|
علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
هو
ابـن عم النبي -صلى الله عليه وسلم- ، ولد قبل البعثة
النبوية بعشـر سنين
وأقام في بيت النبوة فكان أول من أجاب الى الاسلام من
الصبيان ، هو أحد العشرة
المبشرين بالجنة ، وزوجته فاطمة الزهراء ابنة النبي -صلى الله
عليه وسلم
ووالد
الحسن والحسين سيدي شباب الجنة
الرسول
يضمه اليه:
كان
أول ذكر من الناس آمن برسول الله -صلى الله عليه وسلم-
وصدق
بما جاءه من الله تعالى : علي بن أبي طالب رضوان الله وسلامه عليه ، وهو يومئذ
ابن عشر سنين ، فقد أصابت قريشاً أزمة شديدة ، وكان أبو طالب ذا
عيال كثير فقال الرسول الكريم للعباس
عمه : يا عباس ، إن أخاك أبا طالب كثير العيال ، وقد أصاب
الناس ما ترى من هذه الأزمـة ، فانطلق بنا إليه فلنخفـف عنه من
عياله ، آخذ من بنيـه رجلا وتأخذ أنت
رجلا فنكفهما عنه فقال العباس :( نعم
فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له :( إنا نريد أن نخفف من عيالك حتى ينكشف عن
الناس ما هم فيه) فقال لهما أبو طالب :( إذا تركتما لي عقيلاً
فاصنعا ما شئتما) فأخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- علياً فضمه إليه ، وأخذ العباس
جعفراً فضمه إليه ، فلم يزل علي مع رسول الله
حتى بعثه الله تبارك وتعالى نبياً ، فاتبعه علي -رضي الله
عنه- وآمن به وصدقه ، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذا حضرت
الصلاة خرج الى شعاب مكة ، وخرج علي
معه مستخفياً من أبيه وسائر قومه ، فيصليان الصلوات معا ، فإذا أمسيا رجعا.
منزلته
من الرسول:
لمّا
آخى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بن أصحابه قال لعلي:(
أنت
أخي وكان يكتب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وشهد الغزوات كلها ما عدا غزوة
تبوك حيث استخلفه الرسول
-صلى الله عليه وسلم- في أهله وقال له :( أما ترضى أن تكون مني
بمنزلة هارون من موسى).
وكان
مثالا في الشجاعة و الفروسية ما بارز أحد الا صرعه ، وكان زاهدا في الدنيا
راغبا في الآخرة قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- :( من أحب عليا
فقد أحبني ، ومن أحبني فقد أحب
الله ومن أبغض عليا فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله) دعاه الرسول -صلى الله
عليه وسلم- وزوجته فاطمة وابنيه ( الحسن والحسين ) وجلَّلهم
بكساء وقال :( اللهم هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهِّرْهُم
تطهيراً) و ذلك عندما نزلت الآية الكريمة قال تعالى :( إنّما يُريدُ اللهُ
لِيُذْهِبَ عنكم الرِّجسَ أهلَ
البيت)
كما
قال -عليه أفضل الصلاة والسلام-:( اشتاقت الجنّةِ إلى ثلاثة : إلى علي ، وعمّار
وبلال)
ليلة
الهجرة:
في
ليلة الهجرة ، اجتمع رأي المشركين في دار الندوة على أن
يقتلوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- في فراشه ، فأتى جبريل -عليه
السلام- رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
فقال :( لا تبيت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه) فلما كانت عتمة من الليل
اجتمع المشركون على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه ، فلما
رأى رسول الله مكانهم قال لعلي :( نم على فراشي ، وتَسَجَّ ببردي
هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه ، فإنه
لن يَخْلُصَ إليك شيء تكرهه منهم). ونام علي -رضي الله عنه- تلك الليلة بفراش رسول
الله ، واستطاع الرسول -صلى الله عليه سلم- من الخروج
من الدار ومن مكة ، وفي الصباح تفاجأ المشركون بعلي في فراش
الرسول الكريم و أقام علي -كرّم الله وجهه- بمكة ثلاث ليال وأيامها
حتى أدى عن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- الودائع التي كانت عنده للناس ، حتى إذا فرغ منها لحق برسول
الله في قباء.
