|
هو
الفلكي البولندي العظيم، ولد في مدينة تورون على نهر الفستولا. من أسرة غنية، درس
في جامعة خاركوف وكان اهتمامه بالفلك شديداً. وفي العشرينات من عمره ذهب إلى
إيطاليا وتخصص في دراسة الطب والقانون في جامعتي بولونيا وبادوا. ثم حصل على
دكتوراه في التشريع من جامعة فرارا. وأمضى كوبرنيكوس وقتاً طويلاً في هيئة تدريس
كاتدرائية فروانبرج أما أعماله الفلكية الجليلة فقد جاءت في أوقات فراغه، فهو لم
يعمل فلكياً محترفاً قط.
وأثناء إقامته في إيطاليا درس أعمال الفيلسوف الإغريقي أرستار
خوس الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد. ووجد عند هذا الفيلسوف أن الأرض
والكواكب الأخرى كلها تدور حول الشمس. واقتنع بهذا الرأي. ولما بلغ الأربعين من
عمره كان قد ألف بحثاً. وأخذ هذا البحث وراح يعرضه على أصدقائه وزملائه، وخلاصة هذا
البحث أن الشمس هي مركز هذه المجموعة التي من بينها كوكب الأرض. ولم يكتف بذلك، بل
راح يجمع ملاحظاته والأدلة التي تؤكد صحة نظريته في هذا الموضوع. وفي نفس الوقت راح
يسجل المادة التي سوف تكون أساساً لمؤلفه التاريخي الجليل " عن دورة الأجرام
السماوية " وفي هذا الكتاب عرض نظريته بالتفصيل، ثم الأدلة على صحة ما يقول.
وفي سنة 1533 عندما بلغ الستين من عمره ألقي سلسة من المحاضرات
في روما. عرض فيها مبادئ نظريته دون أن يثير غضب بابا الكنيسة الكاثوليكية. وحتى
عندما أكمل كتابه هذا، فإنه تردد في نشره خوفاً من الكنيسة أيضاً. ولم يقرر نشر هذا
الكتاب إلا عندما أصبح في أواخر الستينات من عمره. ولم ير النسخة الأولي من الكتاب
إلا يوم وفاته. في 24 مايو سنة 1543.
وفي هذا الكتاب أثبت كوبر نيكوس أن الأرض تدور حول نفسها، وأن
القمر يدور حول الأرض، وأن الأرض والكواكب الأخرى كلها تدور حول الشمس.
وكوبر نيكوس مثل الفلكيين الذين سبقوه لم ينجح في تقدير اتساع
المجموعة الشمسية. كما أنه أخطأ أيضاً في تصوره لشكل حركة هذه الكواكب. فقد تصورها
دائرية أو نصف دائرية، ولذلك لم تكن نظريته من الناحية الرياضية شديدة التعقيد فقط،
بل كانت خاطئة أيضا. ورغم ذلك فإن كتابه هذا قد أثار اهتماما بل إنه قد أيقظ فلكيين
آخرين وحفزهم إلى تكملة هذه الثورة الفلكية، وخصوصاً الفلكي الدانمركي: تيخو يراهه.
الذي استطاع أن يسجل ملاحظاته الأكثر دقة عن دورة الكواكب حول الشمس.
ومن هذه الملاحظات التي سجلها الفلكي الدانمركي استطاع الفلكي
الألماني يوهانس كبلر أن يستنتج الدورات الدقيقة للكواكب حول الشمس.
وعلى الرغم من أن الفيلسوف الإغريقي أرستارخوس هو الذي سبق أن
جعل الشمس مركزاً لدوران الكواكب قبل كوبر نيكوس بسبعة عشر قرناً، فإن الفضل كله قد
أرجعناه إلى كوبر نيكوس. لأن كل ما أعلنه أرستارخوس كان مجرد تخمين. ولكنه لم يضع
النظرية التي تجعل هذا التخمين أو هذا الفرض مقبولا من الناحية العلمية. ولكن كوبر
نيكوس هو الذي حول هذا الفرض إلى نظرية علمية مفيدة. بحيث يمكن التنبؤ بحركات هذه
الكواكب. وتمكن مراجعتها. وتمكن معارضتها بالنظرية القديمة التي كانت تؤكد أن الأرض
هي مركز الكون!
ومن المؤكد أن نظرية كوبر نيكوس كانت ثورة على تصورنا للكون،
كما أنها أدت إلي تغيرات هائلة في نظرتنا في الفلسفية إلي كل شئ. ولكي نعرف القيمة
الحقيقية لكوبر نيكوس يجب أن نعرف أن الفلك ليست له خطورة الفيزياء أو الكيمياء أو
علم الحياة. ففي الاستطاعة أن نصنع سيارة أو جهاز تليفزيون دون أن نجد أنفسنا في
حاجة إلى نظرية كوبر نيكوس هذه ولكن من المستحيل أن نصنع هذه الأدوات دون الاستعانة
بنظريات علماء آخرين من مثل فراداي وماكسويل ولافوازبيه ونيوتن.
ولكن إذا أردنا أن نعرف الأثر المباشر لكوبر نيكوس عن تطور
الأدوات الحديثة، كان معني ذلك تضييع الأهمية الحقيقية لهذه النظرية الثورية. فقد
كان كتاب كوبر نيكوس خطوة لا غني عنها لثورة جاليليو وكبلر بعد ذلك. فكلاهما كان
سابقاً على نيوتن، وأن اكتشافاتهما هي التي مكنت نيوتن من صياغة قوانين الحركة
والجاذبية.
ويمكن أن يقال من الناحية التاريخية أن كتاب كوبر نيكوس " عن حركة الأجرام السماوية
" كان بلا شك نقطة البدء لعلم الفلك الحديث ــ حقاً بداية علم الفلك الحديث!
|