الفصول في السيرة

 

   

Skip Navigation Links
للاتصال
البريد
الرئيسية
Skip Navigation Links
دين
أدب
لغة
تاريخ
معلومات
الأبراج
شخصيات
حديث
فقه
عقيدة
رجال
خالدون
سيرة
عظيمات
أدعية
وقفات
معارك

قال الشاعر

و الكلب كلب و لو قُلد بالذهب

 

السبع سبع و لو كلت مخالبه

ركن أخر

ظهر في أواخر عهد الموحدين ابن هود الذي سعى لتخليص الأندلس من الموحدين ، ومن النصارى أيضاَ ، وحكم قواعد شرقي الأندلس ، ودخلت في طاعته جيان وقرطبة وماردة وبطليوس ، وانتزع غرناطة من المأمون الموحدي سنة 628 هـ ، وحكم ابن الأحمر قواعد أخرى في الجنوب.

لقراءة البقية
 

صحابي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن مولاه وحِبّه وابن حِبّه، وأمه أم أيمن بركة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاضنته

لقراءة البقية

"اهلاً بكم في موقع أهلين .... لا تنس ذكر الله ...... سبحان الله و بحمده سبحان الله العظيم, كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلاتان في الميزان حبيبتان للرحمن ......... اللهم اشرح لي صدري و يسر لي أمري .......... اللهم أعني على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك ........ اللهم صلي على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم و على من تبعهم باحسان الى يوم الدين ............ اللهم أغفر لنا و ارحمنا و عافنا و أعف عنا

﴾ ﴿    من لم يمت بالسيف مات بغيره ... تعددت الأسباب و الموت واحد    ﴾ ﴿    اربعة تزيد في ماء الوجه: التقوى و الوفاء و الكرم و المروؤة    ﴾ ﴿    كن حليما اذا بليت بغيظ .. و صبورا اذا أتتك مصيبة .. فالليالي من الزمان حبالى .. مثقلات يلدن كل عجيبة    ﴾ ﴿    إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه    ﴾ ﴿    صغير يطلب الكبرا .. و شيخ ود لو صغرا .. و خال يشتهي عملا .. و ذو عمل في ضجرا .. و رب المال في نصب .. و في نصب من إفتقرا .. فهل حاروا مع الأقدار .. أم هم حيروا القدرا    ﴾ ﴿    حديث شريف: من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه    ﴾ ﴿    يعيش المرء ما استحيا بخير .. و يبقى العود ما بقي اللحاء .. اذا لم تخشى عاقبة الليالي ... و لم تستح فاصنع ما تشاء    ﴾ ﴿    ولدتك أمك يا ابن أدم باكيا .. و الناس حولك يضحكون سرورا .. فاعمل لنفسك كي تكون اذا بكوا .. في يوم موتك ضاحكا مسرورا    ﴾ ﴿    قال ابن تيمية : اربعة أشياء تمرض الجسم : الكلام الكثير و النوم الكثير و الأكل الكثير و الجماع الكثير    ﴾ ﴿    من حفظ عشر أيات من أول سورة الكهف عصم من المسيح الدجال    ﴾ ﴿    لا تنه عن خلق و تأتي مثله ... عار عليك اذا فعلت عظيم    ﴾ ﴿     التاريخ يعيد نفسه    ﴾ ﴿     ماذا لو حصلنا على كل الكتب التى أحرقت عند دخول المغول بغداد و سقوط الدولة العباسية؟؟؟    ﴾ ﴿     لا الهواء هواء عند من عرفوا .. و لا المكان مكان عند من نظروا .. و إنما الله جل الله نظمها .. للمصطفى رحلة في طيها عبر .. راقبوا الله و لا تهنوا .. و حكموا دينكم في الأمر و إعتبروا .. فدينكم أفضل الأديان قاطبة .. لو صنتموه لزال الذل و الخطر    ﴾ ﴿     محمد سيد الكونين و الثقلين .. و الفريقين من عرب و من عجم .. هو الحبيب الذي ترجى شفاعته .. لكل هول من الأهوال مقتحم .. دعا الى الله فالمستمسكون به .. مستمسكون بحبل غير منفصم    ﴾ ﴿     وطني لو شغلت بالخلد عنه ... نازعتني اليه في الخلد نفسي    ﴾ ﴿     و لست أبالي حين أقتل مسلما .. على أي جنب كان في الله مصرعي .. و ذلك في ذات الأله و ان يشأ .. يبارك على أوصال شلو منزع    ﴾ ﴿      "اهلاً بكم في موقع أهلين    ﴾ ﴿    لا تنس ذكر الله    ﴾ ﴿     سبحان الله و بحمده سبحان الله العظيم, كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلاتان في الميزان حبيبتان للرحمن    ﴾ ﴿     اللهم اشرح لي صدري و يسر لي أمري    ﴾ ﴿     اللهم أعني على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك    ﴾ ﴿     اللهم صلي على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم و على من تبعهم باحسان الى يوم الدين    ﴾ ﴿     اللهم أغفر لنا و ارحمنا و عافنا و أعف عنا    ﴾ ﴿     كل أبن أنثى و أن طالت سلامته ... يوما على ألة حدباء محمول    ﴾ ﴿   كل المصائب قد تمر على الفتي ... فتهون غير شماتة الأعداء  ﴾  ﴿ كل القلوب الى الحبيب تميل .. و معي بذلك شاهد و دليل .. أما الدليل إذا ذكرت ُ محمدا .. صارت دموع العارفين تسيل ﴾ ﴿    ليس الجمال بمئزر .. إعلم و إن وريت بردا .. إن الجمال مآثر .. و مناقب أورثن حمدا ﴾ ﴿   صلاح أمرك للأخلاق مرجعه .. فقوم النفس بالأخلاق تستقم  ﴾ ﴿     دقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائق و ثواني  ﴾ ﴿   اذا المرء لا يرعاك الإ تكلفا ... فدعه و لا تكثر عليه التأسفا  ﴾ ﴿   لا إله إلا الله محمد رسول الله ... لا إله إلا الله محمد رسول الله ... لا إله إلا الله محمد رسول الله   ﴾ ﴿   إن الجواهر في التراب جواهر  ...  و الأ ُسد في قفص الحديد أسود    ﴾ ﴿   السبع سبع و إن كلت مخالبه  ...  و الكلب كلب و إن قُلد بالذهب   ﴾ ﴿    عين النقد تبرز كل عيبا ... و عين الحب لا تجد العيوبا   ﴾ ﴿   قال الامام علي بن أبي طالب ( الناس أعداء ما جهلوا)   ﴾ ﴿   من حديث قدسي: يا ابن أدم لا تسألني رزق غد كما لم أطلبك بعمل غد, يا أبن أدم أنا لك محب فبحقي عليك كن لي محبا   ﴾ ﴿   من صلي في اليوم و الليلية أتنتي عشر ركعة تطوعا بنى الله له بيتا في الجنة   ﴾ ﴿  ©  ®   ‡

