|
ولد إمبراطور فرنسا الشهير نابليون في مدينة أجاكسيو بجزيرة
كورسيكا. واسمه بالكامل هو نابليون بونا برته. وكانت فرنسا قد استولت على جزيرة
كورسيكا قبل ولادته بخمسة عشر شهراً. وكان نابليون في سنواته الأولى وطنياً متطرفا.
وكان يرى أن الفرنسيين قد احتلوا بلاده. على الرغم من ذلك فإن أهله قد أسلوه يكمل
تعليمه في الأكاديميات العسكرية في فرنسا. وعندما تخرج في السادسة عشرة من عمره سنة
1785 كان برتبة الملازم الثاني في الجيش الفرنسي.
وبعد أربع سنوات من تخرجه قامت الثورة الفرنسية، وفي السنوات
التالية انشغلت فرنسا في حروب متوالية مع دول أجنبية.
وجاءت فرصة نابليون في سنة 1793 عندما حاصر الفرنسيون مدينة
تولون واستردوها من البريطانيين. وكان نابليون قائداً للمدفعية. وفي ذلك الوقت كان
نابليون قد عدل عن نزعاته الوطنية وأصبح فرنسيا مخلصاً. وكانت براعة نابليون في ضرب
القوات البريطانية قد اكتسبته احترام الجميع. ورقي نابليون إلى رتبة أعلى.. وفي سنة
1796 أصبح قائداً للجيش الفرنسي في إيطاليا وفيها بين 96 و 1797 أحرز نابليون
انتصارات عسكرية باهرة. وعاد إلى باريس بطلا.
وفي سنة 1798 قام نابليون بحملته الشهيرة على مصر وكانت هذه
الحملة كارثة. فقد انتصرت قواته البرية. ولكن الأسطول البريطاني بقيادة نلسون قد
أحرق الأسطول الفرنسي.
وفي سنة 1799 ترك نابليون جيوشه في مصر وعاد إلى فرنسا.
وفي فرنسا وجد نابليون أن الشعب الفرنسي ما يزال يذكر انتصاراته
الأوروبية. ولا يذكر شيئاً عن هزيمة أسطوله في الإسكندرية. وبعد شهر اشترك نابليون
في انقلاب عسكري مع الآخرين. وأدى هذا الانقلاب إلى حكومة جديدة.. وإلى أن أصبح
نابليون القنصل الأول. وعلى الرغم من أن دستوراً جديداً قد صدر. وأن هذا الدستور قد
نجح في الاستفتاء الشعبي، فإن هذا الدستور لم يكن إلا واجهة للحكم الدكتاتوري الذي
يريده نابليون وسرعان ما تفوق نابليون على جميع خصومه. وبسرعة خارقة ارتفع نابليون
إلى السلطة.
وفي سنة 1793 وقبل محاصرة مدينة تولون كان نابليون شاباً مجهولا
تماماً. ليس فرنسي الأصل ولكن بعد ذلك بست سنوا ت أي في الثلاثين من عمره أصبح
نابليون حاكماً لفرنسا دون منازع. وظل كذلك 14 عاماً.
وأثناء حكم نابليون أجرى إصلاحات جوهرية في فرنسا وفي النظام
التشريعي بصفة خاصة. فهو قد أصلح النظام المالي والقضائي. وانشأ بنك فرنسا وجامعة
فرنسا. وجعل الإدارة مركزية. وعلى الرغم من أن هذه الإصلاحات كان لها أثر قوى على
فرنسا نفسها فإن أثرها على العالم كان ضئيلا.
ولكن أحد إصلاحات نابليون كان له أثر عالمي ضخم ذلك هو " دستور
نابليون " فهذا الدستور قد قنن كل مبادئ الثورة الفرنسية. فقد نص هذا الدستور على
أن الناس جمعياً متساوون. بغض النظر عن المولد والعنصر والجنس.
وهذا الدستور كان معتدلا وكان مكتوباً بإيجاز وبمنتهي الوضوح.
وهذا الدستور لم يطبق في فرنسا وحدها، ولكن في العالم كله. بل إن الدستور الفرنسي
الحديث لا يبعد كثيراً عن دستور نابليون.
وكانت سياسة نابليون دائماً أن يؤكد أنه حامي الثورة الفرنسية.