أبو
تراب:
دخل
علي على فاطمة -رضي الله عنهما- ، ثم خرج فاضطجع في
المسجد ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- :( أين ابن عمك)
قالت في المسجد, فخرج إليه فوجد رداءه قد سقط عن ظهره ، وخلص التراب إلى ظهره ،
فجعل يمسح التراب عن ظهره فيقول :( اجلس
يا أبا تراب) مرتين.
خيبر:
في
غزوة خيبـر قال الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- :( لأُعْطينّ
الرايةَ غداً رجلاً يحب الله ورسوله ، ويُحبه الله ورسوله ، يفتح
الله عليه ، أو على يديه فكان رضي
الله عنه هو المُعْطَى وفُتِحَت على يديه.
خلافته:
لما
استشهد عثمان -رضي الله عنه- سنة ( 35 هـ ) بايعه الصحابة
والمهاجرين و الأنصار وأصبح رابع الخلفاء الراشدين ، يعمل جاهدا على
توحيد كلمة المسلمين واطفاء نار
الفتنة ، وعزل الولاة الذين كانوا مصدر الشكوى.
ذهبت
السيدة عائشة زوجة الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى مكة
المكرمة لتأدية العمرة في شهر محرم عام 36 هجري ، ولما فرغت من ذلك
عادت الى المدينة ، وفي الطريق
علمت باستشهاد عثمان واختيار علي بن أبي طالب خليفة للمسلمين
، فعادت ثانية الى مكة حيث لحق بها طلحة بن عبيد الله والزبير بن
العوام -رضي الله عنهما- وطالب الثلاثة
الخليفة بتوقيع القصاص على الذين شاركوا في الخروج على
الخليفة عثمان -رضي الله عنه- ، وكان من رأي الخليفة الجديد عدم
التسرع في ذلك ، والانتظار حتى تهدأ
نفوس المسلمين ،وتستقر الأوضاع في الدولة الاسلامية ، غير أنهم
لم يوافقوا على ذلك واستقر رأيهم على التوجه الى البصرة ، فساروا
اليها مع أتباعهم.
معركة
الجمل:
خرج
الخليفة من المدينة المنورة على رأس قوة من المسلمين على
أمل أن يدرك السيدة عائشة -رضي الله عنها- ، ويعيدها ومن معها الى
مكة المكرمة ، لكنه لم يلحق بهم ،
فعسكر بقواته في ( ذي قار ) قرب البصرة ، وجرت محاولات للتفاهم
بين الطرفين ولكن الأمر لم يتم ، ونشب القتال بينهم وبذلك بدأت
موقعة الجمل في شهر جمادي الآخرة عام 36
هجري ، وسميت بذلك نسبة الى الجمل الذي كانت تركبه السيدة
عائشة -رضي الله عنها- خلال الموقعة ، التي انتهت بانتصار قوات
الخليفة ، وقد أحسن علي -رضي الله عنه-
استقبال السيدة عائشة وأعادها الى المدينة المنورة معززة مكرمة
، بعد أن جهزها بكل ما تحتاج اليه ، ثم توجه بعد ذلك الى الكوفة في
العراق ، واستقر بها ، وبذلك أصبحت
عاصمة الدولة الاسلامية.
مواجهة
معاوية:
قرر
علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ( بعد توليه الخلافة ) عزل
معاوية بن أبي سفيان عن ولاية الشام ، غير أن معاوية رفض ذلك ، كما
امتنع عن مبايعته بالخلافة ،
وطالب بتسليم قتلة عثمان -رضي الله عنه- ليقوم معاوية باقامة
الحد عليهم ، فأرسل الخليفة الى أهل الشام يدعوهم الى مبايعته ،
وحقن دماء المسلمين ، ولكنهم رفضوا فقرر
المسير بقواته اليهم وحملهم على الطاعة ، وعدم الخروج على جماعة المسلمين ، والتقت
قوات الطرفين عند ( صفين ) بالقرب من الضفة الغربية لنهر الفرات ،
وبدأ بينهما القتال يوم الأربعاء
(1 صفر عام 37 هجري) وحينما رأى معاوية أن تطور القتال يسير لصالح علي وجنده ، أمر
جيشه فرفعوا المصاحف على ألسنة الرماح ، وقد أدرك الخليفة خدعتهم
وحذر جنوده منها وأمرهم بالاستمرار في
القتال ، لكن فريقا من رجاله ، اضطروه للموافقة على وقف
القتال وقبول التحكيم ، بينما رفضه فريق و في رمضان عام 37 هجري
اجتمع عمر بن العاص ممثلا عن معاوية وأهل الشام ، وأبو موسى
الأشعري عن علي وأهل العراق ، واتفقا على أن يتدارسا الأمر ويعودا
للاجتماع في شهر رمضان من نفس العام ،
وعادت قوات الطرفين الى دمشق والكوفة ، فلما حان الموعد
المتفق عليه اجتمعا ثانية ، وكانت نتيجة التحكيم لصالح معاوية.