 

Hit Counter

 
 

الفصول في السيرة

 
 

لأبن كثير

 
 

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين :

الحمد لله و سلام على عباده الذين اصطفى ، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا و يرضى ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة من أخلص له قلبه و انجابت عنه أكدار الشرك و صفا ، و أقر له برق العبودية ، واستعاذ به من شر الشيطان و الهوى ، و تمسك بحبله المتين المنزل على رسوله الأمين محمد خير الورى صلوات الله و سلامه عليه دائماً إلى يوم الحشر و اللقا ، و رضي الله عن أصحابه و أزواجه و ذريته و أتباعه أجمعين ، أولي البصائر و النهى .

أما بعد :

فإنه لا يجمل بأولي العلم إهمال معرفة الأيام النبوية و التواريخ الإسلامية ، و هي مشتملة على علوم جمة و فوائد مهمة ، لا يستغني عالم عنها ، و لا يعذر في العرو منها . و قد أحببت أن أعلق تذكرةً في ذلك لتكون مدخلاً إليه و أنموذجاً و عوناً له و عليه ، و على الله اعتمادي ، و إليه تفويضي واستنادي ، و هي مشتملة على ذكر نسب رسول الله عليه الصلاة و السلام ، و سيرته و أعلامه ، و ذكر أيام الإسلام بعده إلى يومنا هذا ، مما يمس حاجة ذوي الأرب إليه ، على سبيل الاختصار إن شاء الله تعالى .

 

 فصل ذكر نسبه صلى الله عليه و سلم

هو سيد ولد آدم : أبو القاسم محمد ، و أحمد ، و الماحي الذي يمحى به الكفر ، و الحاشر الذي يحشر الناس ، و العاقب الذي ليس بعده نبي ، و المقفي ، و نبي الرحمة ، و نبي التوبة ، و نبي الملحمة . ابن عبد الله ، وهو أخو الحارث ، و الزبير ، و حمزة ، و العباس ، و يكنى أبا الفضل ، وأبي طالب ، و اسمه عبد مناف ، و أبي لهب ، و اسمه عبد العزى ، و عبد الكعبة ، وهو المقوم ، و قيل : هما اثنان ، و حجل ، و اسمه المغيرة ، والغيداق ، و سمي بذلك لكثرة جوده ، وأصل اسمه نوفل ، و قيل : حجل ، و ضرار .

وصفية ، و عاتكة ، و أروى ، و أميمة ، و برة ، و أم حكيم ـ و هي البيضاء ـ .

هؤلاء  كلهم أولاد عبد المطلب ، و اسمه شيبة الحمد على الصحيح ، ابن هشام و اسمه عمرو ، وهو أخو المطلب ـ و إليهما نسب ذوي القربى ـ و عبد شمس ، و نوفل ، أربعتهم أبناء عبد مناف أخي عبد العزى ، و عبد الدار ، و عبد ، أبناء قصي ، و اسمه زيد ، و هو أخو زهرة ، ابنا كلاب أخي تيم ، و يقظة أبي مخزوم ، ثلاثتهم أبناء مرة أخي عدي ، و هصيص ، و هم أبناء كعب أخي عامر ، و سامة ، و خزيمة ، و سعد ، و الحارث ، و عوف ، سبعتهم أبناء لؤي أخي تيم الأدرم . ابني غالب أخي الحارث ، و محارب ، بني فهر أخي الحارث ابني مالك أخي الصلت ، و يخلد ، بني النضر أخي مالك ، و ملكان ، و عبد مناة ، و غيرهم ، بني كنانة أخي أسد ، و أسدة ، الهون ، بني خزيمة أخي هذيل ، ابن مدركة ،واسمه عمرو ، و هوأخو طابخة ، واسمه عامر ، و قمعة ، وثلاثتهم أبناء إلياس ،  أخي الناس ، وهو عيلان و الدقيس كلها ، كلاهما ، ولد مضر أخي ربيعة وهما الصريحان من ولد إسماعيل ، و أخي أنمار ، و إياد ، و قد تيامنا ، أربعتهم أولاد نزار أخي قضاعة في قول أكثر أهل النسب ، كلاهما ابنا معد بن عدنان . فجميع قبائل العرب ينتسبون إلى من ذكرت من أبناء عدنان .

