارها كمدينة حلب
.
وأرسل هولاكو وهو
نازل حلب جيشاُ مع أمير من كبار دولته يقال له كتبغاوين، فوردوا
دمشق في آخر صفر
فأخذوها سريعاً من غير ممانعة ولا مدافعة ، بل تلقاهم كبارها بالرحب
والسعة ، وقد
كتب هولاكو أماناً لأهل البلد فقرئ بالميدان الأخضر ونودي به في
البلد ، فأمن الناس
على وجل من الغدر كما فعل بأهل حلب ، هذا والقلعة ممتنعة مستورة ،
وفي أعاليها
المجانيق منصوبة والحال شديدة ، فأحضرت التتار منجنيقاً يحمل على
عجل والخيول تجرها
، وهم راكبون على الخيل ، وأسلحتهم على أبقار كثيرة ، فنصب المنجنيق
على القلعة من
غربيها ، وخربوا حيطاناً كثيرة ، وأخذوا حجارتها ورموا بها القلعة
رمياً متواتراً
كالمطر المتدارك ، فهدموا كثيراً من أعاليها وشرافاتها ، وتداعت
للسقوط ، فأجابهم
متوليها في آخر ذلك للمصالحة ففتحوها ، وخربوا كل بدنة فيها ،
وأعالي بروجها ،
وقتلوا المتولي بها ونقيبها
.
وسلموا البلد والقلعة إلى أمير منهم يقال له
ابل سيان ، وكان لعنه الله معظماُ لدين النصارى ، فاجتمع به
أساقفتهم وقسوسهم ،
فعظمهم جداً وزار كنائسهم ، فصارت لهم دولة وصولة بسببه ، وذهب
طائفة من النصارى
إلى هولاكو ، وأخذوا معهم هدايا وتحفاً ، وقدموا من عنده ومعهم أمان
فرمان من جهته
، ودخلوا من باب توما ومعهم صليب منصوب يحملونه على رؤوس الناس ،
وهم ينادون
بشعارهم ويقولون : ظهر الدين الصحيح دين المسيح ، ويذمون الإسلام
وأهله ، ومعهم
أواني فيها خمر لا يمرون على باب مسجد إلا رشوا عنده خمراً ، وقماقم
ملآنة خمراً
يرشون منها على وجوه الناس وثيابهم ، ويأمرون كل من يجتازون به في
الأزقة والأسواق
أن يقوم لصلبهم .. ثم دخلوا بعد ذلك إلى كنيسة مريم ، وكانت عامرة ،
ولكن كان هذا
سبب خرابها ، ولله الحمد ، وضربوا بالناقوس في كنيسة مريم .. وذكر
أنهم دخلوا إلى
الجامع بخمر ، وكان في نيتهم إن طالت مدة التتار أن يخربوا كثيراً
من المساجد
وغيرها ، ولما وقع هذا في البلد اجتمع قضاة المسلمين والشهود
والفقهاء فدخلوا
القلعة يشكون هذا الحال إلى متسلمها ابل سيان ، فأهينوا وطردوا ،
وقدم كلام روؤس
النصارى عليهم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون
.
وهذا كان في أول هذه السنة
وسلطان الشام الناصر بن العزيز مقيم في جيوش كثيرة من الأمراء
وأبناء الملوك
ليناجزوا التتار إن قدموا إليهم ، ولكن الكلمة بين الجيوش مختلفة
غير مؤتلفة لما
يريده الله عز وجل ، وقد عزمت طائفة من الأمراء على خلع الناصر
وسجنه ومبايعة أخيه
شقيقه الملك الظاهر علي ، فلما عرف الناصر ذلك هرب إلى القلعة ،
وتفرقت العساكر شذر
مذر
.
البداية والنهاية 13/ 215 - 220باختصار
ذكرنا في الحلقات الماضيات كيف قدم التتار إلى البلاد العربية
الإسلامية ، وقد سبقتهم سمعتهم الرهيبة وأفعالهم المتوحشة ، فعاثوا
في الأرض فساداً
في بغداد وحلب ودمشق ، واتجهوا إلى الديار المصرية ليأخذوها، وكانت
تحت حكم السلطان
المملوكي قطز.
