|
إنه
الرجل الذي تحدى الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، واستهل بذلك مرحلة الاحتجاج أو
الإصلاح الاحتجاجي على الكنيسة ــــ أي صاحب نظرية البروتستانتية. ولد مارتن سنة
1483 في مدينة إيسليبن في ألمانيا، ودرس في الجامعة، وبتشجيع من والده درس القانون.
ثم حصل على الدكتوراه في اللاهوت أي في الشريعة المسيحية من جامعة فيتبرج ثم عمل
مدرساً بها.
أما احتجاجه على الكنيسة فقد نما بالتدريج، ففي سنة 1510 سافر
إلي روما.وصدمه ما رأى عليه أحوال رجال الدين. ولكن الذي صدمه أكثر هو تلك التجارة
التي انشغلت بها الكنيسة: تجارة صكوك الغفران. فقد كانت الكنيسة الكاثوليكية تبيع
الجنة للمؤمنين، فالكنيسة هي التي تبيع العفو عن الخطايا، وهي التي تقدر سلفاً
فترات العذاب التي يقضها المذنبون في النار أو الجنة!!
وفي أكتوبر سنة 1517 علق احتجاجاً صارخاً على باب كنيسة مدينة
فيتبرج، وقد ضم هذا الاحتجاج 95 اعتراضاً على كنسية روما. ورفضها واستنكرها تماماً.
وأدان صكوك الغفران. وأرسل مارتن لوتر صورة من هذا الاحتجاج إلي كبير أساقفة مدينة
ماينس. وتناقل الناس هذه الاحتجاجات في كل مكان.
واتسع نطاق احتجاج روما على كنيسة لوتر، بل إنه ذهب إلى أبعد من
ذلك فاحتج على سلطان البابا نفسه وعلى المجتمع البابوي. ورأى أن كان إنسان يجب ألا
يخضع إلا لسلطان الكتاب المقدس وحده. ولم تسترح الكنيسة إلى هذه الثورة واستدعته
الكنيسة واستمعت إليه وأدانته واتهمته بالإلحاد وحرمت مؤلفاته.
وكان لوتر في غاية النشاط والحيوية. فقد ألف كثيراً ونشر ذلك
على أوسع مجال. ومن أعظم أعماله كلها ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة الألمانية. وقد
أدى ذلك إلى أنه أصبح من السهل على أي إنسان أن يقرأ الكتاب المقدس دون أن يعتمد
على كهانة الكنيسة، كما أن جمال عبارة لوتر قد أثرت في الأدب الألماني المعاصر...
وليس في الإمكان إجمال فلسفة لوتر في اللاهوت أي في الإلهيات.
ولكن أهم نظرياته التي استمدها من القديس بولس: أن الإنسان قد لوثنه الخطيئة. وأن
العمل الطيب لا يمكن أن يطهره من هذه الخطيئة. إنما الإيمان فقط هو الذي يطهره. أي
إرادة الله ورحمة الله وعفوه هو الذي يطهره من الخطيئة. ولذلك فما تقوم به كنيسة
روما من بيع العفو عن الناس عمل يتنافى مع الدين. بل هو الكفر نفسه. فليس للكنيسة
الحق في أن تكون وسيطاً بين الإنسان وربه. وعلى ذلك فلا مبرر لما تقوم به الكنيسة
الرومانية، بل لا مبرر لها كلها!
وأنكر لوتر أن يكون القسيس أعزب مدى الحياة. ولذلك تزوج في سنة
1525، تزوج راهبة، وأنجبا ستة أطفال. وتوفى لوتر في سنة 1546 أثناء زيارته للمدينة
التي ولد فيها.
ولم يكن مارتن لوتر أول من احتج على الكنيسة الرومانية، فقد
سبقه إلى ذلك رجل آخر هو يان هوس في ولاية بوهيميا. وكذلك سبقه الباحث الإنجليزي
جون وايكليف في القرن الرابع عشر. وربما اعتبرنا العالم الفرنسي بييرفالدو من القرن
الثاني عشر أحد رواد الاحتجاج على الكنيسة الرومانية.
ولكن أثر هؤلاء المحتجين كان محلياً. وفي سنة 1517 كان الاحتجاج
على الكنيسة الرومانية عاماً.. أي احتجاجاً على كل شئ قديم تقليدي، ولذلك فمن حق
لوتر أن يكون أباً للإصلاح في الفكر الأوروبي كله.