الخوارج:
أعلن
فريق من جند علي رفضهم للتحكيم بعد أن اجبروا عليا -رضي
الله عنه- على قبوله ، وخرجوا على طاعته ، فعرفوا لذلك باسم الخوارج
، وكان عددهم آنذاك حوالي اثني عشر
ألفا ، حاربهم الخليفة وهزمهم في معركة (النهروان) عام 38
هجري ، وقضى على معظمهم ، ولكن تمكن بعضهم من النجاة و الهرب.
وأصبحوا منذ ذلك الحين مصدر كثير من القلاقل في الدولة الاسلامية.
استشهاده:
لم
يسلم الخليفة من شر هؤلاء الخوارج اذ اتفقوا فيما بينهم على
قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص في ليلة واحدة ، ظنا منهم أن ذلك
يحسم الخلاف ويوحد كلمة المسلمين على
خليفة جديد ترتضيه كل الأمة ، وحددوا لذلك ثلاثة من بينهم لتنفيذ
ما اتفقوا عليه ، ونجح عبد الرحمن بن ملجم فيما كلف به ، اذ تمكن من
طعن علي -رضي الله عنه- بالسيف وهو
خارج لصلاة الفجر من يوم الجمعة الثامن عشر من رمضان عام
أربعين هجرية بينما أخفق الأخران.
وعندما هجم المسلمون على ابن ملجم ليقتلوه نهاهم علي قائلا :( ان أعش فأنا أولى
بدمه قصاصا أو عفوا ، وان مت فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين ،
ولا تقتلوا بي سواه ، ان الله لا يحب
المعتدين) و حينما طلبوا منه أن يستخلف عليهم وهو في لحظاته الأخيرة قال لهم :( لا
آمركم ولا أنهاكم ، أنتم بأموركم أبصر)
واختلف في مكان قبره, و باستشهاده رضي الله عنه- انتهى عهد الخلفاء الراشدين.
الإمام عليّ ابن
أبي طالب
كرّم الله وجهه
هو عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم . أمه فاطمة بنت
أسد بن هاشم . وهو ابن عم النبي محمد صلى الله عليه وسلّم ، وزوج فاطمة الزهراء
ابنة الرسول . رزق منها ثلاثة من الذكور هم: الحسن، والحسين، ومحسن وبنتين هما :
زينب وأم كلثوم .
ولد الإمام عليّ في مكة سنة 601 م، وهو أوّل من
أسلم من الصبيان ولم يسجد لصنم. لهذا نقول "عليّ كرّم الله وجهه".
اشترك في جميع الغزوات عدا تبوك . وامتاز بكونه
شاعراً وخطيباً بارعاً ويعدّ من الخلفاء الراشدين الصالحين .
وتعتقد طائفة من الشيعة أن عليّاً معصوم عن
الكبائر والصغائر ، وأن فيه جزءا لإله اتّحد بعبده ، وأنه يعلم الغيب.
والصحيح أن الإمام عليّ أحسن الإسلام علماً
وفقهاً .
بعد وفاة النبي بويع أبو بكر بالخلافة ، وأوصى
بها قبل وفاته لعمر بن الخطاب . وبعد مقتل عمر انتقلت الخلافة إلى عثمان بن عفّان .
إلاّ انه ، وبسبب سياسته ، قتل سنة (656) م ، واستلم عليّ الخلافة ، فيما الصعاب
والمؤامرات أحاطت به من كل جانب . فكانت معركة الجمل ، وهي المعركة التي وقعت بين
الفريق الذي جمع أنصار الإمام علي وبين فريق طلحة والزبير وعائشة الذين طالبوا بدم
عثمان ، ووضعوا اللوم على عليّ واتهموه بقبول دعوة الثوار ، ومن ثم ضمّهم إلى صفوف
جيشه . وكان النصر في هذه المعركة حليف عليّ .
