|
القائد المغولي الشهير. كان أبوه واحداً من رؤساء القبائل. وقد
أسمى ابنه هذا تيموجين. وعندما بلغ الابن التاسعة من عمره اغتالت إحدى القبائل
أباه. فعاش بقية أفراد أسرته في حالة من الخوف والفزع. وهي بداية مروعة. ولكن الفتى
الصغير انتظرته بعد ذلك حوادث أسوا وأعنف. فقد اختطفته إحدى القبائل ووضعته في
السجن. ولكي يحولوا بينه وبين الهرب لفوا حول عنقه إطاراً من الخشب. ومن هذا الهوان
والعذاب والفزع والرغبة في الانتقام ازدهر شباب تيموجين ليصبح أقوى رجل في العالم.
وقد بدأت قوته في نفس اللحظة التي فكر فيها أن يفلت من السجن.
فقد اتحد مع شيخ قبيلة اسمه طوغريل. وكان صديقاً لوالده.
ومضت سنوات عديدة والقبائل المغولية في حالة مستمرة. ومن خلال
هذه المعارك الدموية المستمرة برز هذا الشاب تيموجين حتى أدرك الجميع أنه قائد
موهوب. وأن مستقبل القبائل كلها من الممكن أن يوضع بين يديه، أو على صهوة حصانه.
ومن المعروف تاريخياً، أن فرسان المغول من أبرع المقاتلين. وقد
اتجهت معاركهم إلى حروب الثأر بين بعضهم البعض. أو في العدوان على الدول المجاورة
ولكن هذا العدوان لم يتخذ شكل المعارك المنظمة.
ولكن تيموجين استطاع بالشجاعة والجرأة والدبلوماسية أن يوجد بين
هذه القبائل وأن يتزعمها جميعاً، وفي سنة 1206 أجمع رؤساء قبائل المغول على تتويج
تيموجين ملكاً عليهم، ولذلك أسموه جنكيز خان: أي إمبراطور الدنيا!
وانتقل جنكيز خان بالحروب إلى خارج بلاده. وانتهت بذلك الحروب
الأهلية، واستهل معاركه الكبرى بمحاربة إحدى الولايات في شمال الصين. واستولى
عليها. وفي الوقت الذي انشغلت قواته بغزو الصين شمالاً وغرباً. اتجهت قوات أخري
تغزو بلاد فارس. وفي سنة 1219 زحفت قواته على بلاد فارس واكتسحتها تماماً. وسقطت
إمبراطورية فارس.
وبينما كانت جيوش تزحف على روسيا استولى على أفغانستان وعلى
شمال الهند.
وعاد إلى بلاده منغوليا في سنة 1225 وتوفي هنالك في سنة 1227.
وقبل وفاته بقليل أوصى جنكيز خان بأن يليه في الحكم ابنه
الثالث: أوجادى. وكان ذلك قراراً حكيماً. فقد أثبت ابنه هذا أنه قائد بارع. فتحت
قيادته زحفت قواته إلي الصين واستولت على روسيا وتقدمت إلى أوربا. وفي سنة 1241
دخلت جيوشه المجر وبولندا وألمانيا. وفي تلك السنة انسحبت القوات المغولية إلي غير
عودة. وتوفى هو أيضاً.
وجاءت سنوات من الخلاف بين رؤساء القبائل حول من الذي يخلف
أوجادى هل هو مانجو خان أو كويلاى خان وكلاهما حفيد جنكيز خان؟
ولكن بعد هذين الحفيدين استأنفت قوات المغول الزحف فاستولت على
الصين تماماً. وبذلك تكون منغولياً قد سيطرت على الصين وكوريا والهند والتبت وآسيا
الوسطى وجنوب شرق آسيا وروسيا وبولندا. وهي بذلك أكبر إمبراطورية في التاريخ.