وعلى الرغم من ذلك فقد نصب نفسه في سنة 1804 إمبراطوراً على فرنسا. كما أنه جعل
ثلاثة من أخوته ملوكاً على عروش دول أوروبية أخرى. وهذه القرارات قد أثارت غضب كثير
من أنصار الجمهورية الفرنسية الذين رأوا أن نابليون قد خان الثورة الفرنسية. ولكن
المشاكل الخطيرة التي واجهت نابليون قد جاءت من معاركه الضارية مع القوات الأجنبية.
وفي سنة 1802 وقع نابليون معاهدة صلح مع انجلترا في مدينة أمين.
وبعد سنه من توقيع هذه المعاهدة دخلت فرنسا في معارك عديدة مع بريطانيا وغيرها من
الدول. وعلى الرغم من أن نابليون قد انتصر في معارك برية كثيرة. فلم يكن من السهل
هزيمة بريطانيا إلا إذا سحق نابليون أساطيلها الضخمة. ولسوء حظ نابليون في معركة
الطرف الأغر، فإن الأسطول البريطاني قد سحق الأسطول الفرنسي سنة 1805 فأصبحت سيطرة
انجلترا على البحر مطلقة. وعلى الرغم من أن نابليون قد انتصر بعد ذلك بستة شهور في
موقعة أوسترليتس على جيوش النمسا وروسيا. فإن هذا الانتصار لم يعوضه عن فداحة
الهزيمة البحرية!
ودفعته حماقته في سنة 1818 أن يدخل في معارك طويلة في أسبانيا.
وقد أدت هذه المعارك إلى شغل الجيوش الفرنسية وارتباكها زمنا طويلا.
ولكن أكبر أخطاء نابليون هو عندما دخل في حرب ضد روسيا. ففي سنة
1807 التقي نابليون بالقيصر الروسي في مدينة تلسيت وأقسم الاثنان على الصداقة
الدائمة. ولكن هذه الصداقة لم تدم طويلا فقد دخل نابليون بجيشه العظيم إلى روسيا في
سنة 1812.
والنتيجة معروفة . فالجيش الروسي لم يدخل أية معارك مع نابليون
إنما راح ينسحب أمامه. مما جعل نابليون يتقدم سرعة في داخل روسيا. وفي سبتمبر احتل
نابليون موسكو. وقام الروس بإحراق المدينة فانهدم أكثرها. وبعد مكث نابليون خمسة
أسابيع في موسكو. انتظاراً لأن يستسلم الروس. قرر نابليون أن ينسحب عائداً. ولكن
جاء هذا القرار متأخراً. فقد تحالف ضده عناصر عديدة: الجيش الروسي الذي يقاتل
والجليد الذي غطى جبهات القتال ونقص العتاد والمؤن الفرنسية. ولذلك كان الانسحاب
رهيباً. فلم ينسحب إلا حوالي 10% من الجيش الفرنسي.
وانتهزت دول أوربية أخرى هذه الفرصة، لكي تتخلص من الاحتلال
الفرنسي. فاتحدت بروسيا والنمسا ضد نابليون. ووقعت معركة ليبزج في أكتوبر سنة 1813.
وانهزم نابليون. وفي السنة التالية استقال ونفى إلى جزيرة إلبا بالقرب من الشاطئ
الإيطالي.
وفي سنة 1815 هرب نابليون جزيرة البا وعاد إلى فرنسا حيث
استقبله الشعب الفرنسي بحفاوة عظيمة واستعاد نابليون قوته. ولكن الدول الأوربية
الأخرى قد أعلنت عليه الحرب وبعد مائة يوم من حكمه هذا لقي هزيمة النهائية في معركة
واترلو. وبعد هذه المعركة سجنه الإنجليز في جزيرة سانت هيلانه. وهي جزيرة صغيرة في
جنوب المحيط الأطلنطي وتوفى بالسرطان في سنة 1821. والتاريخ العسكري لنابليون فيه
الكثير من المفارقات. فقد كانت له عبقرية في التكتيك الحربي ليس لها نظير في
التاريخ. وإذا نحن اتخذنا هذه البراعة مقياسا لعظمته أمكننا أن نقول دون مبالغة إنه
أعظم قائد عسكري في التاريخ.
