في أحد مساجد الله كان
هناك خطيبا يرتدي عبائته و اقفا على المنبر و كان حديثه للسامعين التالي:
ايها
الأخوة الأحبة اريد ان أروي لكم واقعة و أرجو أن يصلكم معناها, لقد كان هناك رجلا
ذا مال و جاه و سلطة و في يوم من الأيام كان يمشي على شاطىء البحر و اذا به يلقى
صيادا عائدا من صيد يومه على قاربه الصغير و معه سمكة واحدة كبيرة بعض الشىء, فوقف
الرجل الغني و قال للصياد أريد أن أشتري منك هذه السمكة, فاجابه الصياد بأنني لا
أرغب في بيعها و هي قوت و عشاء لعيالي. فرد الرجل الغني ألا تعلم من أنا, إن لم
تبعها اذن أخذها منك قسرا بالقوة و لن تنال شيئا, و فعلا مد الغني يده و أخذ السمكة
بالقوة من الصياد و لكنه خلال سحبه السمكة اصابه جرح صغير في طرف اصبعه الابهام
فاخذها و ذهب تاركا الصياد في انكسار و الم.
و في
بيته أثناء الليل بدأ الألم يشتد عليه في طرف اصبعه من الجرح لدرجة انه لم يغمض له
جفن طوال الليل مما جعله يذهب مباشرة الى الطبيب صباح اليوم التالي. و اذا بالطبيب
بعد معاينته اخبره ان ما به يستوجب ان يتم قطع اصبعه و الا فان ذلك سينتقل الى كامل
كفه, فلم يصدق ذلك و لكن شدة الألم لم تترك له مجال غير ان يرضى بقطع اصبعه و امر
الطبيب بذلك.
و في
الليلة الثانية, بدأ الالم مرة اخرى و لكنه طال كفه بالكامل و صار الما أشد و أقسى
من سابقه, و مرة أخرى لا يغمض له جفن طوال الليل و يذهب مباشرة صباح اليوم التالي
للطبيب عله يعالجه, و اذا بالطبيب يفاجئه بان ما به للاسف يستوجب فورا قطع كفه و
الا سينتقل الى بقية جسده و أعضائه مما يعني موته, فاضطر الى الانصياع للأمر من شدة
الألم, و فعلا يتم ذلك.
و
في الليلة الثالثة اذا بالالم يصيبه في كامل ذراعه و بقوة أشد مما جعله يصيح بصوت
عالى من الالم, و دام ذلك طول ليله الى ان ذهب في الصباح الى طبيبه الذى ما ان رأه
أخبره بنفس ما سبق مما يستوجب قطع ذراعه بالكامل و لكن أخبره أن بالأمر سر لا يعرفه
و سأله أن يراجع نفسه فيما فعل أخيرا فقد يكون هناك ما يفسر ذلك, و ان ما به لا
محال سيقوده الى الموت بتقطيع أعضائه واحدا تلو الأخر, ففزع بشدة الغني و بدأ يراجع
نفسه و تذكر ما فعله في الصياد و انه سبب الجرح الذي أصابه فحدث الطبيب بذلك فرد
عليه أنه لا حل أمامه الا البحث عن هذا الصياد و العثور عليه, فالسر لديه.
فهام
الرجل الغني على وجه يبحث عن الصياد بكل جهد و حرص و قلق, و مضى وقت طويل حتى وجده
عائدا من صيده كالعادة فذهب اليه على الفور و انكب يقبل رجلي و يدي الصياد في وسط
دهشة فائقة و استغراب من الصياد الذي سأله: من أنت؟ و لماذا تفعل هذا؟ فحكى له
الغني ما حصل له بعد لقائهما الأول و ما عاناه و ما هو صائر اليه و انه يطلب السماح
و العفو و الا ستكون نهايته. فبكي الصياد بشدة و هو يقول: لا اله الا الله, لقد
تذكرت انه في يوم قابلتني المرة الاولى و اخذت رزقي مني بالقوة توجهت اثناءها الى
الله عزوجل و شكوت له ظلمك لي و تعديك على و فوضت أمري اليه و سألته أن يقتص لي
منك! و انا لم أقصد أن يصيبك ما أصابك و لكن هذا الأمر كان خرج من عندي الى عند
الله و حكمه و هو أعلم, و لكني أسامحك على أن تكون عبرة لك مدى الحياة!
و
هنا قام الخطيب بخلع عبائته ليكشف للسامعين عن جسده و اذا به أكتع بيد واحدة ليؤكد
لهم قائلا: أنا هو هذا الرجل الذي فقد يده بسبب دعاء غيره عليه عندما ظلمه و اعتدى
عليه, و كان القصاص سريعا و سهلا و بسيطا و نتيجته مميتة و بأضعف الأسباب و أقلها
شأنا, و في حالتي كان جرحا صغيرا في يدي التي بطشت بها. لذا صدق المولى عزوجل في
قوله " و لا تعتدوا"