وجاء الخبر إلى الناس في مصر أن عسكر هولاكو قد وصل إلى دمشق
، ونهب البلاد ، وقتل العباد ، فاضطربت من هذا الخبر القاهرة ،
وعظمت البلية ،
ووصلت رسل خمسة من هولاكو برسالة جاء فيها بعد كلام فيه احتقار
للمماليك : ( سلموا
إلينا الأمر تسلموا قبل أن ينكشف الغطاء فتندموا ، وقد سمعتم أنا
أخربنا البلاد
وقتلنا العباد ، فلكم منا الهرب ، ولنا خلفكم الطلب ، فمالكم من
سيوفنا خلاص ،
وأنتم معنا في الأقفاص ، خيولنا سوابق ، وسيوفنا صواعق ، فقلوبنا
كالجبال ، وعددنا
كالرمال ، فمن طلب حربنا ندم ، ومن تأخر عنا سلم
) .
ثم قال له بعد كلام
: (
فأسرعوا إلينا بالجواب قبل أن تضرم الحرب نارها ، وترميكم بشرارها ،
فلا يبقى لكم
جاه ولا عزّ ، ولا يعصمكم منا حصن ولا حرز ، وتترك الأرض منكم خالية
، والمنازل
خاوية ، فقد أيقظناكم إذ حذرناكم ، فما بقي لنا مقصد سواكم ، وقد
حذرنا قبلكم أهل
بغداد بمثل ذلك فما سمعوا فجرى عليهم ما سمعتم به ، وقتلنا خطيبهم
الذي يزعمون أنه
الخليفة ، وخربنا عواقب الردى ) ، فها أنت ذا ترى أخي القارئ شدة
التتار في كلامهم
، وقوة تهديدهم ، وجلبهم العبارات الميئسة ، خاصة أن هولاكو ختم
الرسالة بهذين
البيتين
:
أين المفر ولا مفـرّ لهـارب ولنا البسيطان:الثرى والماء
ذلت
لهيبتنا الأسود وأصبحت في يـدنا الأمـراء والخلفـاء
فماذا فعل المظفر
قطز بعد هذا التهديد الذي لا مثيل له ؟ إن الرجل توكل على مولاه
الذي لا يخيب قاصده
، وقرر أن يدخل الحرب ضد هولاكو ، وذلك بعد أن جمع الأمراء
فاستشارهم فقال لهم فيما
قال : ( إن تأخرتم عن قتالهم ملكوا الديار المصرية ، وفعلوا بنا كما
فعلوا في بغداد
)،
فأجمع أمرهم على الخروج إلى هولاكو ، وهنا فعل قطز فعلاً عجيباً لا يقدم عليه
إلا من كان قد عقد العزم على المناجزة ، وبث الرعب في العدو المقابل
، وذلك أنه أمر
بالرسل الخمسة فقتلوا ، وهذا مخالف لما هو معروف من أن الرسل لا
يقتلون ، لكنه صنع
هذا ليخيف الأعداء ويشعرهم بقوته وهيبته وسطوته
.
واستعد المظفر قطز للقتال
وجمع عدداً ضخماً من الجنود بينهم كثير من عربان الشرقية والغربية ،
ونادى بالنفير
العام إلى الغزو في سبيل الله تعالى ، فاجتمع عنده من عساكر مصر نحو
أربعين ألفاً ،
ثم برزت مشكلة جمع الأموال اللازمة لهذا الجهاد ، فعقد مجلساً دعى
إليه القضاة
والمشايخ ، وكان على رأسهم شيخ الإسلام عز الدين عبد العزيز بن عبد
السلام رحمه
الله تعالى ، واستشار السلطان قطز عز الدين بن عبد السلام في شأن
المال ، فقال
الإمام كلاماً عظيماً لا يصدر إلا ممن وثق بنصر الله تعالى لعبيده
فقال : (اخرجوا
وأنا أضمن لكم على الله النصر )، فقال السلطان : ( إن المال في
خزانتي قليل وأنا
أريد أن أقترض من أموال التجار )، فقال له الإمام ابن عبد السلام :(
إذا أحضرت ما
عندك وعند حريمك ، وأحضر الأمراء ما عندهم من الحلي الحرام اتخاذه ،
وضربته سكة
ونقداً ، وفرقته في الجيش ولم يقم بكفايتهم ، ذلك الوقت اطلب القرض
، وأما قبل ذلك
فلا )، فأحضر السلطان والعسكر كلهم ما عندهم من ذلك بحضرة الشيخ ،
وكانت له عندهم
عظمة ، وله في أنفسهم مهابة بحيث لا يستطيعون مخالفته ، فامتثلوا ما
قاله ، وهذا
يدل على أن لمشايخ الإسلام القدماء عظمة ومكانة لا تدانيها مكانة
.
