|
يعرفها الناس الآن باسم إيزابيلا الأولى ملكة كاستيلا. وهي الملكة
التي ساعدت خريستوف كولمبوس مادياً ليكتشف أمريكا. كانت شخصية قوية وملكة عظيمة
اتخذت قرارات حاسمة عميقة الأثر في أسبانيا وفي أمريكا اللاتينية. لعدة قرون، ولذلك
كان أثرها بالغاً على عشرات الملايين من الناس حتى اليوم. ولما كانت قراراتها
تتخذها بالتشاور مع زوجها فردناند، فإنه من العدل أن يشترك الاثنان معاً في التقدير
الذي تحظي به الملكة. وفي مكانتها العالية في التاريخ أيضاً، ولكن مكانتها وحدها
يجب أن تكون أرفع لأنها كانت دائما صاحبة الفكرة، وكان زوجها صاحب الشرح لهذه
الفكرة والتأييد في النهاية.
ولدت إيزابيلا في سنة 1451 في مدينة مادريجال في مملكة
كاستيلاً. وهي جزء من أسبانيا الآن. كانت دراستها دينية متعصبة، حتى أصبحت
كاثوليكية شديدة التدين، كان أخوها غير الشقيق هنري الرابع ملكاً على كاستيليه من
سنة 1454 حتى توفي سنة 1474. وفي ذلك الوقت لم تكن أسبانيا مملكة. بل إن أسبانيا
كانت مقسمة إلى ممالك: كاستيلا وهي أكبرها. وأراجون في الشمال. وغرناطة إلى الجنوب.
ونافارا إلى الشمال.
وفي سنة 1640 أصبحت إيزايلا الوريث المرتقب لمملكة كاستيلا.
وكانت أغنى الوريثات في أوروبا كلها. ولذلك تقدم لخطبتها عدد كبير من أمراء أوروبا.
وكان أخوها هنري الرابع يرغب في أن يزوجها لملك البرتغال. ولكن إيزابلا هربت وتزوجت
فردناند ضد رغبة أخيها. وعندما توفى أخوها طالبت بعرش كاستيلا. وقامت حرب أهلية.
وانتصر قوات إيزابلا. وتوفى الملك خوان الثاني ملك أرجوان. فأصبح فردناند ملكاً
لأراجوان. وبذلك أصبحت إيزابلا وزوجها فردناند يحكمان معظم الأراضي الأسبانية.
وبقيت المملكتان منفصلتين تماماً إدارياً ودستورياً. وإن كانت إيزابلا وفردناند
يتخذان القرارات معاً. وظل الاثنان يحكمان 25 سنة. وفي هذه الفترة كان يحاولان
توحيد أسبانيا وكان من أهم أحدثهما معاً عزو غرناطة التي ما يزال يحكمها المسلمون.
وبدأت الحرب سنة 1481 وانتهت في يناير 1492 بانتصارات لقوات
إيزابلا وفردناند.
وأصبحت لهما معظم الأراضي التي تسمي أسبانيا اليوم. أما مملكة
نافارة فقد استولى عليها فردناند بعد وفاة زوجته إيزابلا سنة 1512.
وفي أول عهدها بالحكم أنشأ الاثنان معاً " محاكم التفتيش " وهي
ذلك الشئ البشع في التاريخ. فقد كانت محاكمات بلا محاكمة ولا أدلة. وإنما مجرد الشك
في أي إنسان من الناحية الدينية كان يكفي لإدانته بلا محاكم وتنفيذ حكم الإعدام فيه
حرقاً أو شنقاً أو غرقاً. وقد أعدما الألوف من الأبرياء. وكان يتولى محاكم التفتيش
القس الراهب الشهير توماس توركوميدا. وكان هذا الراهب هو الذي تعترف أمامه الملكة
إيزايلا. وكانت محاكم القس هذه بتأييد كامل من البابا وإن كانت تخضع لسلطان الملكة
والملك. وكان الغرض من محاكم التفتيش هو تحقيق الطاعة العمياء سياسية ودينياً.
وبمنتهي العنف.
عن طريق محاكم التفتيش أفلح الملكان في إرساء قواعد حكم
استبدادي مطلق وإعدام المعارضة والرأي الآخر في الدين أو السياسة!.
وإن كان الهدف المعروف لمحاكم التفتيش هو القضاء على اليهود
والمسلمين في أسبانيا. والذين تحولوا إلى المسيحية منهم علناً. ولكنهم سراً يمارسون
دينهم الأصلي.
وفي سنة 1492 أصدر الملكان مرسوماً
بأن يتحول جميع اليهود إلى المسيحية أو أن يغادروا البلاد تاركين أملاكهم وثرواتهم
في مدى أربعة شهور. وغادر أسبانيا حوالي مائتي ألف يهودي. وكثير منهم مات في الطريق
إلى البلاد الأخرى. ولما استولى الملكان على مملكة غرناطة صدر مرسوم ملكي بأن يظل
المسلمون يمارسون شعائرهم الدينية. ولكن سرعان ما عدلوا عن تنفيذ هذا المرسوم.
وعندما ثار المسلمون ثم انهزموا، خيرتهم الدولة بأن يعتنقوا المسيحية أو يغادروا البلاد.
ومن أهم الأحداث في حكم إيزابلا هو أن خريستوف كولمبوس قد اكتشف
أمريكا في سنة 1492 وبمساعدتها.
وتوفيت إيزابلا سنة 1504 وبعد أن أنجبت ولداً وأربع بنات. الابن
هو خوان الذي توفى سنة 1497. وأشهر بناتها خوانا. وقد اختارت إيزبلا وزوجها فردناند
أن تتزوج ابنتها خوانا من فيليب الأول ابن الإمبراطور النمساوي ووريث مملكة
بورجانديا. وبسبب هذا الزواج الرائع أصبح حفيد إيزابلا كارلوس الخامس أغني ملوك
أوروبا وأقواهم جمعيا، والذي اختير بعد ذلك على رأس الإمبراطورية الرومانية
المقدسة. فالأرض التي يحكمها شملت أسبانيا وألمانيا هولندا وبلجيكا والنمسا وسويسرا
وأكثر إيطاليا وجانباً من فرنسا وتشيكوسلوفاكيا وبولندا والمجر ويوغسلافيا. وقد
استخدم كل ثروات العالم الجديد. الذي اكتشف في ذلك الوقت لمحاربة البروتستانت.
وهكذا قد أدى زواج إيزابلا من فردناند إلى التأثير العميق في
تاريخ أوروبا كلها. ولمدة قرن بعد وفاتهما.
وإذا كان من الضروري أن توجز ما فعلته إيزابلا وفردناند فإنه
يمكن أن يقلل إنهما قاما بتوحيد أسبانيا وتثبيت حدودها التي بقيت كما هي خمسة قرون.
ثم إنهما أقاما محاكم التفتيش العنيفة التي أدت إلى ترسيخ
الكاثوليكية والتعصب؟ في أسبانيا نفسها. وقد كان ذلك سبباً في تأخر أسبانيا عن
اللحاق بالثورات الفكرية والعلمية في أوروبا.
ثم إن رحلة كولمبوس إلى أمريكا هي التي جعلت أمريكا الجنوبية
مستعمرة أسبانية. وسوقاً حضارية. ولذلك كان أثر إيزابلا عميقاً على مئات الملايين
من الناس..
|