بعد أن انتهى من حرب الحجازيين ، كانت معركة
صفين (عام 657 م) بينه وبين معاوية بن أبي سفيان . وكاد علي أن ينتصر لولا خدعة
عمرو بن العاص الذي دعا إلى رفع المصاحف على أسنّة الرماح ، أي جعل القرآن حكماً
بين الناس . وقد قبل عليّ التحكيم تحت ضغط جنده الأمر الذي أضعف مركزه .
في سنة 661 استشهد الإمام عليّ على يد خارجي
يدعى عبد الرحمن بن ملجم .
الإمام عليّ بين فكّي التاريخ
مما لا شك فيه أن الإمام عليّ لاقى الويلات
أثناء حكمه من جميع الأطراف . وقد استطاع بما عُرف عنه من كرم وشجاعة الاستمرار
والثبوت .
لكنّ أهل العراق خذلوه ، والخوارج اغتالوه .
فاتجهت عجلة التاريخ اتجاهاً لم يكن يرغبه الإمام الذي سار إلى موقعة الجمل وصفين
محاولاً إحقاق الحق وتوحيد صفوف المسلمين ، لكنه أخفق ، بعد أن لم يستطع حسم
المعركة ضد معاوية .
وهناك الكثير من الباحثين العرب والمستشرقين
الذين يتهمون الإمام علي بأنه لم يكن رجل سياسة ناجحاً ، وانه أكثر من الأخطاء
وخاصة عندما عزل معاوية بن أبي سفيان ، والي الشام منذ زمن عثمان بن عفّان .
لكننا حين نقلّب صفحات التاريخ نستطيع أن نقول
إن الإمام عليّ كان رجل دولة وإنساناً ذكياً وشجاعاً . وإلاّ فكيف نفسّر أن الخلفاء
الراشدين عمر وأبا بكر وعثمان اتخذوه مستشاراً لهم؟!
كما أن صفاته تدلنا على مدى قوته الجسدية
والنفسية ، فهو يميل إلى القصر ، آدم ، أصلع مبيض الرأس ، طويل الرقبة، ثقيل
العينين في دعج وسعة ، حسن الوجه ، واضح البشاشة ، عريض المنكبين لهما مشاش ، ضخم
العضلة ، ضخم الذراع ، تمتّع بقوة بالغة ، فربما رفع الفارس بيده فجلد به الأرض غير
جاهد . وقد اشتهر عنه انه لم يصارع أحداً إلا صرعه . ولم يبارز أحداً إلا قتله .
وهو لا يهاب الموت . فقد اجترأ وهو فتى ناشىء
على عمرو بن ورد فارس الجزيرة العربية الذي كان يقوم بألف رجل . وكان ذلك يوم وقعة
الخندق أو الأحزاب ، حين خرج عمرو مقنعا بالحديد ينادي جيش المسلمين : "من يبارز؟ "
فصاح علي : " أنا يا رسول الله " فقال له الرسول " اجلس انه عمرو " . وفي النهاية
أذن له الرسول ، فنظر إليه عمرو فاستصغره ، لكنّ عليا قتله .
ألا يحق لعلي ما يحق لغيره من الخلفاء الراشدين؟
نعم، لقد قام عليّ بن أبي طالب بعزل ولاة عثمان
. ومعروف أن عثمان ولّى أقرباءه الذين بذّروا الأموال . والحقيقة إن العزل لم يتم
إلا في حق معاوية بن أبي سفيان وخالد بن أبي العاص والي مكة.
وقد قام عمر الفاروق رضي الله عنه بعزل خالد بن
الوليد والمثنى بن الحارثة ، وهما قائدان كبيران . وكذلك ولّى عمر بن الخطاب عمرو
بن العاص مصر وهو الذي فتحها ، وولى المغيرة بن شعبة على الكوفة ، فعزلهما عثمان .
وهكذا نجد أن لكل خليفة ظروفه واعتباراته
واجتهاده في تعيين الولاة لضمان نجاعة العمل .
ثم إنّ الولاة الذين عيّنهم الإمام عليّ هم من
كبار الصحابة ولهم فضل في الإسلام مثل : سهل بن حنيف ، قيس بن سعد بن عبادة ، عبد
الله بن عباس بن عبد المطّلب .
