|
أول إمبراطور روماني مسيحي. وبسبب اعتناقه للمسيحية وتشجيعه لها
انتشرت، فكان صاحب أعظم دور في تحويل المسيحية من مجرد عقيدة تلقى الاضطهاد، إلى
دين رسمي مسيطراً على الملايين.
ولد قسطنطين سنة 280 في قرية نييسي في البلاد المسماة الآن
يوغسلافيا، كان أبوه ضابطاً كبيراً في بلاط الإمبراطور ديوقلتيان، وقد تنحى هذا
الإمبراطور عن العرش في 305 فأصبح أبو قسطنطين حاكماً لنصف الإمبراطورية الرومانية،
ولما توفي في العام التالي. أصبح قسطنطين إمبراطوراً. وقد نادي به الجيش ملكاً
عليهم. وقد عارض بعض الجنرالات هذا القرار الذي اتخذه الجيش. وكان ذلك فاتحة لحروب
أهلية كثيرة وطويلة.
وانتهت هذه الحروب في 313 وذلك عندما هزم قسطنطين آخر منافسيه
ماكسنتيوس في معركة شهيرة بالقرب من روما.
وأصبح بذلك الحاكم الذي لا ينازعه أحد للجانب الغربي من
الإمبراطورية، بينما ظل ليكنيوس حاكماً للنصف الشرقي من الإمبراطورية حتى هاجمه
وهزمه قسطنطين في 337. وبذلك انفرد بالإمبراطورية الرومانية كلها.
وليس معروفاً على وجه اليقين متى تحول الإمبراطور إلى المسيحية.
ومن العجيب أن هذا الإمبراطور في ليلة معركته مع خصمه الأخير بالقرب من روما أرى في
السماء صليباً مضيئاً ومعه هذه العبارة: باسم الصليب سوف تنتصر، ودون إدراك واضح
حتى دراسة للمسيحية أصبح الإمبراطور من أشد الناس إيماناً بها ودعوة لها. وأصدر
قراره الشهير في مدينة ميلانو، وبذلك أصبحت المسيحية ديناً معترف بها كما أن هذا
القرار أعاد للمسيحية كل حقوقهم وممتلكاتهم وأعيدت للكنيسة كل أملاكها التي كانت قد
صودرت قبل ذلك في سنوات الاضطهاد والتعذيب.
ولم يكن الدافع لدى الإمبراطور قسطنطين هو شعوره بالتسامح
الديني. وإنما تعصبه الشديد للمسيحية. بل يمكن أن يقال إنه ببداية عصر هذا
الإمبراطور بدأ الاضطهاد العنيف لليهود والذي استمر قروناً عديدة في أوروبا.
وقسطنطين لم يجعل المسيحية ديناً رسمياً، وإنما هو الذي شجع على
انتشارها، وفي عصره أصبح التحول إلى المسيحية سبباً كافياً للترقية في الوظائف
الحكومية. ولذلك اكتسبت الكنيسة في عصره سلطات هائلة، وأصبحت لها حصانة أيضاً وفي
عصره بنيت أشهر كنائس العالم: كنيسة المهد في بيت لحم وكنيسة القيامة في القدس.
ويكفيه شرفاً أنه كان أول إمبراطور مسيحي في روما. وهذا وحده
يعطيه هذا المكان الرفيع في قائمة الخالدين المائة. وإن كانت له أعمال أخري جليلة
ترفع من قدره. ومن أعماله. الجليلة إعادة بناء وتوسيع مدينة بيزنطة القديمة، التي
أطلق عليها اسمه فأصبحت تسمى القسطنطينية وجعلها عاصمة له. والقسطنطينية هي التي
تسمى الآن إسطنبول أو استنبول. وكانت من كبرى مدن العالم القديم. وظلت عاصمة
للإمبراطورية الرومانية الشرقية حتى سنة 1453، وظلت لقرون عديدة بعد ذلك عاصمة
للإمبراطورية العثمانية.
ولقد لعب الإمبراطور قسطنطين الأكبر دوراً هاماً في تاريخ
الكنيسة. فهو قد تدخل في الخلاف الديني الرهيب بين أتباع اثنين من رجال الكنيسة
هما: أريوس واثناسيوس فعقد لذلك مجلساً سنة 325 ويعتبر أول مجلس كنسي في التاريخ.
وفي هذا المجلس كان للإمبراطور دور عظيم. وحسم الخلاف بين الطرفين. وكان قراره هو
الأساس للمسيحية الأرثوذكسية.
وله أعمال أخرى مدينة جليلة، وهو الذي أصدر تشريعات كثيرة أدت
إلى أن أصبحت كثير من المهن محترمة معترفاً بها مثل الجزارين والخبازين، كما أن هذه
المهن أصبحت وراثية أيضاً، وأصدر قوانين تحرم مستأجري الأراضي الزراعية أن يبرحوها
لأي سبب. وفي لغة العصر الحديث يمكن أن يقال: إن الإمبراطور قد جعل من زراع الأرض
عبيداً لها ولأصحاب الأرض!
ومثل هذه القوانين وغيرها، وهي التي وضعت الأساس الحقيقي للبناء
الاجتماعي لأوروبا في العصور الوسطى.
ولم يشأ قسطنطين أن يتم تعميده مسيحياً إلا عند وفاته. ولكن من
المعروف أنه كان مسيحياً قبل ذلك بوقت طويل، وإن كان لم يأخذ من المسيحية أسمى
معانيها، فقد كان رجلا قاسياً عنيفاً دموياً، وليس مع أعدائه فقط، وإنما مع أصدقائه
وأهله أيضاً.
فلأسباب لا نعرفها تماماً أعدم زوجته وأكبر أبنائه في 326!
وربما قيل أن اعتناقه للمسيحية لم يغير التاريخ حقاً، ولكن هذا
القرار الهام قد أفسح الطريق أمام انتشارها، وقد حاول أباطرة من بعده سحق المسيحية
ولكنهم لم يفلحوا.
ولعل من المناسب أن تتساءل: ما الذي كان يمكن أن يحدث للمسيحية
لو لم يعتنقها الإمبراطور قسطنطين الأكبر؟ من المؤكد أنه فقط قد عجل بانتشارها
وتحولت من إيمان الأقلية سراً، إلي عقيدة الأغلبية علنا في مدى قرن واحد. وأصبحت
بذلك ديانة لأكبر إمبراطورية في التاريخ.
ولا شك أن هذا الإمبراطور هو أحد العظماء في تاريخ أوروبا، وإن
كان بعض المؤرخين يضعونه أعلى من نابليون والاسكندر الأكبر وهتلر وذلك بسبب الأثر
العميق الذي تركه من بعده.
|