 و قد بين ذلك  الحافظ أبو عمر النمري  في كتاب  الإنباه بمعرفة قبائل الرواة  بياناً شافياً رحمه الله تعالى :

و قريش على قول أكثر أهل النسب هم الذين ينتسبون إلى فهر بن مالك بن النضر بن كنانة و أنشدوا في ذلك :

 قصي لعمري كان يدعى مجمعاً        به جمع الله القبائل من فهر 

وقيل : بل جماع قريش هو النضر بن كنانة ، و عليه أكثر العلماء و المحققين ، و استدل على ذلك بالحديث الذي ذكره أبو عمر بن عبد البر ـ رحمه الله تعالى ـ " عن الأشعث بن قيس رضي الله عنه قال : قدمت على رسول الله   صلى الله عليه و سلم في وفد كندة فقلت : ألستم منا يا رسول الله ؟ قال : [ لا ، نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا و لا ننتفى من أبينا ] " . و قد رواه  ابن ماجه  في  سننه  بإسناد حسن ، و فيه : فكان الأشعث يقول : لا أوتى برجل نفى رجلاً من قريش من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد .

و قيل : إن جماع قريش إلياس بن مضر بن نزار . و قيل : بل جماعهم أبوه مضر .

و هما قولان لبعض أصحاب الشافعي ، حكاهما  أبو القاسم عبد الكريم الرافعي  في  شرحه  ، و هما وجهان غريبان جداً .

فأما قبائل اليمن كحمير و حضرموت و سبأ ، و غير ذلك ، فأولئك من قحطان ليسوا من عدنان . وقضاعة فيها ثلاثة أقوال : قيل : إنها من العدنانية ، و قيل : قحطانية ، و قيل :  بطن ثالث لا من هؤلاء و لا من هؤلاء ، و هو غريب ، حكاه  أبو عمر  و غيره . 

 

 فصل ـذكر نسبه صلى الله عليه و سلم بعد عدنان

و هذا النسب الذي سقناه إلى عدنان لا مرية فيه و لانزاع ، و هو ثابت بالتواتر و الإجماع ، و إنما الشأن فيما بعد ذلك ، لكن لا خلاف بين أهل النسب و غيرهم من علماء أهل الكتاب أن عدنان من ولد إسماعيل نبي الله ، و هو الذبيح على الصحيح من قول الصحابة و الأئمة ، وإسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن عليه أفضل الصلاة و السلام ، و قد اختلف في كم أب بينهما على أقوال :

فأكثر ما قيل أربعون أباً ، و أقل ما قيل سبعة آباء ، و قيل : تسعة ، و قيل : خمسة عشر ، ثم اختلف في أسمائهم .

و قد كره بعض السلف و الأئمة الانتساب إلى ما بعد عدنان ، ويحكى عن  مالك بن أنس الأصبحي  الإمام رحمه الله أنه كره ذلك .

قال  الإمام أبو عمر بن عبد البر  في كتاب  الإنباه  و الذي عليه أئمة هذا الشأن في نسب عدنان قالوا : عدنان بن أدد ، بن مقوم بن ناحور ، بن تيرح ، ابن يعرب ، بن يشجب ، بن نابت ، بن إسماعيل ، بن إبراهيم خليل الرحمن ، بن تارح ـ و هو آزر ـ بن ناحور ، بن شاروخ ،  بن راعو ، بن فالخ ، بن عيبر ، ابن شالخ ، بن أرفخشذ ، بن سام ، بن نوح بن لامك ، بن متوشلخ ، بن أخنوخ ـ و هو إدريس النبي عليه السلام فيما يزعمون ، و الله أعلم ، و هو أول بني آدم أعطي النبوة بعد آدم و شيث ، و أول من خط بالقلم ، بن يرد ، بن مهليل ، ابن قينن ، بن يانش ، بن شيث ، بن آدم صلى الله عليه و سلم . هكذا ذكره  محمد بن إسحق بن يسار المدني  صاحب  السيرة النبوية  ، و غيره من علماء النسب . و قد نظم ذاك أبو العباس عبد الله بن محمد الناشي المعتزلي في قصيدة يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و قد أوردها  الإمام أبو عمر  ، و شيخنا في تهذيبه ، و هي قصيدة بليغة أولها :

 مدحت رسول الله أبغي بمدحه       وفور حظوظي من كريم المآرب

 مدحت امرءاً فاق المديح موحداً         بأوصافه عن مبعد و مقارب

فجميع قبائل العرب مجتمعون معه في عدنان ، ولهذا قال الله تعالى : " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : لم يكن بطن من قريش إلا و لرسول الله صلى الله عليه و سلم فيهم قرابة .

