|
أثر المسيح
على البشري قوى ضخم، ولا أحد يناقش في أن يكون وضعه عند قمة هذه القائمة. والسؤال:
كيف أن المسيح وهو صاحب أكثر الأديان أثراً في الإنسانية لم يكن أول هذه القائمة؟
ولاشك أن المسيحية بمرور الوقت. أصبحت أكبر الديانات عدداً.
وعلى كل فليس المهم في هذه الدراسة هو أثر الديانة في الناس، ولكن أثر أصحاب هذه
الديانة فيهم. والديانة المسيحية تختلف عن الإسلام، فالمسيحية لم يؤسسها شخص واحد.
وإنما أقامها اثنان: المسيح عليه السلام والقديس بولس. ولذلك يجب أن يتقاسم شرف
إنشائها هذان الرجلان.
فالمسيح عليه السلام قد أرسى المبادئ الأخلاقية للمسيحية. وكذلك
نظرتها الروحية وكل ما يتعلق بالسلوك الإنساني. أما مبادئ اللاهوت فهي من صنع
القديس بولس. فالمسيح هو صاحب الرسالة الروحية. ولكن القديس بوليس أضاف إليها عباد
المسيح. كما أن القديس بولس هو الذي ألف جانباً كبيراً من ((العهد الجديد)) وكان
المبشر الأول للمسيحية في القرن الأول للميلاد.
وقد توفي المسيح عليه السلام وهو ما يزال شاباً (على خلاف محمد
صلى عليه وسلم وبوذا) وترك المسيح وراءه عدداً من الحواريين، وعند وفاة المسيح ألف
أتباعه طائفة يهودية صغيرة. ولكن القديس بولس هو الذي جعل هذه الفئة الصغيرة هيئة
كبيرة نشطة شملت اليهود وغير اليهود، حتى أصبحت المسيحية واحدة من الديانات
الكبرى...
ولهذه الأسباب، فإن عدداً من الباحثين يرون أن مؤسس هذه الديانة
المسيحية هو القديس بولس، وليس السيد المسيح. وهذا يؤدي إلى أن القديس بولس قبل
السيد المسيح في هذه القائمة. وليس واضحا ما كان سيئول إليه أمر المسيحية. لولا
القديس بولس، ولكن من المؤكد أيضا أنه لا مسيحية بغير المسيح!
وليس من المنطق في شئ أن يكون السيد المسيح نفسه مسئولا عن الذي
أضافته الكنيسة أو رجالها إلى الديانة المسيحية. فكثير مما أضافوه يتنافى مع تعاليم
المسيح نفسه. فالحروب بين المسيحيين. وذبح المسيحيين. لليهود، تناقض تماماً كل الذي
دعا إليه السيد المسيح، ويستحيل أن يقال أن السيد المسيح هو الذي أوصى بهذا كله.
وإذا كانت العلوم تطورت في العالم الغربي المسيحي. فليس من
المنطق أن يقال أن المسيحية هي المسئولة عن نهضة العلوم في العشرين قرناً الماضية،
فلم نجد في شروح رجال الدين المسيحي. من يقول إن المسيحية تدعو إلى التأمل في الكون
أو الدعوة إلى التفكير العلمي. ومن المؤكد أن تحول الإمبراطورية الرومانية إلي
المسيحية. قد صاحبه في نفس الوقت انحطاط رهيب المستوى للتكنولوجيا والاهتمام
بالعلم.
أما نهضة العلوم في أوروبا فّرجع في الحقيقة إلى أن هنالك شيئاً
ما في الحضارة الأوروبية والتراث الفكري، يناسب الأسلوب العلمي في التفكير، وهذا
الشئ ليس من تعاليم السيد المسيح، وإنما هو التفكير العقل الإغريقي، ممثلا في
مؤلفات الفيلسوف أرسطو وهندسة إقليدس. ولم ينتعش العلم في أوربا في عصر المد
المسيحي. ولكن في عصر النهضة. تلك الفترة التي عاودت فيها أوروبا تقديم كل ما سبق
الديانة المسيحية من تراث إنساني.
أما قصة حياة السيد المسيح. فهي معروفة كما وردت في العهد
الجديد، وإن كانت تجدر الإشارة إلى جوانب منها. وأكثر المعلومات عن حياة السيد
المسيح ليست مؤكدة.
ونحن لسنا على يقين من اسمه الحقيقي. وأغلب الظن أنه يحمل الاسم
اليهودي المعروف وهو يشرع. وسنة ميلاده ليست مؤكدة. وإن كان يقال إنه قد ولد قبل
السنة التي أجمع عليها رجاله بست سنوات، حتى سنة وفاته التي أجمع عليها حواريوه،
ليست معروفة ولا مؤكدة. كما أن المسيح لم يترك وراءه ورقة واحدة مكتوبة.. وكل ما
لدينا من معلومات عن حياته إنما هو مستمد من ((العهد الجديد)). ومما يؤسف له حقاً
أن الأناجيل يناقض بعضها البعض. مثلا: نجد أن الإنجيل ((منى)) ((لوقا)) يتناقضان في
إيراد الكلمات الأخيرة للسيد المسيح، وإن كانت هذه الكلمات مأخوذة حرفيا من التوراة
ـــــ أي العهد القديم.
وليس من قبيل الصدفة أن يكون للسيد المسيح كلمات مقتبسة من
التوراة بمؤسس المسيحية يهودي. ويهودي مخلص. وقد أشير كثيراً إلى أن السيد المسيح
كان يشبه من وجوه كثيرة أنبياء اليهود الذين جاءوا في التوراة، كما أنه كان قد تأثر
بهم أعمق الأثر. ويسوع كالأنبياء.. كان عميق الأثر في الناس حوله. وكان في غاية
الشجاعة بكل معاني وأعماق هذه الكلمة.
وهو على خلاف محمد صلى عليه وسلم.. لم يمارس السياسة ولا السلطة
الدينية. ولم يكن ليسوع أي دور سياسي في حياته. ولا كان للمسيحية أثر سياسي في
للمسيحية. ولو طبقت هذه المبادئ ما ترددت لحظة واحدة في أن أضع المسيح في أول هذه
القائمة.
ولكن الحقيقة أنها لم تلق رواجاً واسعاً بين الناس، ولا حتى هي
مقبولة عند الناس.. فأكثر المسيحيين يرون أن الدعوة لأن ((نحب أعداءنا)).. إسراف في
المثالية لا يمكن تطبيقه إلا في عالم خيالي. ونحن عادة لا نطبق هذا المبدأ. ولا
نتوقع من الآخرين أن يفعلوا ذلك. ولا حتى ننصح أطفالنا بأن يمشوا على هداه. وكذلك
معظمهم تعاليم السيد المسيح ظلت محيرة. كما أنها نصائح لم يحاول تطبيقها كثيرون!
|