ومن الآثار البالغة للاحتجاج الذي قام به لوتر نشوب الحروب
الدينية في أوروبا بعد ذلك. من بين هذه الحروب: حرب الثلاثين عاماً في ألمانيا التي
استغرقت من سنة 1618 حتى سنة 1648. وكانت هذه الحروب جمعياً دموية صارخة. وكذلك
الصراعات السياسية بين الكاثوليك والبروتستانت لعبت دوراً خطيراً في تشكيل السياسية
الأوربية طوال القرون التالية..
كما أن هذا الإصلاح كان له أثر فكري خطير في أوروبا الغربية.
فقبل سنة 1517 لم تكن هناك سوى كنيسة واحدة مستقرة راسخة هي الكنيسة الكاثوليكية.
وكل خلاف معها يوصف بأنه نوع من الزندقة أو الإلحاد.. ولكن بعد " الإصلاح " الذي
تزعمه لوتر، وبعد أن قبلت كثير من الدول حرية التفكير الديني، لم يعد هنالك خوف من
مراجعة كل الأفكار والنظريات القديمة.. أي الانطلاق في كل المجالات..
ومما يستحق الملاحظة أيضاً أن أكثر الذين جاءوا في قائمة
الخالدين المائة، جاءوا من بريطانيا. ومن بعدهم جاء الألمان. ومعنى ذلك أن أكثر
هؤلاء الخالدين جاءوا من بلاد تدين بالبروتستانية في شمال أوروبا وأمريكا. وهنالك
اثنان فقط من الخالدين قد عاشا قبل سنة 1517 هما الملك شارلمان وجوتنبرج.
وقبل سنة 1517 فإن الخالدين جاءوا من أماكن أخرى من العالم.
والذين عاشوا قبل ذلك في البلاد التي أصبحت تدين بالبروتستانية، كان لهم أثر متواضع
جداً في الحضارة الإنسانية. وقد أدت ثورة الإصلاح إلى ظهور عدد من النابهين في
أوروبا في الـ 150 عاماً الماضية.
والبروتستانتية نفسها لم تكن متسامحة. فقد أدى التعصب لها إلى
حروب دموية في ألمانيا نفسها. بل كانت هذه الحروب أعنف من الحروب التي اشتعلت في
بريطانيا.
وكان مارتن لوتر أعدى أعداء اليهود. لدرجة أنه يمكن أن يقال إنه
هو الذي كان أباً للنازية التي أحرقت اليهود في أوروبا. في القرن العشرين.
ويمكن أن يقال أن ثورة مارتن لوتر لم تكن ضد الكنيسة
الكاثوليكية وحدها، وإنما كانت لاعتبارات قومية أيضاً.. فلا تتحكم إيطاليا في
ألمانيا. ولذلك لقي مارتن لوتر الكثير من التأييد الرسمي لفلسفته.
ولعل أحداً أن يتساءل: ولماذا لم تضع مارتن لوتر في مكان أسمى
من مكانه في قائمة الخالدين؟
سبب ذلك أنه قد يبدو مهماً لأوروبا وأمريكا، ولكن ليس كذلك
بالنسبة لبقية القارات التي لا تدين بالمسيحية فاليابانيون والصينيون والهنود لا
يهتمون كثيراً بالفوارق بين أهل السنة والشيعة من المسلمين.
ثم إن لوتر لم يظهر إلا متأخراً، وليس له الأثر العظيم العميق
الطويل الذي كان محمد عليه الصلاة والسلام أو المسيح عليه السلام أو لبوذا وموسى
عليه السلام.
ثم إن الدين قد بدأ ينحسر مده في أوروبا في السنوات الأخيرة.
ولم يعد لهذه الفوارق الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت أثرها في مسار حياتهم أو
تفكيرهم ـــ وإذا ظل المد الديني ينحسر فسوف لا يكون لمارتن لوتر أثر يذكر بعد ذلك
وأخيراً فإن الخلافات الدينية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر لم تؤد إلى ازدهار
الفكر كما أدت الخلافات العلمية في ذلك الوقت.
وإذا كان مارتن لوتر قد جاء قبل العالم الفلكي كوبر نيكوس فلأن مارتن لوتر قد كان
له أثر " فردي " في الإصلاح أكبر مما كان لكوبر نيكوس في الثورة الفلكية بعد ذلك.
|