وهو صفوة الله منهم كما رواه  مسلم  في  صحيحه  " عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ ‎‎إن الله اختار كنانة من ولد إسماعيل ثم اختار من كنانة قريشاً ، ثم اختار من قريش بني هاشم ، ثم اختارني من بني هاشم ] "

وكذلك بنو إسرائيل أنبياؤهم و غيرهم يجتمعون يجتمعون معه في إبراهيم الخليل عله الصلاة والسلام ، الذي جعل الله في ذريته النبوة و الكتاب ، و هكذا أمر الله سبحانه بني إسرائيل على لسان موسى عليه السلام ، و هو في التوراة كما ذكره غير واحد من العلماء ممن جمع بشارات الأنبياء به صلى الله عليه و سلم ، إن الله تعالى قال لهم ما معناه : [ سأقيم لكم من أولاد أخيكم نبياً كلكم يسمع له ، و أجعله عظيماً جداً ] . و لم يولد من  بني اسماعيل أعظم من محمد صلى الله عليه و سلم ، بل لم يولد من بني آدم أحد و لا يولد إلى قيام الساعة أعظم منه صلى الله عليه و سلم ، فقد صح أنه قال : " أنا سيد ولد آدم و لا فخر ، آدم فمن دونه من الأنبياء تحت لوائي " و صح عنه أنه قال : " سأقوم مقاماً يرغب إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم ".. و هذا هو المقام المحمود الذي وعده الله تعالى ، و هو الشفاعة العظمى التي يشفع في الخلائق كلهم ، ليريحهم الله بالفضل بينهم من مقام المحشر ، كما جاء مفسراً في الأحاديث الصحيحة عنه صلى الله عليه و سلم .

و أمه صلى الله عليه و سلم : آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة .

      

 فصل ـ ولادته و رضاعه و نشأته

ولد صلى الله عليه و سلم يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول ، و قيل : ثامنه ، و قيل عاشره ، و قيل لثنتي عشرة منه ، وقال  الزبير بن بكار  : ولد في رمضان ، و هو شاذ ، حكاه  السهيلي  في  روضه  .

و ذلك عام الفيل ، بعده بخمسين يوماً ، و قيل بثمانية و خمسين يوماً ، و قيل بعده بعشر سنين ، و قيل : بعد الفيل بثلاثين عاماً ، وقيل : بأربعين عاماً ، و الصحيح أنه ولد عام الفيل ، و قد حكاه  إبراهيم بن المنذر الحزامي  شيخ  البخاري  ، و  خليفة بن خياط  و غيرها إجماعاً .

و مات أبوه و هو حمل ، و قيل بعد ولادته بأشهر ، و قيل بسنة ، و قيل بسنتين ، والمشهور الأول ، و استرضع له في بني سعد ، فأرضعته حليمة السعدية كما روينا ذلك بإسناد صحيح ، و أقام عندها في بني سعد نحواً من أربع سنين ، و شق عن فؤاده هناك ، فردته إلى أمه ، فخرجت به أمه إلى المدينة تزور أخواله بالمدينة ، فتوفيت بالأبواء ، وهي راجعة إلى مكة و له من العمر ست سنين و ثلاثة أشهر و عشرة أيام ، وقيل : بل أربع سنين  و قد روى  مسلم  في  صحيحه  "أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما مر بالأبواء و هو ذاهب إلى مكة عام الفتح استأذن ربه في زيارة قبر أمه فأذن له ، فبكى وأبكى من حوله و كان معه ألف مقنع [ يعني بالحديد ] " .

فلما ماتت أمه حضنته أم أيمن و هي مولاته ، ورثها من أبيه ، وكفله جده عبد المطلب ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم من العمر ثماني سنين توفي جده ، و أوصى به إلى عمه أبي طالب ، لأنه كان شقيق فكفله ، وحاطه أتم حياطة ، ونصره حين بعثه الله أعز نصر ، مع أنه كان مستمراً على شركه إلى أن مات ، فخفف الله بذلك من عذابه كما صح الحديث بذلك . و خرج به عمه إلى الشام في تجارة و هو ابن ثنتي عشرة سنة ، و ذلك من تمام لطفه به ، لعدم من يقوم إذا تركه بمكة ، فرأى هو و أصحابه ممن خرج معه إلى الشام من الآيات فيه صلى الله عليه و سلم ما زاد عمه في الوصاة به و الحرص عليه ، كما رواه  الترمذي  في  جامعه   بإسناد رجاله كلهم ثقات ، من تظليل الغمامة له و ميل الشجرة بظلها عليه ،و تبشير بحيرا الراهب به ، و أمره لعمه بالرجوع به لئلا يراه اليهود فيرمونه سوءاً ، والحديث له أصل محفوظ و فيه زيادات أخر ز ثم خرج ثانياً إلى الشام في تجارة لخديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها مع غلامها ميسرة على سبيل القراض ، فرأى ميسرة ما بهره من شأنه ، فرجع فأخبر سيدته بما رأى ، فرغبت إليه أن يتزوجها ، لما رجت في ذلك من الخير الذي جمعه الله لها ، و فوق ما يخطر ببال بشر ، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه و سلم و له خمس وعشرون سنة .

