|
ولد تشارلز داروين في إنجلترا يوم 12 فبراير سنة 1809 نفس اليوم
الذي ولد فيه الرئيس الأمريكي إبرا هام
لنكولن. دخل الجامعة في السادسة عشرة من عمرة لدراسة الطب. ثم انتقل إلي
جامعة أخرى لدراسة اللاهوت. وفي الجامعة اكتشف أن هنالك أنواعاً أخرى من النشاط مثل
ركوب الخيل والصيد أجدى من الدراسات الجامعية.
وفي ذلك الوقت أقنع واحداً من أساتذته ليسافر هو على السفينة "
بيجل " التي تقوم بجولة حول العالم. وأن يشغل منصب الباحث الطبيعي في هذه الرحلة.
واعترض أبوه أول الأمر. لأنه رأى في ذلك عذراً واهياً يتعلل به ابنه. حتى لا يكمل
دراساته الجامعية الجادة. ثم عدل الأب عن قراره عندما علم بالخطورة العلمية لهذه
الرحلة التي ليس لها نظير في تاريخ الرحلات العلمية الغربية.
وأبحرت السفينة سنة 1831 وكان داروين في الثانية والعشرين من
عمره. وفي السنوات الخمس التالية زارت السفينة شواطئ أمريكا الجنوبية. وجزر جالا
باجوس النائية. وكثيراً من جزر المحيط الهادي وجنوب الأطلنطي. وأثناء هذه الرحلة
الطويلة رأى داروين كثيراً من عجائب النباتات والحيوانات والحفريات والقبائل
البدائية. وجمع الكثير من كل شئ. وسجل ملاحظات مستفيضة. هذه الملاحظات كانت الأساس
لكل مؤلفاته التي صدرت بعد ذلك. ومن هذه الملاحظات استمد نظرياته التي أعلنها فيها
بعد. والتي دعمها بما رأى بنفسه وما جمع من عينات من كل شئ.
وعاد داروين في سنة 1836. وظل عشرين عاماً ينشر أبحاثه ونظرياته
التي أكسبته شهرة واسعة كواحد من أعظم علماء الحياة في العالم. وفي سنة 1837 كان
داروين قد اقتنع تماماً بأن النبات والحيوان قد تطورا عبر ألوف السنين. وأن النبات
والإنسان لم يكونا على صورة واحدة. وإنما تطور. ولكنه في ذلك الوقت لم يكن يدري
تماماً أسباب هذا التطور.
وفي
سنة 1838 قرأ بحثاً بعنوان " يحث عن
مبدأ تزايد السكان " للقس توماس مالتوس. هذا البحث هو الذي زوده بالمفتاح الحقيقي
لنظرية " الانتخاب الطبيعي من أجل البقاء ". وعلى الرغم من أن داروين قد اهتدى إلى
نظرية " الانتخاب الطبيعي " فإنه لم يتعجل نشرها. فقد توقع أن تلقي هذه النظرية
الكثير من المعارضة ولذلك استغرق وقتاً طويلاً في دراستها وتمحيصها وتزويدها
بالأدلة والبراهين قبل أن يطلع بها على الناس.
وقد كتب خطوطها العريضة في سنة
1842. ثم عاد في سنة 1844 وألف عنها كتاباً كاملا. ولكن في يونيو 1858 تلقى مخطوطة
من عالم بريطاني آخر يعيش في جزر الهند الشرقية اسمه ألفرد رسل والأس. تتحدث نظريته
ـــ أي نظرية والأس ـــ عن التطور. ومن العجيب أن كل ما اهتدى إليه والأس هو بالضبط
ما اكتشفه داروين! وقد اهتدى
والأس إلى هذه النظرية ووضحها ودعمها بالأدلة وبعث بها إلى داروين ليعرف رأيه وملاحظاته عليها باعتباره
واحداً من كبار العلماء في ذلك العصر!
