|
هو رينيه ديكارت الفيلسوف الرياضي والعالم الفرنسي الشهير. ولد
سنة 1596 في قرية لاهاي. دخل مدرسة القرية. ولما بلغ العشرين من عمره حصل على إجازة
في القانون من جامعة بواتييه. ولم يمارس القانون قط. واقتنع ديكارت في سن مبكرة
بأنه لا توجد أية معلومات مؤكدة في أي فرع من فروع المعرفة، اللهم إلا في
الرياضيات، وقرر أن يسافر كثيراً ليرى الدنيا بنفسه. لأنه من أسرة غنية، فقد تمكن
من السفر والإقامة خارج فرنسا وقتاً طويلا.
والتحق ديكارت بثلاثة جيوش: هي جيش هولندا وجيش بافاريا وجيش
المجر. ولم يشترك في أية معركة حربية. وسافر إلى إيطاليا وبولندا والدانمرك. وفي
رحلاته العديدة اهتدى إلى ما يمكن وصفه: بمنهج البحث عن الحقيقة. وكان في الثانية
والثلاثين من عمره عندما اهتدى المنهج الذي أراد أن يتوسل به كل المعارف الإنسانية
لعله يصل إلى يقيني في أي شئ. واستقر في هولندا بها عشرين عاماً. واختار هولندا لأن
بها حرية الرأي والتفكير لأنه قرر أن يكون بعيداً عن الحياة الصاخبة في باريس.
وفي سنة 1629 كتب قواعد توجيه العقل وهو الكتاب الذي حدد فيه
قواعد منهجه الجديد. والكتاب ليس كاملا. ويبدو أن ديكارت لم يقصد نشره. وقد نشر هذا
الكتاب بعد وفاة ديكارت بخمسين عاماً. وفيما بين 1630 1634 طبق ديكارت منهجه في
دراسة العلوم. ولكي يتمكن ديكارت من معرفة علم وظائف الأعضاء والتشريح قام هو نفسه
بتشريح أجساد الحيوانات، وانشغل ديكارت في ذلك الوقت بأبحاث مستقلة في البصريات
والفلك والرياضيات وعلوم أخرى كثيرة.
وكان في نية ديكارت أن يقدم أبحاثه كلها في كتاب باسم " العالم
". ولكنه في سنة 1633 عندما فرغ من هذا الكتاب علم أن الكنيسة في إيطاليا قد أدانت
جاليليو لأنه اعتنق نظريات كوبر نيكوس الفلكية بأن الأرض تدور حول الشمس. وعلى
الرغم من أن هولندا بعيدة عن سلطان الكاثوليكية، فإنه آثر ألا ينشر كتابه هذا. ثم
نشر كتاباً أهم من ذلك في سنة 1637 بعنوان " مقال عن المنهج لحسن توجيه العقل
للحصول على الحقيقة في العلوم".
وقد ألف ديكارت كتابه عن " المنهج " هذا باللغة الفرنسية بدلا
من اللاتينية، ليتمكن كل المثقفين من قراءته، حتى هؤلاء الذين لم يدرسوا في
الجامعة. وقد أضاف ديكارت إلى كتابه هذا ثلاثة ملاحق تضم أمثلة للاكتشافات التي
اهتدى إليها باستخدام هذا المنهج.
أول ملحق كان عن " البصريات " فعرض قانون انكسار الضوء. وناقش
العدسات والكثير من الأدوات البصرية. ووصف وظائف العين وأمراضها. ثم عرض نظرية
للضوء تعتبر سابقة على نظرية الموجات الضوئية التي اكتشفت فيما بعد.
والملحق الثاني يعتبر أول دراسة علمية للنجوم والكواكب والسحب
والأمطار. وأول من قدم تفسيراً علمياً لقوس قزح الذي يرتسم على السحب.
أما الملحق الثالث فعن الهندسة. وقدم ديكارت أهم اكتشافاته
جميعاً وهو الهندسة التحليلية. وكان ذلك اكتشافاً علمياً جباراً. وكان المقدمة
الضرورية لاكتشاف نيوتن بعد ذلك لحساب التفاضل والتكامل.
وأخطر ما اهتدى إليه ديكارت في تفكيره العلمي: هو أنه لكي يصل
العقل إلى شئ يقيني يجب أن يشك في كل شئ. وفي أي شئ تعلمه من الأساتذة أو قرأه في
الكتب، فاليقين يبدأ بالشك في كل شئ.
واتخذ ديكارت بداية فلسفية تقول: أنا أفكر. إذن أنا موجود. أي
أنه لاشئ يدل على أن الإنسان حي حقاً إلا أنه يفكر، وديكارت أخرج الخرافات من
التفكير العلمي. وعلى الرغم من أنه كان مؤمناً بالله إيماناً تاماً. فإن الكنيسة لم
تسترح إلى تفكيره. لأنه يبدأ بالتشكيك في كل شئ ثم ينتهي إلى ما انتهي إليه رجال
الدين.
ثم نشر ديكارت كتابه " التأملات " ولم تجد الكنيسة بدا من أن
تجعل جميع كتب ديكارت محرمة تماماً. وعلى الرغم من أن ديكارت كان كاتباً سهل
العبارة. فإن دقته العلمية جعلت أسلوبه جافاً قديماً.
وفي سنة 1649 تلقي دعوة من الملكة
كريستينا ملكة هولندا.. أن يكون أستاذها الخاص. وأسعده ذلك ولكنه علم أن جلالتها
تصحو من النوم في الخامسة صباحاً وتريده أن يجلس إليها في ذلك الموعد. ولكن ديكارت
فزع لذلك، فهو يحب النوم الطويل ويصحو متأخراً تماما. ويفضل الغرفة الدافئة. ويرى
أن الدفء هو الحضانة المطلوبة للفنان. وأدرك ديكارت أن نهايته قد قربت، وأن الملكة
سوف تقضى عليه، وهذا ما حدث بالضبط فقد أصيب بالتهاب رئوي، وتوفى بعد ذلك في فبراير
سنة 1650 ـــ أي بعد أربعة شهور من
تدريسه لجلالة الملكة!.
لم يتزوج ديكارت، وإن كانت له ابنة غير شرعية ما لبثت أن ماتت
وهي صغيرة. وقد هوجمت فلسفة ديكارت كثيراً.
ولكن خطورة الفيلسوف لا تجئ من صحة
آرائه أو كذبها، إنما من أثرها على الناس. ولذلك فديكارت يعتبر من الشخصيات العظيمة
الأثر في الفلسفة. وقد جعلت مكانة ديكارت عالية في قائمة الخالدين وسابقة على
الفلاسفة فولتير وروسو وفرانسيس نيكون، لأن ديكارت قد اكتشف الهندسة التحليلية.
|