و كان الله سبحانه قد صانه و حماه من صغره ، و طهره من دنس الجاهلية و من كل عيب ، و منحه كل خلق جميل حتى لم يكن يعرف بين قومه إلا بالأمين ، لما شاهدوا من طهارته و صدق حديثه و أمانته ، حتى إنه لما بنت قريش الكعبة في سنة خمس و ثلاثين من عمره فوصلوا إلى موضع الحجر الأسود اشتجروا فيمن يضع الحجر موضعه ، فقالت كل قبيلة : نحن نضعها ، ثم اتفقوا على أن يضعه أول داخل عليهم ، فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا : جاء الأمين ، فرضوا به ، فأمر بثوب ، فوضع الحجر في وسطه ، وأمر كل قبيلة أن ترفع بجانب من جوانب الثوب ، ثم أخذا الحجر فوضعه موضعه صلى الله عليه و سلم .

 فصل ـ مبعثه صلى الله عليه و سلم

و لما أراد الله تعالى رحمة العباد ، و كرامته بإرساله إلى العالمين ، حبب إليه الخلاء ، فكان يتحنث في غار حراء ، كما كان يصنع ذلك متعبدو ذلك الزمان ، كما قال أبو طالب في قصيدته المشهورة اللامية :

  و ثور و من أرسى ثبيراً مكانه        وراق لبر في حراء و نازل

ففجأه الحق و هو بغار حراء في رمضان ، و له من العمر أربعون سنة ،" فجاءه الملك فقال له أقرأ ، قال لست بقارىء ، فغته حتى بلغ منه الجهد ، ثم أرسله فقال له : اقرأ ، قال : لست بقارئ ثلاثاً  ثم قال : " اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم " . فرجع بها رسول الله صلى الله عليه و سلم ترجف بوادره ، فأخبر بذلك خديجة رضي الله تعالى عنها ، و قال : قد خشيت بها على عقلي ، فثبتته و قالت : أبشر كلا و الله لا يخزيك الله أبداً ، إنك لتصل الرحم ، و تصدق الحديث و تحمل الكل ، و تعين على نوائب الدهر "... في أوصاف أخر جميلة عددتها من أخلاقه صلى الله عليه و سلم و تصديقاً منها له و تثبيتاً و إعانة على الحق ، فهي أول صديق له رضي الله تعالى عنها و أكرمها .

ثم مكث رسول الله صلى الله عليه و سلم ما شاء الله أن يمكث لا يرى شيئاً ، و فتر عنه الوحي ، فاغتنم لذلك و ذهب مراراً ليتردى من رؤوس الجبال ، و ذلك من شوقه إلى ما رأى أول مرة ، من حلاوة ما شاهده من وحي الله [ إليه ] ، فقيل : إن فترة الوحي كانت قريباً من سنتين أو أكثر ، ثم تبدى له الملك بين السماء و الأرض على كرسي ، و ثبته ، و بشره بأنه رسول الله حقاً ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه و سلم فرق منه و ذهب إلى خديجة و قال : زملوني . دثروني . فأنزل الله عليه " يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر " .

و كانت الحال الأولى حال نبوة و إيحاء ، ثم أمره الله في هذه الآية أن ينذر قومه و يدعوهم إلى الله ، فشمر صلى الله عليه و سلم عن ساق التكليف ، وقام في طاعة الله أتم قيام ، يدعوا إلى الله سبحانه الكبير و الصغير ، و الحر والعبد ، و الرجال و النساء ، و الأسود و الأحمر ، فاستجاب له عباد الله من كل قبيلة و كان حائز سبقهم أبو بكر رضي الله عنه ، عبد الله بن عثمان التيمي و آزره في دين الله ، ودعا معه إلى الله على بصيرة ، فاستجاب لأبي بكر عثمان بن عفان ، و طلحة ، و سعد بن أبي وقاص .

و أما علي فأسلم صغيراً ابن ثماني سنين ، و قيل : أكثر من ذلك و قيل : كان إسلامه قبل إسلام أبي بكر ، و قيل : لا ، و على كل حال ، فإسلامه ليس كإسلام الصديق ، لأنه كان في كفالة رسول الله صلى الله عليه و سلم أخذه من عمه إعانة له على سنة محل .