وكان موقفاً في غاية الخرج. أيهما
كان الأسبق في كشف هذه النظرية ولكن قدمت مخطوطة والأس. وقد أيضاً عرض موجز لنظرية
داروين لإحدى الهيئات العلمية
ولكن هذا الحدث لم يثر اهتمام أحد
في ذلك الوقت. غير أن الضجة الكبرى حدثت
عندما أصدر داروين في العام التالي كتابه الشهير " أصل الأنواع "
ولم يحدث أن لقي كتاب من الضجة
العلمية والشعبية مثلما لقي كتاب داروين وأصل الأنواع عن طريق الانتخاب الطبيعي أو
بقاء الأنواع المفضلة في كفاحها من أجل
الحياة. وكانت المناقشات ما تزال على أشدها عندما أصدر داروين كتابه " أصل
الإنسان والانتخاب فيما يتعلق بالجنس" في سنة 1871. هذا الكتاب
الذي أوحى بفكرة أن الإنسان قد نزل من القرد. أو من سلالة القرد قد أدى إلى ضجة
علمية وغضب ديني!
ولم يساهم داروين في المناقشات التي دارت وثارت حوله. لسبب بسيط
هو أنه عاد مريضاً من رحلته الشهيرة حول العالم. فقد أصيب بمرض يعاوده من حين إلى
حين بسبب لسعة بعض الحشرات السامة في أمريكا الجنوبية.
وقد تولى العالم الكبير توماس هكسلي الدفاع عن نظرية التطور.
وقد أدخلت تعديلات وتصحيحات كثيرة لنظرية داروين. حتى لقيت قبولا عاماً عند العلماء
عندما توفى داروين سنة 1882.
ولم يكن داروين وحده هو صاحب نظرية التطور. فقد نادي بها كثيرون
غيره وقبله. من مثل العالم الفرنسي لأمارك. وكذلك أرازموس داروين وهو جد تشارلز
داروين.
ولكن مثل هذه المحاولات والاحتمالات التي سبقت تشارلز داروين لم
تلتق هذا التقدير والاحترام العالمي. لأن هذه القروض العلمية التي سبقته لم تستطيع
أن تقدم دليلا مادياً على شكل التطور أو مساره التاريخي، علي نحو ما فعل تشارلز
داروين. فهو لم يكتف بأن قدم لنا " مسار " التطور ومسار الانتخاب الطبيعي من أجل
بقاء الأصلح فقط. إنما قدم الأدلة المقنعة على ذلك. وقد أحدثت نظرية داروين
انقلاباً في العلوم الأخرى. فقد أصبحت فكرة التطور خطأ أساسياً في كل التفكير
الإنساني في نهاية القرن التاسع عشر واستطاع داروين أن يقنعنا بأن الإنسان ليس إلا
واحداً من الكائنات المتطورة وأن الإنسان ليست له هذه الأهمية التي تتصورها. فمن
يدري ربما سبقته كائنات أخري في التطور. وقد أدت هذه النظرية إلى فزع رجال الدين
الذين رأوا داروين كافراً وملحداً ــــ وقد كان بالفعل كذلك. ولكن لأسباب أخرى هي
أنه لا يأخذ بما جاء في الكتاب المقدس حرفياً.
وقد أدخل داروين مفردات نظريته في الفكر المعاصر له مثل:
التطور.. والكفاح من أجل الحياة.. والانتخاب الطبيعي.. والبقاء للأصلح.. ولا شئ
ثابت في حياتنا إلا التغير..
وكان من الممكن أن تنتشر نظرية التطور هذه. حتى إذا لم يولد
داروين لأن العالم والأس قد اهتدى إليها. وهذه حالة فريدة بين كل الخالدين المائة.
ولكن ما كتبه داروين وما نشره وأسلوبه في التعبير والإقناع كان السبب الأول ضخامة
هذه النظرية واتساعها بين ملايين الناس ولعشرات السنين!
|