|
إنه الإمبراطور الصيني العظيم الذي حكم فيما بين 238 ـــ 210 ق.
م. ووجد ولايات الصين المتصارعة المتنافرة. وأدخل عليها إصلاحات هائلة اكتسحت
الفساد والانحلال والتفكك. وكانت هذه الإصلاحات من الأسس التي أبقت على الصين قبل
هذا الإمبراطور ممزقة، وكان أمراؤها يتصارعون ويتقاتلون. فعاشت هذه الولايات أو
الإمارات في ظروف حربية مهلكة.. إلا إن إحدى الولايات واسمها الصين، هذه الولاية قد
اعتنقت المبادئ السلوكية الضرورية. أي اعتنقت فلسفة ترى أنه من الضروري أن يكون
للإنسان وللدولة أيضاً مبادئ أخلاقية للسلوك. هذه المبادئ يجب أن تكون قوية وملزمة،
وأن هذه المبادئ على الرغم من أن الحاكم هو الذي يضعها ويقرها. فإنه لا بد أن تكون
سارية على الجميع، وأن الحاكم يجب أن يكون قدوة حسنة. وأصبحت هذه الولاية أقوى
الولايات الصينية. واستطاع أن ينصب نفسه ملكاً على الصين كلها.. على نفسه " شي
هوانج تي " أي الإمبراطور الأول للصين.
وبسرعة أدخل تعديلات جوهرية، وجعل من ولايته نموذجاً لما يجب أن
تكون عليه الولايات الأخرى في الوحدة والاستقرار والانضباط. وقام بتقسيم دولته هذه
إلى 36 ولاية، وجعل لكل منها حاكماً مدنياً. وجعل لها جيشاً وعين لكل جيش قائداً.
ثم إنه جعل هذه المناصب بالتعيين وليست وراثية، ثم إنه عين قائداً أو مستشاراً
ليوازن بين الحاكم المدني والحاكم العسكري حتى لا ينفرد أحدهما بالسلطة.
ثم أصدر قراراً بنقل الأغنياء والطبقة الأرستقراطية كلها إلى
العاصمة. ليكونوا تحت رقابته الشديدة. وربط المدن والعاصمة بطرق واسعة طويلة، وأعلن
بوضوح: أنه ما لم تكن الدولة مرتبطة بعضها ببعض فلن يكون سهلا على الحاكم أن يسيطر
عليها.
وعلى الرغم من ذكائه في اختيار القادة وحكام الولايات، وربط
البلاط ربطاً محكماً، وتوحيد الصين والموازين المقاييس وأحجام العربات وشكل الحروف.
فإنه ارتكب حماقة كبرى ليس لها نظير في التاريخ. فقد أحرق كل الكتب في عصره ولم
يستبق إلا بعض الكتب عن الزراعة أو الصناعة، ويقال إنه احتفظ بنسخة من كل كتاب
أحرقه وأودعها مكتبة القصر، ولكن لا يوجد أي دليل مؤكد على ذلك. فقد أراد بهذا
العمل الجنوني أن يقضي على كل أثر لكونفوشيوس وتعاليمه والأخلاقية.
أما سياسته الخارجية فكانت هي الأخرى عنيفة. فقد كان على علاقات
متينة بجيرانه، كما أن جيوشه لم تتوقف عن غزو البلاد الأخرى الواقعة في الشمال
وضمها إلى الصين، ثم ربط الأسوار الواقعة على حدود الصين بعضها ببعض، فكان " سور
الصين العظيم " الذي مازال قائماً حتى اليوم. وبسبب هذه الحروب الكبيرة احتاج إلى
الضرائب، ففرضها على الناس، فكرهه الناس، وكان من الصعب إسقاطه. ولذلك حاول الشعب
اغتياله. ولم يفلح أحد في ذلك، فمات في فراشه. وبعد وفاته تولى العرش ابنه الثاني.
ولم يبق في موقعة سوى أربع سنوات انتهت باغتياله، ويموت ابنه هذا انهارت إمبراطورية
الصين!
واختلف المؤرخون حول قيمة الإمبراطور الأول للصين. أما
الشيوعيون فيرون فيه حاكماً تقدمياً، ويقارنه الغربيون بنابليون، ولكن من المؤكد أن
الإمبراطور قد حقق للصين ما لم يفعله أحد من الوحدة والهدوء والاستمرار والانضباط.
ولم يفلح أحد بعد ذلك أن يغير الاستقرار والاستمرار الذي ساد الصين. لأي سبب.
وهنالك من يقارنه بالإمبراطور الروماني أغسطس قيصر، مؤسس
الإمبراطورية الرومانية. وإن كانت الإمبراطورية الرومانية أصغر حجماً وأقصر عمراً
وأقل تماسكاً، على عكس إمبراطورية الصين التي امتدت وطال عمرها.
|