مهزلة التحكيم ...
اجتمع الحكمان بدومة الجندل، التي وقع عليها
الاختيار لكونها وسطا بين العراق والشام . وقد مثّل الإمام عليًّاً أبو موسى
الأشعري الذي كان شيخاً طاعناً في السن ، أما معاوية فمثّله عمرو بن العاص الملقب
بثعلب العرب .
وكان القرار معروفاً لمن عرف الحكمين ، فأبو
موسى الأشعري أراد حقن دماء المسلمين ووقف القتال ، لذا رأى انه يجب عزل علي
ومعاوية . ويرجع هذا القرار لعمرو بن العاص الذي اقنع أبا موسى الأشعري بذلك ،
والذي لجأ إلى هذه الحيلة لإرضاء صاحبه معاوية .
أراد أبو موسى الأشعري تولية عبد الله بن عمر
خليفة ، وأراد عمرو بن العاص تولية ابنه عبد الله . وكاد أبو موسى الأشعريّ يوافقه
ولذا قررا خلع الاثنين دون الاتفاق على غيرهما .
تقدّم أبو موسى الأشعري وقال " نخلع عليا
ومعاوية ونستقبل الأمة بهذا الأمر فيولّوا منهم من أحبّوا عليهم .. وإني قد خلعت
علياً ومعاوية فاستقبلوا أمركم وولّوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلاً ".
وتلاه عمرو فقال: "... إن هذا قال ما سمعتم وخلع
صاحبه ، وأنا اخلع صاحبه كما خلعه ، واثبِّت صاحبي معاوية فإنّه وليّ عثمان بن
عفّان رضي الله عنه ، والمطالب بدمه أحقّ الناس بمقامه ".
فغضب أبو موسى وصاح به : "ما لك لا وفّقك الله
غدرتَ وفجرت؟ إنما مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث وان تتركه يلهث".
فابتسم عمرو بن العاص وهو يقول: " إنما مثلك
كمثل الحمار يحمل أسفارا ".
وهنا .. انتهت المهزلة ، ورجع الخلاف إلى ما كان
عليه في السابق . ووقع الإمام عليّ في كمين ، لأنه وافق على التحكيم ، الأمر الذي
رفع من مكانة معاوية وجعله ندا مساوياً له ، وهو خليفة المسلمين ورابع الخلفاء
الراشدين .
كما أضعف موقفه أن يمثّله رجل طاعن في السن مثل
أبي موسى الأشعري وأن يمثّل معاوية رجل هو داهية العرب وصاحب مشورة رفع المصاحف في
صِفّين . ومن الطبيعي أن يبدع رجل كهذا مكراً آخر .
ثم ماذا كانت صلاحيات الحكمين لعزل علي أو
معاوية أو أحدهما ؟! إنّ هذا التحكيم أضعف من مكانة عليّ السياسية ، وهو ربح آخر
لمعاوية وعمرو بن العاص . زد على ذلك خروج الخوارج من جيش عليّ وانشغاله بقتالهم
ومن ثم استشهاده على يد واحد منهم .
استشهاد الإمام عليّ (661 م)
اجتمع ثلاثة رجال من الخوارج واتّفقوا على قتل
عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص . وقد أخذ عبد الرحمن بن
ملجم على عاتقه قتل عليّ .
دخل بن ملجم المسجد في بزوغ الفجر وجعل يكرر
الآية : "ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضاة الله "، فاقبل عليّ وظنّ أن الرجل
ينسى نفسه فيها ، فقال : "والله رؤوف بالعباد " ثم انصرف عليّ ناحية عبد الرحمن بن
ملجم ، وعندها ضربه بالسيف المسموم على رأسه . فقال علي : " احبسوه ثلاثاً وأطعموه
واسقوه ، فإن أعش أرَ فيه رأيي ، وإن متّ فاقتلوه ولا تمثّلوا به ". لكنّ الإمام
عليّ مات من الضربة ، فأخذه عبد الله بن جعفر فقطع يديه ورجليه ثم قطع لسانه وضرب
عنقه .
أما الخارجي الثاني الحرث بن عبد الله التميمي
الذي أخذ على عاتقه قتل معاوية ، فلم يجد إلى ذلك سبيلا .
