|
اسمه جوا تاما بوذا. واسمه الأصل الأمير سيد هارتا. مؤسسة
الديانة البوذية إحدى الديانات الكبرى. أبوه كان حاكماً لإحدى المدن في شمال الهند
على حدود مملكة نيبال. تزوج السادسة عشرة من عمره إحدى قريباته وفي مثل سنه. وقد
ولد في الأبهة والفخامة، ولكنه كان في غاية التعاسة. فقد لاحظ أن أكثر الناس فقراء،
وأن الأغنياء أشقياء أيضاً، وأن الناس جمعيا ضحايا المرض والموت بعد ذلك.
وقد فكر بوذا كثيراً، واهتدى إلى أنه لا بد أن يكون في هذه
الحياة العابرة شئ أبقى من كل ذلك.
وعندما بلغ الحادية والعشرين من عمره وبعد ميلاد ابنه، قرر أن
يهجر هذه الدنيا وأن يتفرغ تماماً للتأمل في أمر الدنيا وأن يبحث عن الحقيقة ترك كل
شئ وتحول إلى متسول مفلس، ودرس على أيدي عدد من رجال الدين، وبعد أن أمضى بعض الوقت
اكتشف أن الحلول التي يتقدمون بها لمشاكل هذه الحياة ليست كافية. وكان من المعتقد
في ذلك الوقت أن الحل الوحيد لمتاعب الدنيا هو الزهد فيها فزهد في كل شئ. وأمضى
سنوات لا يأكل إلا القليل ولا يشرب إلا القليل. ولكنه عاد فاكتشف أن تعذيب الجسد.
يملأ العقل ضباباً ويحجب عن النفس رؤية الحقيقة فعدل عن الزهد إلى حياته العادية
يأكل ويشرب ويجلس إلى الناس.
وفي العزلة أمسك بخناق مشاكل الناس. وفي إحدى الليالي بينما كان
يجلس تحت شجرة تين، تساقطت عند قدميه هموم الدنيا كلها، وعرفها. واهتدى إلى حلها.
وأمضى يوذا الليل كاملا يتأمل. فلما طلع عليه النهار أيقن تماما أنه عرف الحقيقة،
وأنه أصبح ((بوذيا)) ــــ أي إنساناً مستنيراً.
أما التعاليم البوذية فيمكن إنجازها في أنها تنطوي على الحقائق
النبيلة الأربع الآتية:
أولا: أن الحياة في أعماقها تعيسة.
ثانياً: أن سبب هذه التعاسة أنانية الإنسان وشهواته
ثالثا: أن أنانية الإنسان وشهواته يمكن القضاء عليها عندما يصل
الإنسان إلى حالة ((النرفانا)) أي انعدام كل شئ في أعماقه.
رابعا: أن الوسيلة إلى الهرب من الأنانية هي أن تسلك طريق
الحقائق الثماني وهي:
النظرة الصحيحة. والفكرة الصحيحة.
والكلمة الصحيحة. والعمل الصحيح.
والحياة الصحيحة. والجهد الصحيح. والفهم الصحيح. والتأمل الصحيح.
والبوذية مفتوحة على كل الناس دون تفرقة من لون أو جنس، على عكس
الديانة الهندوكية المتعصبة.
وبعد وفاة بوذا انتشرت الديانة البوذية على مهل. ففي القرن
الثالث قبل الميلاد تحول الإمبراطور الهندي أشوكا إلى الديانة البوذية مما أدى إلى
انتشارها في الدول المجاورة جنوباً في سيلان وشرقاً في بورما والملايو واندونيسيا
وشمالا إلى أفغانستان كما أنها دخلت الصين وأصبح لها أتباع كثيرون. ومن الصين
انتقلت إلى كوريا واليابان.
وفي الهند نفسها انحسرت الديانة البوذية حتى 500 ميلادية. ثم
احتفت تماماً في سنة 1200. ولكن بقيت البوذية منتشرة في الصين واليابان وظلت الدين
الرسمي في التبت ودول آسيوية أخرى كثيرة.
ولم تسجل تعاليم بوذا إلا بعد وفاته بوقت طويل كما أن ديانته
هذه قد انشقت بعضها على بعض.
ولا شك أن بوذا نفسه كواحد من مؤسسي الديانات الكبرى يستحق أن
يتصدر هذه القائمة. لولا أن عدد البوذيين في العالم لا يتجاوزون مائتي مليون. بينما
عدد المسلمين 700 مليون. وعدد المسيحيين ألف مليون. ومعنى ذلك أن أثره كان أقل
بكثير من الأثر الذي تركه محمد صلى عليه وسلم، والسيد المسيح عليه السلام.
أما لماذا انحسرت البوذية في الهند. فسبب ذلك هو أن الديانة
الهندوكية قد اشتملت على معظم مبادئ البوذية.
ولكن البوذية رغم ذلك تحتوى على قدر من السلام والدعوة إليه
أكثر مما جاء في الإسلام والمسيحية. ولاشك أن مبادئ السلام وترك العنف قد كان لها
أعمق الأثر في الحياة السياسية لكل الدول التي آمنت بالبوذية.
وقد قبل حقاً وبصدق. إنه لو عاد السيد المسيح إلى الحياة لفزع
من هذه الجرائم التي ارتكبت باسمه وبين المؤمنين به. فكم من الحروب الدموية قد نشبت
بين الشعوب المسيحية في أوروبا. وكذلك لو عاد يوذا إلى الحياة لوجد أن أشياء كثرة
قد قيلت على لسانه، وأن أساليب في الحياة قد اتخذها أتباعه، لم يكن يستريح هو
إليها.
ومن المؤكد أن أثر بوذا على أتباعه أكبر وأعمق مما تركت تعاليم
المسيح على أتباعه.
وقد كان لكل من بوذا الهند وكونفوشيوس الصين أثر متقارب على
أتباع الرجلين.
وقد اخترت بوذا قبل كونفوشيوس لسين: أولهما: أن الشيوعية في
الصين تفوقت على الديانة الكونفوشية وبذلك تكون البوذية أكبر عدداً وأقوى أثراً.
ثانياً: أن الكونفوشية قد فشلت في أن تترك أثر أثراً خارج الصين. وهذا يدل على أن
كونفوشيوس كان قريباً إلى المزاج الديني في الصين فقط. وهذا هو الفارق بين ديانة
بوذا وديانة كونفوشيوس. فبوذا استطاع أن يذهب بتعاليمه إلى أبعد من حدود الهند.
|