|
لودفيج فان بيتهوفن أعظم موسيقار في كل العصور. وقد ولد سنة 1770
في مدينة بون بألمانيا الغربية. ظهرت موهبة الفذة في سن صغيرة، وترجع أول أعماله
الفنية إلى سنة 1783، وكشاب صغير زار مدينة فينا، وقدموه إلى الموسيقار موتسارت،
وكان لقاؤهما عابرا، ومعرفتهما قصيرة. وفي سنة 1792 عاد إلى فينا مرة أخرى، ودرس
على يدي الموسيقار هايدن. وكان في ذلك الوقت أعظم موسيقار في فينا ـــ أما موتسارت
فكان قد توفى قبل ذلك بعام واحد. وكان على بيتهوفن أن يظل في فينا، عاصمة الموسيقى
في ذلك الوقت، حتى آخر أيام حياته.
وكانت براعة بيتهوفن في العزف على البيانو حديث الدنيا كلها:
وكان ناجحا براعة بيتهوفن كعازف وكمدرس للموسيقى. وبسرعة توالت أعمالة الفنية
الرائعة بكثرة مذهلة. ولم يجد بيتهوفن صعوبة في أن يكون شهيرا. ولا في أن يتهافت
ناشرو الموسيقي على كل أعماله الفذة وهو ما يزال في العشرين من عمره. ولما كان في
أواخر العشرينات من عمره. بدأت تظهر عليه أعراض الصم. وقد تضايق هذا الموسيقار
العبقري من أعراض الصمم. وفكر في الانتحار. أما السنوات بين 1802 و 1815 فقد اعتبرت
سنوات منتصف العمر الفتى لبيتهوفن. وفي هذه الفترة. ومع تزايد الصمم بدأ ينسحب من
الحياة الاجتماعية. وأحس الناس في ذلك الوقت بأنه إنسان مشوه. أو إنسان ذو عاهة.
وفي ذلك الوقت كانت له علاقات عاطفية متعددة. ولكن كانت نهاياتها تعيسة. بينما ظل
إنتاجه الفني فيضا غزيراً لا يتوقف. وبمرور الوقت كان إحساسه بما يعجب الناس أقل
فأقل. فهو يبدع دون أن يفكر كثيراً في الأعمال الفنية التي تستهوى الجماهير. وظل
ناجحاً رغم كل شئ.
وفي أواخر الأربعينات من عمره أصيب بيتهوفن بالصم التام. ولم
يعد يذهب إلى الحفلات الموسيقية. وانسحب اجتماعياً. وأصبحت أعماله أقل وأكثر صعوبة.
حتى لم يعد من السهل فهمها. وأصبح يؤلف موسيقاه لنفسه أو الأجيال قادمة، ويقال إنه
أعلن لأحد النقاد: أن هذه الموسيقى ليست من أجللت إنما لأجيال من بعدك!.
وإنه لمن سخريات القدر حقاً أن يصاب أعظم موسيقار في التاريخ
بعجز تام عن السمع. ومن العجيب حقاً أن أعمال بيتهوفن التي أبدعها وهو أصم. تعد
أروع وأعظم من كل ما فاضت به عبقريته قبل ذلك.
وتوفى في فينا 1827 في السابعة والخمسين من عمره.
ومن أعمال بيتهوفن تسع سيمفونيات. و32 سوناتا على البيانو. وخمس
كونشرتات على البيانو والكمان. ومجموعة رائعة من الكوراتات الوترية والموسيقى
المسرحية وغيرها.. وأروع من هذا الكم " الكيف " أيضاً.
فأعماله الموسيقية تضم إلى العمق ذلك الإحساس بالكمال في بنائها
جميعاً. قد استطاع بيتهوفن أن يرتفع بأعماله الموسيقية إلى أعلى مستوى في بلغه أ ي
إنسان. وهو موسيقار مبدع أصيل. وكثير من إبداعه الفني ظل عميق الأثر في الأجيال
التالية. فهو قد أطال السيمفونية ووسع مجالها. وعن طريق قدرته الهائلة في عرض
إمكانيات البيانو. ساعد كثيراً على أن يجعل البيانو أعظم الآلات الموسيقية.
وبيتهوفن هو الذي ساعد الموسيقى على أن تنتقل من مرحلة الكلاسيكية إلى الرومانسية
كما أنه هو الذي جعل الأوركسترا أكثر عدداً. وخلاصة عظمة بيتهوفن أنه هو الذي وضع
معالم الموسيقى الرومانسية فيما بعد. وكان لبيتهوفن أثره العميق على جميع
الموسيقيين فيما بعد. وكان أثره على عباقرة متنوعين في مزاجهم وقدراتهم وألوانهم
مثل: برامز وفاجنر وشوبرت وتشايكوفسكي. كما أنه مهد الطريق لظهور عباقرة آخرين مثل:
برليوز ومالر وريشرد اشتراوس وكثير غيرهم. وطبيعي أن يتفوق بيتهوفن على كل
الموسيقيين الآخرين، وأن يكون في مكان أرفع منهم جميعاً. وعلى الرغم من أن يوهان
باخ له نفس القدر العظيم، فإن أعمال بيتهوفن قد لقيت شهرة أوسع وجمهور أكبر. كما أن
ما أبدعه بيتهوفن وما أدخلة من تجديدات موسيقية كان أعمق أثراً من موسيقي باخ.
وعموماً فإن الأفكار السياسية والأخلاقية والأدبية، يكون انتشارها وأثرها أعظم من
الموسيقى، ولهذا جاءت مكانة بيتهوفن تالية لمكانة شكسبير. وإذا نحن قارنا بين
الرسام ميكل انجلو والموسيقار بيتهوفن. فإننا نلاحظ أن الناس أكثر سماعاً للموسيقى
من رؤيتهم للمعارض الفنية. ولذلك فأنا أعتقد أن الموسيقيين أعظم أثراً من الرسامين
والنحاتين. ولذلك يمكن أن نضع بيتهوفن في مكان متوسط بين الشاعر الإنجليزي شكسبير
والرسام الإيطالي ميكل انجلو.
|