|
هو الموسيقار العظيم يوهان سياستيان باخ، وهو أول إنسان استطاع أن
يؤلف بين الأساليب الموسيقية المختلفة في أوروبا الغربية كلها. وذلك بأن مزج ما في
التقاليد الموسيقية في إيطاليا وفرنسا وألمانيا. ولم يكن ذائع في زمانه. بل إنه ظل
شبه منسي حتى بعد وفاته بخمسين عاماً. ولكنه في المائة والخمسين عاماً الماضية
اعتبر النقاد والمؤرخون من أعظم الموسيقيين أن لم يكن أعظمهم جمعياً. ولد باخ في
سنة 1685 بمدينة إيزناخ في ألمانيا. وكان من حسن حظه أن ولد في بيئة تحب الموسيقى.
وتقدرها تماما. وكانت أسرة باخ كلها نابهة في الموسيقي، لسنوات طويلة قبل ولادته.
فكانت أبوه عازفاً بارعاً على القيثارة. وكان اثنان من أعمامه من المواهب الموسيقية
الكبرى، وعدد كبير من أولاد عمومته من ألمع المؤلفين والعازفين أيضاً.
توفيت أمه وهو في التاسعة من عمره. وقد تلقى دروسه الأولى في
مدرسة سانت مايكل، وكانت المدرسة تساعده مادياً لأن له صوتاً جميلا، ولأن حاجته
المادية كانت شديدة. وتخرج في هذه المدرسة سنة 1702 وبعدها بعام واحد حصل على وظيفة
عازف على القيثار في فرقة موسيقية صغيرة. وفي العشرين عاماً التالية ألتحق بأعمال
كثيرة متنوعة. وقد اشتهر بأنه عازف أورغون من الدرجة الأولى، كما أنه عمل مدرساً
للموسيقى ومؤلفاً وقائداً للأوركسترا، وعندما بلغ الثانية والثلاثين من عمره حصل
على وظيفة منشد ( مطرب ) في كنيسة القديس توماس بمدينة ليبتسيج. وظل في هذا المنصب
27 عاماً من حياته حتى توفى سنة 1750.
وعلى الرغم من أن باخ هذا لم يكن بلا وظيفة مرموقة طول عمره،
فإنه لم يلق شهرة موتسارت أو بيتهوفن أو ليست أو شوبان الذين اشتهروا جمعياً وهم
أحياء، ولم يتنبه أكثر الذين اشتغل عندهم باخ إلى أنه رجل عبقري.
وعندما أرادت كنيسة ليبتسيج أن تجد عازفاً من الدرجة الأولى،
اختارت باخ لا لأنه كذلك ولكن لأنها أن تجذب رجلين آخرين.. ولم تفلح. فلم يكن
أمامها سوى باخ! ولكن في نفس الوقت عندما قرر باخ أن يترك عمله في قصر أحد الأمراء،
وضعة الأمير في السجن ثلاثة أيام!.
تزوج ابنه عمه وهو في الثامنة والعشرين من عمره، وأنجب منها
سبعة أولاد، وتوفيت زوجته هذه عندما بلغ الخامسة والثلاثين من عمره، وتزوج مرة أخرى
في السنة التالية، ولم تكتف هذه الزوجة بتربية أولاده السبعة، بل إنها أضافت إليهم
ثلاثة عشر ولداً آخرين. ولم يبق من هؤلاء الأولاد سوي تسعة عاشوا بعد وفاة أبيهم،
وأربعة منهم كانوا موسيقيين ممتازين. إنها أسرة موهوبة حقاً! وكان باخ مؤلفا غزير
الإنتاج. فقد بلغت أعماله الفنية أكثر من 800 من روائع الآثار الموسيقية.
وكان رجلا متديناً يحلم بأن تؤدي أعمالة الموسيقية إلى تعميق
الشعور الديني ولذلك فأكثرها كانت دينية، ولم يبدع أشكالا موسيقية جديدة. إنما
استخدم الأشكال القديمة، وألف روائعه الموسيقية والغنائية والمعزوفات المنفردة.
وظل باخ شبه مجهول في الخمسين عاماً التي جاءت بعد وفاته. ومن
الغريب أن عباقرة الموسيقي في زمانه كانوا يقدرونه، مثل هايدن وموتسارت وبيتهوفن
فإن الرجل مجهولا، فقد ابتدع هؤلاء العباقرة أشكالا جديدة ف التأليف الموسيقي،
ولذلك فإن موسيقي باخ التقليدية، قد توارت في الظل، ولكن في سنة 1800 وما بعد كانت
هنالك نهضة موسيقية، وقد أدت هذه النهضة إلى إحياء باخ والإشادة بعظمته وعبقريته،
وأصبح باخ الآن من أكثر عمالقة الموسيقي شعبية، عما كان في عصره، ومن العجيب حقاً
موسيقاراً مثل باخ عاش ومات على أنه صورة للموسيقي القديمة، قد أصبح موسيقاراً
شعبياً في العصر الحديث!. أما سبب هذه التسمية فترجع إلى أن باخ يعتبر أقدر مؤلفي
الموسيقي على " الحرفية " أي على التزام القواعد والأصول، وفي نفس الوقت على التفوق
على الآخرين. ولا يزال أقدر الموسيقيين جميعاً على استخدام أكثر من ميلودي واحد في
عمل موسيقي واحد.
ولذلك فأعماله الموسيقية تلقى إعجاباً عظيما، لأنها منسقة،
ولأنها أيضاً، ولأن الميلودي في موسيقاه بليغ الدلالة رائع المعنى.
أما دارسو الموسيقى فيرون في أعمال باخ عمقاً وتنوعاً وغني
لونياً، ثم أن أعماله أكثر وضوحاً من أعمال كثيرين من عباقرة الموسيقي في كل
العصور.
ولا يزال باخ أكثر العباقرة القدامى شعبية، ما عدا بتهوفن، بل
إن اسطواناته يقبل عليها الناس في العالم كله، أكثر مما يقبلون على الموسيقيين
الجدد المعاصرين. فأين نضعه في قائمة الخالدين؟ من المؤكد أن مكانه بعد بتهوفن لأن
بتهوفن كان مبتدعاً جريئاً، وكان له أثر بالغ في الموسيقى كلها بعد ذلك، أكثر مما
كان لباخ. ومن المناسب أيضاً أن يجئ ترتيب باخ بعد الرسام ميكلو أنجلو، ويجئ أيضاً
بعد الشاعر شكسبير، وهو أعظم عبقرية أدبية، ولكن بسبب الأثر العميق الذي تركه في
الموسيقي، فإن مكانه يجئ سابقاً على أي موسيقار أو رسام أو أديب..
|