وكذلك أسلمت خديجة ، و زيد بن حارثة . و أسلم القس ورقة بن نوفل فصدق بما وجد من وحي الله ، وتمنى أن لو كان جذعاً ، و ذلك أول ما نزل الوحي ، و قد روى  الترمذي  : "أن رسول الله صلى الله عليه و سلم رآه في المنام في هيئة حسنة ، و جاء في حديث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ رأيت القس عليه ثياب بيض ] " و في  الصحيحين  أنه قال : هذا الناموس الذي جاء موسى بن عمران . لما ذهبت خديجة به إليه ، فقص عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم ما رأى من أمر جبريل عليه السلام . و دخل من شرح بن صدره للإسلام على نور وبصيرة و معاينة فأخذهم سفهاء مكة بالأذى و العقوبة ، و صان الله رسوله و حماه بعمه أبي طالب ، لأنه كان شريفاً مطاعاً فيهم ، نبيلاً بينهم ، لا يتجاسرون على مفاجأته بشيء في أمر محمد صلى الله عليه و سلم لما يعلمون من محبته له ، و كان من حكمة الله بقاؤه على دينهم لما في ذلك من المصلحة ، هذا رسول الله يدعو إلى الله ليلاً و نهاراً سراً و جهاراً لا يصده عن ذلك صاد و لا يرده عنه راد ، و لا يأخذه في الله لومة لائم.

 فصل ـ فتنة المعذبين والهجرة إلى الحبشة

و لما اشتد أذى المشركين على من آمن وفتنوا منهم جماعة حتى إنهم كانوا يصبرونهم ، و يلقونهم في الحر ، و يضعون الصخرة العظيمة على صدر أحدهم في شدة الحر ، حتى إن أحدهم إذا أطلق لا يستطيع أن يجلس من شدة الألم فيقولون لأحدهم : اللاتي إلهك من دون الله . فيقول مكرهاً : نعم ! و حتى إن الجعل ليمر فيقولون : و هذا إلهك من دون الله . فيقول نعم ! و مر الخبيث عدو الله أبو جهل عمرو بن هشام بسمية أم عمار وهي تعذب و زوجها وابنها ، فطعنها بحربة في فرجها فقتلها ، رضي الله عنها و عن ابنها و زوجها .

و كان الصديق رضي الله تعالى عنه إذا مر بأحد من الموالي يعذب يشتريه من مواليه و يعتقه ، منهم بال ، وأمه حمامة ، و عامر بن فخيرة ، وأم عبس ، و زهيرة ، و النهدية ، و ابنتها ، و جارية لبني عدي ، كان عمر يعذبها على الإسلام قبل أن يسلم . حتى قال له أبوه أبو قحافة : يا بني ، أراك تعتق رقاباً ضعافاً فلو أعتقت قوماً جلداً يمنعونك . فقال له أبو بكر : إني أريد ما أريد . فيقال إنه نزلت فيه " وسيجنبها الأتقى * الذي يؤتي ماله يتزكى * " ، إلى آخر السورة .

فلما اشتد البلاء أذن الله سبحانه وتعالى في الهجرة إلى أرض الحبشة و هي في غرب مكة ، بين البلدين صحارى السودان ، و البحر الآخذ من اليمن إلى القلزم ، فكان أول من خرج فاراً بدينه إلى الحبشة عثمان بن عفان رضي الله عنه ، و معه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وتبعه الناس . وقيل : بل أول من هاجر إلى أرض الحبشة أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك . ثم خرج جعفر بن أبي طالب و جماعات رضي الله عنهم وأرضاهم و كانوا قريباً من ثمانين رجلاً .

و قد ذكر  محمد بن إسحاق  في جملة من هاجر إلى أرض الحبشة أبا موسى الأشعري عبد الله بن قيس ، وما أدري ما حمله على هذا ؟ فإن هذا أمر ظاهر لا يخفى على من دونه في هذا الشأن ، و قد أنكر ذلك عليه  الواقدي  و غيره من أهل المغازي ، و قالوا : إن أبا موسى إنما هاجر من اليمن إلى الحبشة إلى عند جعفر ، كما جاء ذلك مصرحاً به في الصحيح من روايته رضي الله عنه فانحاز المهاجرون إلى مملكة أصحمة النجاشي فآواهم و أكرمهم ، فكانوا عنده آمنين . فلما علمت قريش بذلك بعثت في إثرهم عبد الله بن أبي ربيعة و عمرو بن العاص بهدايا و تحف من بلادهم إلى النجاشي ، ليردهم عليهم ، فأبى ذلك عليهم و تشفعوا إليه بالقواد من جنده ، فلم يجبهم إلى ما طلبوا ، فوشوا إليه : إن هؤلاء يقولون في عيسى قولاً عظيماً ، يقولون : إنه عبد ، فأحضر المسلمون إلى مجلسه ، و زعيمهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقال : ما يقول هؤلاء إنكم تقولون في عيسى ؟ ! فتلا عليه جعفر سورة " كهيعص " فلما فرغ أخذ النجاشي عوداً من الأرض فقال : ما زاد هذا على ما في التوراة و لا هذا العود ، ثم قال : اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي ، من سبكم غرم ، و قال لعمرو و عبد الله : و الله لو أعطيتموني دبراً من ذهب يقول : جبلاً من ذهب ما سلمتهم إليكما ، ثم أمر فرددت عليهما هداياهما ، و رجعا مقبوحين بشر خيبة و أسوئها.      

 

 فصل ـ مقاطعة قريش لبني هاشم و بني المطلب

ثم أسلم حمزة عم رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و جماعة كثيرون ، و فشا الإسلام . فلما رأت قريش ذلك ساءها ، و أجمعوا على أن يتعاقدوا على بنى هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف : ألا يبايعونهم ، ولا يناكحوهم ، و لا يكلموهم ، و لا يجالسوهم ، حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم و كتبوا يذلك صحيفة وعلقوها في سقف الكعبة ، و يقال إن الذي كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف ، و يقال : بل الضر بن الحارث ، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم فشلت يده .