ولكن مثل هذه الإمبراطورية الهائلة والتي تحكمها قوات بأساليب
بدائية لا يمكن أن تظل متماسكة زمناً طويلاً. ولذلك فإن الصين قد طردت قوات المغول
في سنة 1368. وإن كان حكمهم قد أستمر في روسيا حتى القرن السادس عشر واستمر حكمهم
في شبه جزيرة القرم حتى سنة 1783. كما ظل عدد من الملوك أحفاد جنكيز خان يحكمون في
آسيا الوسطى وبلاد الفرس. وهي المناطق التي استولى عليها تيمور لنلث في القرن
الرابع عشر وهو مغولي أيضاً، وكان يباهى بأنه من أحفاد جنكيز خان. ولكن مملكة تيمور
لنلث هذه قد انهارت تماماً في القرن الرابع عشر. ولم تكن هذه هي نهاية المغول، لأن
أحد أحفاد تيمور لنلث اسمه بابر قد غزا الهند وأقام مملكة جديدة للمغول، كما ظل
الحكام المغول الذين يغزون الهند من حين إلى حين. مسيطرين عليها حتى القرن الثامن
عشر.
وفي التاريخ أناس كثيرون مثل جنكيز خان ــــ قواداً أو مجانين
ـــ قاموا يغزوا مساحات هائلة من الأرض. وحققوا انتصارات عسكرية بارزة. ومن ألمعهم
الاسكندر الأكبر وجنكيز خان ونابليون وهتلر. ولكن لماذا يشغل هؤلاء الأربعة هذا
المكان الرفيع في قائمة الخالدين، أليست الأفكار أهم وأخطر من الجيوش؟ لا شك أن
القلم أخطر من السيف.. ولكن هؤلاء الأربعة تحكموا في أرض واسعة وشعوب كثيرة. وكان
لهم أثر بالغ على حياتهم وعلى معاصريهم. ولذلك لا يمكن إغفالهم. مهما كان إحساسنا
بالنسبة لهم. نحبهم أو نكرههم. نحترمهم أو نحتقرهم. ولكن لماذا نرى جنكيز خان أهم
من الثلاثة الآخرين؟
لأن أثره كان أعمق وأطول من أي من هؤلاء الثلاثة. وأهم من ذلك
أن الأثر الذي تركه ظل وقتاً طويلا. فكل من نابليون وهتلر قد هزم وهو على قيد
الحياة. على الرغم من أن الاسكندر لم يهزم لم يهزم في حياته. فإنه لم يترك خليفة
له. ولذلك انهارت إمبراطوريته بوفاته. بينما استطاع جنكيز خان أن ينظم معاركه
تنظيما ممتازاً. كما أن أحفاده وأحفادهم قد ظلوا حكاماً ناجحين وظلوا على رءوس
الدول قروناً بعد وفاته.
وهناك نتيجة غير مباشرة لغزوات جنكيز خان إنها وحدت التجارة بين
الدول التي استولى عليها. فنشطت التجارة بين الصين وأوربا.
وأستطاع تجار من مثل الرحلة ماركو بولو من أن يذهبوا إلى الصين.
ويعودوا إلى أوربا ليرووا قصصاً خرافية عن ثرائها العظيم. وهذا النشاط التجاري هو
الذي دفع عدداً كبيراً من الأوربيين إلى اكتشاف مجاهل آسيا..
ويمكن أن يقال أيضاً: إنه إذا لم يعش خريستوف كولمبوس والزعيم
سيمون بوليفار والمخترع توماس أديسون، فإن أشخاصاً آخرين كان في استطاعتهم أن
يعلموا نفس الشئ. فيكتشف واحد أمريكا ويحرر واحداً آخر أمريكا الجنوبية ويخترع واحد
ثالث المصباح الكهربائي. ولكن إذا لم يولد جنكيز خان. فإن من المستبعد تماماً أن
يقوم واحد آخر بهذه الغزوات الواسعة وإقامة الإمبراطورية المغولية من كوريا إلى
بولندا. فقبائل المغول لم تتحد قبله. ولم تفلح في أن تتحد مرة أخرى بعد ذلك، ولذلك
فجنكيز خان يعتبر واحداً من أعظم محركي التاريخ الإنساني.
|