ولكن في الإستراتيجية للحرب كانت أخطاؤه فادحة مثل غزو مصر وغزو
روسيا.
فأخطاؤه الإستراتيجية كانت من الفداحة بحيث
لا يصح أن يكون من بين القادة العظام في التاريخ. ولا شك أن من ضمن مقاييس العظمة
ألا يقع الإنسان في أية أخطاء كبيرة. ومن الصعب أن يعرف الإنسان ماذا كان يدور في
رؤوس كثير من القادة العظام الذين لم يهزموا قط مثل: الإسكندر الأكبر وجنكنيز خان
وتيمور لنك.
ولكن لأن نابليون قد هزم في النهاية. فإن الحكم على انتصاراته
العسكرية أصبح موضوعاً للنقاش والشك أيضاً.
وبعد هزيمة نابليون في سنة 1815 أصبحت فرنسا تملك أرضاً أقل مما
كانت تملكها في سنة 1789 عندما اشتعلت الثورة الفرنسية.
ونابليون كان مغروراً ومصاباً بجنون العظمة. ولذلك قارنوه
بهتلر. ولكن هنالك فارقاً هائلا بين الرجلين. فبينما كان هتلر مدفوعاً بفلسفة
عنيفة، كان نابليون انتهازيا طموحاً.
وليس من فظائع نابليون ما يمكن مقارنته بمعسكرات الاعتقال التي
أقامها هتلر.
ولكن شهرة نابليون العظيمة، تجعل من السهل علينا أن نبالغ في
أثره بعد ذلك وأثره القصير المدى الذي كان أكبر من أثر الإسكندر الأكبر. ولكن أقل
من أثر هتلر!
ويقال إن عدد الفرنسيين الذين ماتوا في حروب نابليون قد بلغوا
نصف مليون. بينما عدد الجنود الذين لقوا مصرعهم في حروب هتلر قد بلغوا ثمانية
ملايين.
ولكن الأثر البعيد المدى لنابليون
كان أهم بكثير جداً من هتلر، وإن كان أقل من الإسكندر الأكبر. فقد أحدث نابليون
تغيرات كبيرة في الإدارة الفرنسية، وكان سكان فرنسا يعادلون واحداً على سبعين من
سكان العالم. وكان أثر هذه التغيرات
على المواطن الفرنسي ضئيلا.
ويقال أيضاً إن عهد نابليون هو الذي دعم مبادئ الثورة الفرنسية.
وفي سنة 1815 عندما أعيدت الملكية إلى فرنسا، كانت مبادئ نابليون قد رسخت في أعماق
الناس والمجتمع، حتى أصبح من الصعب جداً العودة إلى النظام الفرنسي القديم.
وعلى الرغم من الملكية التي أقامها نابليون فإنه استطاع أن ينشر
مبادئ الثورة الفرنسية في أوروبا كلها.
كما كان نابليون أثر غير مباشر على أمريكا اللاتينية. فغزوه
لأسبانيا قد أضعف الحكومة الأسبانية. ليضع سنوات. فلم تعد قادرة على إدارة
مستعمراتها في أمريكا اللاتينية.
ولكن من أهم أعمال نابليون أنه باع مساحة من الأرض إلى الولايات
المتحدة إيماناً منه بأن فرنسا لن تتمكن من الاحتفاظ بهذه الأرض أمام القوة البحرية
لإنجلترا. كما أنه كان في حاجة إلى المال.. وعلمية البيع هذه هي التي عرفت في
التاريخ باسم " صفقة لويزيانا ". وهي أكبر عملية بيع أرض عرفها الإنسان فقد تحولت
بعدها الولايات المتحدة إلى " دولة قارة " أي دولة لها حجم القارة. ولا أحد يعرف ما
الذي كان ستصبح عليه الولايات المتحدة بدون هذه الصفقة؟ من المؤكد أن الولايات
المتحدة ما كان من الممكن أن تكون دولة عظمى بغير هذه الصفقة!
ولم يكن نابليون هو صاحب الفضل في ذلك وحده. فقد لعبت الولايات المتحدة دوراً هاماً
في ذلك. وكانت هذه الصفقة نوعاً من المساومة. تفعله أية حكومة أمريكية. ولكن بيع
أرض لويزيانا ما كان يجرؤ أحد على اتخاذ قرار بيعها سوى رجل هو نابليون.
|