و انحاز إلى شعب بنو هاشم و بنو المطلب ، مؤمنهم وكافرهم إلا أبا لهب لعنه الله ( فإنه ظاهر قريشاً . و بقوا على تلك الحال لا يدخل (عليهم أحد نحواً من ثلاث سنين .

و هناك عمل أبو طالب قصيد ته المشهورة : جزى الله عنا عبد شمس و نوفلا .

ثم سعى في نقص تلك الصحيفة أقوام من قريش ، فكان القائم في أمر ذلك هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن جذيمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي ، مشى في ذلك إلى مطعم بن عدي و جماعة من قريش ، فأجابوه إلى ذلك ، وأخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم قومه أن الله قد أرسل على تلك الصحيفة الأرضة ، فأكلت جميع ما فيها إلا ذكر الله عز و جل ، فكان كذلك . ثم رجع بنو هاشم وبنو المطلب إلى مكة ، و حصل الصلح برغم من أبي جهل عمرو بن هشام . و اتصل الخبر بالذين هم بالحبشة أن قريشاً أسلموا ، فقدم مكة منهم جماعة ، فوجدوا البلاء والشدة كما كانا ، فاستمروا بمكة إلى أن هاجروا إلى المدينة ، إلا السكران بن عمرو زوج سود بنت مزمعة ، فإنه مات بعد مقدمه من الحبشة بمكة قبل الهجرة إلى المدينة و إلا سلمة بن هشام ، و عياش بن أبي ربيعة ، فإنهما احتبسا مستضعفين ، وإلا عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى فإنه حبس فلما كان يوم بدر ، هرب من المشركين إلى المسلمين .      

 

 

 فصل ـ خروج النبي صلى الله عليه و سلم إلى الطائف

فلما نقضت الصحيفة وافق موت خديجة رضي الله عنها ، و موت أبي طالب ، و كان بينهما ثلاثة أيام ، فاشتد البلاء على رسول الله صلى الله عليه و سلم من سفهاء قومه ، و أقدموا عليه ، فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الطائف لكي يؤووه و ينصروه على قومه ، و يمنعوه منهم ، و دعاهم إلى الله عز و جل ، فلم يجيبوه إلى شيء من الذي طلب ، وآذوه أذى عظيماً ، لم ينل قومه منه أكثر مما نالوا منه . فرجع عنهم ، و دخل مكة في جوار المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، و جعل يدعو إلى الله عز و جل ، فأسلم الطفيل بن عمرو الدوسي ، و دعا له رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يجعل الله له آية ، فجعل الله في وجهه نوراً ، فقال : يا رسول الله أخشى أن يقولوا هذا مثله ، فدعا له ، فصار النور في سوطه ، فهو المعروف بذي النور . و دعا الطفيل قومه إلى الله فأسلم بعضهم ، و أقام في بلاده ، فلما فتح الله على رسوله خيبر قدم بهم في نحو من ثمانين بيتاً .       

 

 فصل ـ الإسراء و المعراج و عرض النبي نفسه على القبائل

و أسري برسول الله صلى الله عليه و سلم يجسده على الصحيح من قولي الصحابة و العلماء ، من المسجد الحرام إلى بيت المقدس ، راكباً البراق في صحبه جبر يل عليه السلام ، فنزل ثم ، و أم بالأنبياء ببيت المقدس فصلى بهم . ثم عرج به تلك الليلة من هناك إلى السماء الدنيا ، ثم للتي تليها ، ثم الثالثة ، ثم إلى التي تليها ، ثم الخامسة ، ثم التي تليها ، ثم السابعة . و رأى عندها جبريل على الصورة التي خلقه الله عليها ، و فرض الله عليه الصلوات تلك الليلة .

و اختلف العلماء : هل رأى ربه عز وجل أولا ؟ على قولين :

فصح " عن ابن عباس أنه قال : رأى ربه و جاء في رواية عنه : رآه بفؤاده " . و في  الصحيحين  "عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها أنكرت ذلك على قائله ، و قالت هي و ابن مسعود : إنما رأى جبريل ". و روى  مسلم  في  صحيحه  من "حديث قتادة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر أنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم هل رأيت ربك ؟ قال : [ نور ، أنى أراه ! ؟ ] و في رواية [  رأيت نوراً ] . " فهذا الحديث كاف في هذه المسألة .

و لما أصبح رسول الله صلى الله عليه و سلم في قومه أخبرهم بما أراه الله من آياته الكبرى ، فاشتد تكذيبهم له و أذاهم و استجراؤهم عليه .

 و جعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يعرض نفسه على القبائل أيام الموسم و يقول : " من رجل يحملني إلى قومه فيمنعني حتى أبلغ رسالة ربي ! ؟ فإن قريشاً قد منعوني أ ن أبلغ رسالة ربي " . هذا و عمه أبو لهب ـ لعنه الله ـ وراءه يقول الناس : لا تسمعوا منه فإنه كذاب . فكان أحياء العرب يتحامونه لما يسمعون من قريش عنه : إنه كذاب ، إنه ساحر ، إنه كاهن ، إنه شاعر ، أكاذيب يقذفونه بها من تلقاء أنفسهم ، فيصغي إليهم من لا تمييز له من الأحياء . وأما الألباء إذا سمعوا كلامه و تفهموه شهدوا بأن ما يقوله حق و أنهم مفترون عليه ، فيسلمون .