أما الخارجي الثالث عمرو بن بكير التميمي فنوى
قتل عمرو بن العاص لكن لسوء حظه وحسن حظ عمرو بن العاص ، انه أرسل مكانه للصلاة
رجلاً يقال له خارج فضربه الخارجي وقتله.
قال الحسن صبيحة تلك الليلة: أيها الناس انه قتل
فيكم رجل كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يبعثه فيكتنفه جبريل عن يمينه
وميكائيل عن يساره فلا ينثني حتى يفتح الله له . وما ترك إلا ثلاثمائة درهم .
وها نحن نرى كيف تتجلى عظمة الرجل حتى وهو يموت
، وذلك من خلال معاملته لقاتله ، الذي ضربه بالسيف في المسجد في شهر رمضان ... فهو
يأمر قبل موته بان يتم سجن القاتل ، فإذا مات فليقتل على أن لا يُمَثَّل به . ورغم
كونه خليفة ، وهو الذي يدير شؤون الدولة الإسلامية إلا انه عاش فقيراً ومات فقيراً
، ولم يترك إلا ثلاثمائة درهم .
وأروع ما ترك لنا الإمام علي عدا سيرته الطيبة
كتاب " نهج البلاغة " الذي جمعه الشريف الرضي . وإن نظرة سريعة للكتاب تكشف شخصية
الإمام عليّ الفذّة ، صاحب الخيال الواسع والإيمان الراسخ بالله تعالى ، الذي يحمل
الرأي السديد في الدين والاجتماع .
ومن روائع الإمام عليّ خطبة الجهاد المعروفة .
قصة عن شجاعة الإمام عليّ
ونورد فيما يلي هذه القصة التي تدلّ على شجاعة
الإمام علي بن أبي طالب ومهابة الفرسان منه .
في معركة صفين ، وبينما كان القتال على أشدّه
بين جيش عليّ وجيش معاوية ، كان لمعاوية مولى يدعى حريث ، وكان حريث هذا فارس
معاوية الذي يعدّه لكل مبارزة ولكل عظيم . وكان حريث يلبس سلاح معاوية ، متشبهاً
به، فإذا قاتل قال الناس ذاك معاوية .
وقد دعاه معاوية في معركة صفين وقال له: يا حريث
.. ضع رمحك حيث شئت، لكن اتَّقِ علياًً .
ولكنّ عمرو بن العاص المعروف بمكره قال له : لو
كنت قريشياً لأحبّ معاوية أن تقتل علياً ولكنه كره أن يكون لك حظها ، فإن رأيت فرصة
فأقدِم ...
وخرج علي أمام الخيل وحمل عليه حريث فنادى : يا
عليّ هل لك في المبارزة؟ فأقدم عليّ وهو يقول :
أنا عليّ
وابن
عبـد المطَّلِبْ نحن لعمر الله أولى بالكُتُبْ
منا النبيّ المصطفى غير كذبْ أهل اللواء
والمقام والحُجُبْ
نحن نصرناه على جلّ العربْ يا أيها العبد
الضرير المنتدَبْ
ثم ضربه عليّ فقتله فجزع عليه معاوية وعاتب عمرو بن العاص
وقال له :
حُريثُ ألمْ تعلمْ وجهلُكَ ضائرُ بأنّ
عليّاً
للفوارسِ
قاهِرُ
وإنّ عليّا لم يبارزه فارسٌ من
الناس إلا أقعدته الأظافر
أمرتك أمراً حازماً فعصيتني فجدّك
إذ لم تقبل النصحَ عاثر
ودلاّك عمرو والحوادث جمّة غروراً
وما جرّت عليك المقادِر
وظنّ حريث أنّ عمرواً نصيحَهُ وقد يهلك
الإنسان من لا يحاذر
من أقواله المأثورة
1 - لا رأي لمن لا يطاع .
2 - القناعة كنز لا يفنى .
3 - ليس كلّ من رمى أصاب .
4 - التواضع نعمة لا يفطن إليها الحاسد .
5 - لا قرين كحسن الخلق .
6 - لا علم كالتفكير .
7 - لا ميراث كالأدب .
8 - لا إيمان كالحياء والصبر .
9 - الناس أعداء ما جهلوا .
10 -
لا تطلب الحياة لتأكل ، بل أطلب الأكل لتحيا .
|