وأما قول
العز بن عبد السلام :( اخرجوا وأنا أضمن لكم على الله النصر ) فهو
من باب الثقة
بنصر الله تعالى ، وأن النصر يتنزل إن حققت شروطه ، والشيخ قد رأى
أن شروطه تحققت ،
أو أن ذلك من باب الكرامة للشيخ رحمه الله تعالى ، ويشبه هذا ما وقع
لشيخ الإسلام
ابن تيمية فإنه كان يقسم للناس أن الله سينصرهم على التتار في وقعة
شقحب سنة 702هـ
وكانت مع التتار أيضاً ، وكان إذا قيل له : قل إن شاء الله يقول :
إن شاء الله
تحقيقاً لا تعليقاً
.
ثم إن المظفر قطزاً جمع المال من الناس ، فقرر على كل
رأس من أهل مصر والقاهرة من كبير وصغير ديناراً واحداً ، وأخذ من
أجرة الأملاك
شهراً واحداً ، وأخذ من أغنياء الناس والتجار زكاة أموالهم معجلاً ،
وأخذ أشياء
أخرى كثيرة ، واجتمع له من الأموال بسبب هذا ستمائة ألف دينار وكسور
، فأنفق ذلك
على العسكر والعربان وجهز جيشه ، والطريف أن أحد الشعراء قال في
صنيعه هذا الذي
اتكأ فيه على فتوى الإمام ابن عبد السلام
:
إن سلطاننا الذي نرتجيـه واسع الحال
ضيق الإنفـاق
هو سـيف كما يقـال ولكـن قاطـع للرســوم والأرزاق
وصل
المظفر قطز إلى فلسطين في موقع هنالك يقال له ( عين جالوت ) ، وكان
ذلك في العشر
الأواخر من رمضان سنة 658 ، وكان يوم جمعة ، فلما رأى جنود التتار
وكثرتهم قال رحمه
الله تعالى للأمراء والجيوش الذين معه: لا تقاتلوهم حتى تزول الشمس
وتفيء الظلال
وتهب الرياح ويدعو لنا الخطباء والناس في صلاتهم ، وقد التقى مع
التتار فانكسر
الجيش الإسلامي ابتداء ، فترجل عن جواده ورمى خوذته وقال : وا
إسلاماه ، فكان لهذه
الكلمة فعلها في النفوس ، فاجتهد الجند والأمراء وقاتلوا قتالاً
هائلاً ، وكان
بينهما ما تشيب من هوله النواصي ، وقتل من الفريقين عسكر لا يحصى في
معركة هائلة ،
ثم انجلت المعركة عن هزيمة شنيعة للتتار ما ذاقوا مثلها من قبل ،
وقتل قائدهم
المحنك كَتْبُغانُوِين نائب هولاكو على بلاد الشام ، ولله الحمد
حمداً كثيراً طيباً
مباركاً فيه ، وما قامت للتتار قائمة بعد تلك المعركة ، بل كان
أمرهم إلى بوار ،
وفرح المسلمون فرحاً شديداً بهذه النتيجة ، واتبعوا التتار يقتلونهم
في كل موضع ،
وهرب التتار من دمشق وحلب ، وأيد الله الإسلام وأهله ، وكبت الله
النصارى واليهود
والمنافقين الذين فرحوا بانتصار التتار قبل ذلك ، وظهر دين الله وهم
كارهون
.
وبعد : لقد نصر الله المسلمين في عين جالوت نصراً عظيماً لم يكن
أكثر
الناس تفاؤلاً يتوقعه ، والمسلمون اليوم تحيط بهم أخطار كثيرة من
جهات عديدة لكن
بشائر النصر قريبة إن شاء الله تعالى ، فهاهم أسود الله في فلسطين
والشيشان وكشمير
وغيرها يجاهدون في سبيل الله ، ويرفعون راية الدين عالية ، ويثبتون
للدنيا جميعها
أن هذه الأمة لا تموت ، ولا ينبغي لها أن تموت ، وأن رحمها ولود
بالأبطال ، وأنها
تستعصي على كل المؤامرات الدولية والمؤتمرات التيئيسية
.
|