|
إنه الطبيب الإنجليزي الذي أفلح في تطوير أساليب التلقيح كإجراء
وقائي ضد الجديري. واليوم عندما يختفي الجديري من العالم، فمن الواجب أن نذكر هذا
الفضل لصاحبه. وقد كان الجديري مرضاً مفزعاً وكانت نتائجه وبيلة مهلكة. وكان
منتشراً مبيداً لدرجة أن 25% من الذين أصابتهم، ماتوا بسببه، أما الذين نجوا من هذا
المرض، فقد أدى إلى تشوهات في أجسامهم.
وهذا المرض لم يأت من أوروبا، إنما هو مرض وافد عليها من أمريكا
الشمالية والهند والصين وبلاد أخرى من العالم. ففي كل مكان نجد لهذا المرض ضحايا.
وقد حاول الكثير من الأطباء أن يجدوا وسيلة لتخفيف الإصابة بهذا
المرض. وكان معروفاً أيضاً أن الذي يصاب بالجديري مرة، لن يعاني منه مرة أخرى، وفي
الشرق عرفوا أن نقل شئ من المريض إلى الصحيح، قد يؤدي إلي أن تكون الإصابة أخف.
وعرف الأوربيون ذلك أيضاً وجربوه. ولكن لم يهتدوا إلى تفسيره علمياً.
وقد جربت السيدة ماري مونتاجيو طريقة تلقيح المريض بالجديري
بنفس المرض. وقد نجحت بعض الوقت. ولكن أدى ذلك إلى إصابة بالغة بالجديري حتى الموت.
وجرب الطبيب الإنجليزي هذا التلقيح وأجراه على نفسه. وأصيب
بالجديري. ولذلك كان لا بد من البحث عن طريقة وقائية أكيدة.
ولد جنر سنة 1749 في مدينة صغيرة اسمها باركلي في انجلترا،
وعندما كان في الثامنة عشرة من عمره تدرب على الجراحة، ثم درس بعد ذلك التشريح وعمل
في أحد المستشفيات، وفي سنة 1792 حصل على مؤهل طبي من جامعة سانت أندرو، وفي
الأربعينات أصبح جراحاً معترفاً به.
وعرف جنر وهو صغير أن الفلاحين الذين يصابون بجديري الأبقار، لا
يصابون بجدري الإنسان، وقد لاحظ ذلك في الفلاحين، وفي الذين يعملون في حظائر
الأبقار. ( وجديري الأبقار ليس خطيراً على الإنسان عندما ينتقل إليه. وإن كانت له
نفس أعراض الجديري العادية ). وفكر جنر في هذا الأمر وقال: إن صح هذا الاعتقاد فإن
تلقيح الناس بجدري الأبقار سوف يؤدي إلى المناعة ضد الجديري العادي. وبدأ يدرس
ويراقب. وانتهي إلي أن هذا صحيح، وقرر أن يجرب ذلك فوراً.
وفي مايو سنة 1796 قام بتلقيح شاب في الثامنة عشرة من عمره
بمادة أخذها من يد امرأة أصيبت بجديري الأبقار، ثم نقل الجديري إلي هذا الشاب
وانتظر بضعة أسابيع فلم تظهر أعراض المرض على هذا الشاب!
ثم أصدر كتاباً عن " البحث في أسباب الإصابة والوقاية من
الجديري " نشره سنة 1898، وهذا الكتاب هو المسئول وحده عن تطور التلقيح ضد الجديري.
وألف بعد ذلك خمس دراسات مطولة في هذا الموضوع، ولكن ظل هذا الكتاب أهمها جميعاً.
وانتشر التلقيح ضد الجديري في أوروبا كلها، وأصبح إجبارياً في
الجيش والبحرية ثم أصبح أسلوباً وقائياً معترفاً به في العالم كله.
وقدم جنر هذا الأسلوب الجديد هدية للعالم كله، ولم يشأ أن يكسب
من ورائه شيئاً. وفي سنة 1802، وعلى سبيل الامتنان له منحه البرلمان الإنجليزي
مكافأة قدرها عشرة آلاف جنية. ثم عاد البرلمان فأعطاه عشرين ألفا. وأصبح مشهوراً
ومنحته الكثير من الجامعات والهيئات العلمية الألقاب والنياشين.
تزوج جنر وكان له ثلاثة أولاد، وعاش حتى بلغ الثالثة والسبعين
وتوفي في أوائل سنة 1823 في بيته في مدينته باركلي.
وقد رأينا أن جنر لم يكشف أن الإصابة بجديري البقر تؤدي إلى
المناعة ضد الجديري. إنما هو سمع ذلك. وبدأ يفكر ويجرب.
وعلى الرغم من أن جنر لم يكن عالماً أصيلا في أفكاره، فإنه بفضل
ملاحظته وتجاربه وصبره استطاع أن ينقذ عشرات الملايين من الموت المؤكد. وعلى الرغم
من أن الأسلوب الذي اهتدى له لم يمنع إلا مرضاً واحداً، فإن هذا المرضي كان خطيراً
للغاية. ولذلك استحق كل ما خلعوا عليه من ألقاب ونياشين.
|