|
هذا هو عصر الكهرباء. وإن كنا نسمى هذا أحياناً بعصر القنبلة
الذرية أو عصر الفضاء. فإن أجهزة القضاء والأسلحة النووية لها أثر محدود على حياتنا
اليومية. ولكن الذي لا نهاية لأثره على حياتنا هو الكهرباء. فيغيرها تتعطل كل أجهزة
الحضارة الإنسانية. ولذلك فمن الأسلم أن نصف عصرنا هذا بأنه عصر الكهرباء. كثيرون
قد ساهموا في التحكم في الكهرباء من بينهم: شارل أوجستين دي كولومب والكونت الساندر
وفولتا. وهانس كريستان أيرستد وأندريه ماري امبير.. ولكن يتفوق على هؤلاء جميعاً
اثنان من علماء بريطانيا هما: فاراداى ومكسويل.. وعلى الرغم من أن إنجازات الرجلين
متكاملة، فإن احدهما لم يساعد الآخر. وإنما قام كل منهما باكتشافاته على حده. ولذلك
استحق كل منهما هذا المكان الرفيع من قائمة الخالدين.
ولد مايكل فاراداى في إنجلترا سنة 1791 من أسرة فقيرة. وعلم
نفسه بنفسه. وعمل صبياً في دكان لتجليد الكتب في الرابعة عشرة من عمره. وانتهز هذه
الفرصة للقراءة المستفيضة. وعندما بلغ العشرين من عمره استمع إلى محاضرات عدد من
العلماء. وبهرته هذه المحاضرات. وفي مقدمة هؤلاء العلماء سير همفري دافي. وبعث إليه
برسائله. وتخذه السير دافي مساعداً له. وبعد سنوات قليلة توصل فاراداى إلى اكتشاف
الخاصة. وعلى الرغم من أن الكثير من المعلومات الرياضية كانت تنقصه، فإنه كأحد
المشتغلين بالفيزياء التجريبية لم يتفوق عليه أحد.
وأول اكتشافاته كان في سنة 1821. فقبل هذا التاريخ بسنتين اكتشف
العالم أيرستد أن إبرة البوصلة المغناطيسية تنحرف إذا مر بالقرب منها تيار كهربي في
أحد أسلاك. واستنتج فإرادي من ذلك أنه إذا أمكن تثبيت المجال المغناطيسي فإن السلك
الكهربي سوف يتحرك.. واعتماداً على هذه الملحوظة صنع أول جهاز يتحرك فيه السلك بصفة
مستمرة إذا مررنا به تياراً كهربياً بالقرب من مجال مغناطيسي. وكان ذلك أول موتور
كهربي. صحيح أن الموتورات الحديثة قد أدخلت عليها تعديلات كثيرة ومعقدة. ولكن هذا
الجهاز البدائي الذي ابتدعه فاراداي هو الأساس.
أيقن فإرادي من أنه لا بد أن توجد طريقة ما لتوليد الكهرباء عن
طريق استخدام المجال المغناطيسي..
وما زال فإرادي يوالي ملاحظاته وتجاربه حتى اهتدى إلى كثير من
مبادئ الكهرباء المغناطيسية أو الكهروطيسية. وهذا هو أعظم إنجازاته جميعاً.
ولذلك انتقل فإرادي إلى ابتداع الدينامو الكهربي معتمداً على
ملاحظاته وعلى القوانين التي اهتدى إليها..
وعلى الرغم من أن المولدات الكهربية الحديثة مختلفة تماماً عن
الدينامو الذي ابتدعه. فإنها لم تكن توجد بغير هذا الدينامو البدائي. وهو أيضاً
الذي فتح الطريق أمام كثير من الاختراعات الحديثة والمبادئ الرياضية والفيزيائية،
ولذلك فإن إنجازات فإرادي عظيمة. والمقدمات التي أرساها لعلماء آخرين كانت باهرة
أيضاً.
وكان فإرادي شخصاً رائعاً وأنيقاً. وكان محاضراً محبوباً. وفي
نفس الوقت كان متواضعاً ولا تهمه الشهرة ولا المال ولا الرتب العلمية. فقد رفض وسام
الفروسية. ورفض منصب رئيس الجمعية الملكية البريطانية، وكانت له حياة زوجية سعيدة.
ولم ينجب أولاداً. وتوفى بالقرب من لندن سنة 1867.
|