|
هذان الأخوان حياتهما متشابكة ومترابطة، ولذلك سوف يكون الحديث
عنهما معاً كأنهما شخص واحد. فدخولهما عالم الخلود جاء في خطوة واحدة. وكلاهما تعلم
في المدارس الابتدائية والثانوية، وإن لم يحصلا بعد على أية مؤهلات عالية.
وكلاهما موهوب في الفنون الميكانيكية، وكلاهما مشغول بالطيران
أو بطيران الإنسان، وفي سنة 1892 افتتحا دكاناً لبيع الدراجات وقطع غيارها. وقد
ساهم هذا الدكان في تمويل مشروعهما الذي يحلمان به. وقد قرأ الاثنان مؤلفات أناس
آخرين انشغلوا بالطيران مثل: أوفو ليلنتال وأوكناف وصمويل لانجلى.وفي سنة 1899 بدأ
يعملان على التفكير في مشاكل الطيران. وفي ديسمبر سنة 1903 بعد أكثر من أربع سنوات
من الدراسات توجت أبحاثهما بالنجاح. إنه لشئ يبعث على الدهشة حقاً أن ينجح هذان
الأخوات حين فشل آخرون. الأسباب كثيرة من بينها أن رأسين يفكران معاً أفضل من رأس
واحد.. ثم إنهما كان يعملان بتعاون وانسجام تام. أما كيف تعلما الطيران فقد استعانا
بالطائرات الشراعية أولا، وذلك في سنة 1902. وجربا هذه الطائرات أكثر من ألف مرة.
ونجحا في كل مرة، وأصبح الأخوان أشهر وأقدر طيارين شراعيين في العالم كله.
وقد انشغل كثيرون قبلهما بكيفية ارتفاع الطائرة عن الأرض. ولكن
الأخوين رأيت انشغلا أكثر بكيفية التحكم في الطائرة عندما ترتفع عن الأرض. واهتديا
إلى الحل.
وساهما ببراعة في تصميم أجنحة الطائرة. ووضعا أكثر من مائي
تصميم لأجنحة الطائرة ولحركة الهواء وضغطه ومقاومته.
ورغم ذلك فإن الأخوين رايت ما كان من الممكن أن ينجحا لو لم
يظهر في المرحلة التاريخية المناسبة. ففي القرن التاسع عشر ظهرت الآلات البخارية.
ولا يمكن استخدامها في الطيران طبعاً. ولكن ظهرت محاولات الطيران في عصر المحركات
ذات الاحتراق الداخلي. وحتى هذه المحركات كانت ثقيلة.
ولذلك استعان الأخوان رايت بمهندس ميكانيكي وصنعوا معاً
المحركات التي تناسب الطائرة كما أنهما صمما المحركات اللازمة للطائرة. هذه
المحركات كانت كفاءتها عالية.
وفي 17 ديسمبر 1903 كانت أولى رحلاتهما. وكل منهما قد قام
برحلتين في ذلك اليوم.
الرحلة الأولى قام بها أورفيل واستغرقت 12 ثانية وقطعت 120
قدماً.
والرحلة الأخرى قام بها ولبور وقطعت 59 ثانية وقطعت 852 قدماً
وطائرتهما الأولى كلفهما أكثر من ألف دولار.
وطول جناحيها 40 قدماً وتزن 750 رطلا ولها محرك قوته 12 حصانا
ويزن 170 رطلا. وهذه الطائرة في متحف الفضاء في واشنطون.
وعلى الرغم من أن هذه الرحلات لم يشاهدها سوى خمسة من
المواطنين. فإن الصحف لم تكتب عنها شيئاً في اليوم التالي، وحتى الذي ذكرته لم يكن
دقيقاً. وتجاهلت الحادث كل الصحف المحلية تماماً. وكان لا بد أن تمضي خمس سنوات حتى
يعلم العالم كله أن طيران الإنسان قد أصبح ممكناً.
وفي سنة 1905 صنعا طائرة أخرى وقاما: 105 رحلات. دون إثارة
التفات أحد. بل إن صحيفة فرنسية نشرت مقالاً في سنة 1905 بعنوان " طيارون أو فشارون
" ؟ !
ولكي يوقف الأخوان رايت أكاذيب الناس وشائعاتهم حمل أحدهما
طائراته إلى فرنسا. وقام بعدة استعراضات أما الناس. وألف شركة لتسويق هذا الاختراع.
وكان الأخ أورفيل يقدم تجاربه في أمريكا فتحطمت به الطائرة في
17 سبتمبر 1908 وقتل أحد الركاب وانكسرت ساق أورفيل وضلعاه وكان ذلك أول حادث يقع
لهما.
ونجاح هذه التجارب قد أقنعت أمريكا بالاتفاق معهما على شراء
طائرات لوزارة الحربية ودفعت الحكومة ثلاثين ألف دولار.
وفي سنة 1912 أصيب ويلبور بالتيفود وتوفي سنة 1912 في الخامسة
والأربعين من عمره وباع أخوه نصيبه من شركة صناعة الطائرات. وعاش حتى سنة 1948. ولم
يتزوجا.
ولا شك أن الطائرة أقل خطراً من الآلة البخارية والمطبعة اللتين
أحدثتا تطوراً خطيراً في الحضارة الإنسانية. ولكن الطائرة هي الأم لسفن الفضاء بين
الأرض والكواكب الأخرى.
وإذا كان الإنسان يحلم من قديم الزمان بالطيران، وأن يكون " بساط الريح " الذي
تحدثت عنه " ألف ليلة وليلة " حقيقة يوماً من الأيام، فالفضل يرجع إلى الأخوين
رايت.. فقد نجحا في أن يجعلا الحلم حقيقة والخرافة يقينا. يكفي أن تنظر إلى السماء
كل يوم لترى عشرات الطائرات أو تنظر إلى التليفزيون لترى سفن الفضاء.
|