 فصل ـ حديث سويد بن الصامت و إسلام إياس بن معاذ

و كان مما صنع الله لأنصاره من الأوس و الخزرج أنهم كانوا يسمعون من حلفائهم من يهود المدينة أن نبياً مبعوث في هذا الزمن ، و يتوعدونهم به إذا حاربوهم ، و يقولون : إنا سنقتلكم معه قتل عاد وإرم ، و كان الأنصار يحجون البيت ، ( كما كانت العرب تحجه ( و أما اليهود فلا . فلما رأى الأنصار رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعوالناس إلى الله تعالى ، و رأوا أمارات الصدق عليه قالوا : و الله هذا الذي توعدكم يهود به فلا يسبقنكم إليه .

و كان سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف بن الأوس قد قدم مكة فدعاه رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يبعد ولم يجب ثم انصرف إلى المدينة ، فقتل في بعض حروبهم ، و كان سويد هذا ابن خالة عبد المطلب . ثم قدم مكة أبو الحيسر أنس بن رافع في فتية من قومه من بني عبد الأشهل ، يطلبون الحلف ، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الإسلام ، فقال إياس بن معاذ منهم ـ و كان شاباً حدثاً ـ : يا قوم ، هذا و الله خير مما جئنا له ، فضربه أبو الحيسر و انتهره ، فسكت ، ثم لم يتم لهم الحلف ، فانصرفوا إلى بلادهم إلى المدينة ، فيقال إن إياس بن معاذ مات مسلماً.   

 

 فصل ـ بيعة العقبة الأولى و الثانية

ثم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم لقي عند العقبة في الموسم نفراً من الأنصار ، كلهم من الخزرج ، و هم : أبو أمامة أسعد بن زرارة بن عدس ، و عوف بن الحارث بن رفاعة ، و هو ابن عفراء و رافع بن مالك بن العجلان ، و قطبة بن عامر بن حديدة ، و عقبة بن عامر بن نابي ، و جابر بن عبد الله بن رئاب ، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الإسلام ، فأسلموا مبادرة إلى الخير ، ثم رجعوا إلى المدينة فدعوا إلى الإسلام ،ففشا الإسلام فيها ، حتى لم تبق دار إلا و قد دخلها الإسلام .

فلما كان العام المقبل ، جاء منهم اثنا عشر رجلاً : الستة الأوائل خلا جابر بن عبد الله بن رئاب ، و معهم :معاذ بن الحارث بن رفاعة ، أخو عوف المتقدم ، و ذكوان بن عبد قيس بن خلدة ـ و قد أقام ذكوان هذا بمكة حتى هاجر إلى المدينة فيقال : إنه مهاجري أنصاري ـ و عبادة بن صامت بن قيس ، و أبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة ، فهؤلاء عشرة من الخزرج . و اثنان من الأوس و هما : أبو الهيثم مالك بن التيهان . و عويم بن ساعدة . فبايعوا رسول الله صلى الله عليه و سلم كبيعة النساء . ولم يكن أمر بالقتال بعد .

فلما انصرفوا إلى المدينة ، بعث معهم رسول الله صلى الله عليه و سلم عمرو بن أم مكتوم ، و مصعب بن عمير ، يعلمان من أسلم منهم القرآن ، و يدعوان إلى الله عز و جل ، فنزلا على أبي أمامة أسعد بن زرارة ، و كان مصعب  بن عمير يؤمهم و قد جمع بهم يوماً بالأربعين نفساً ، فأسلم على يديهما ( بشر كثير منهم : ( أسيد بن حضير ، و سعد بن معاذ ، و أسلم بإسلامهما يومئذ جميع بني عبد الأشهل ، الرجال و النساء ، إلا الأصيرم ، وهو عمرو بن ثابت بن وقش ، فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد ، فأسلم يومئذ ، وقاتل فقتل قبل أن يسجد لله سجدة . فأخبر عنه النبي صلى الله عليه و سلم فقال : " عمل قليلاً و أجر كثيراً " .

و كثر الإسلام بالمدينة و ظهر ، ثم رجع مصعب إلى مكة ، ووافى الموسم ذلك العام خلق كثير من الأنصار من المسلمين و المشركين ، و زعيم القوم البراء بن معرور رضي الله عنه .

فلما كانت ليلة العقبة ـ الثلث الأول منها ـ تسلل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاثة و سبعون رجلاً و امرأتان ، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه و سلم خفية من قومهم و من كفار مكة ، على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم و أبناءهم ( و أزرهم ( . و كان أول من بايعه ليلتئذ البراء بن معرور ، و كانت له اليد البيضاء ، إذ أكد العقد و بادر إليه .  وحضر العباس عم رسول الله صلى الله عليه و سلم موثقاً مؤكداً للبيعة مع أنه كان بعد على دين قومه . و اختار رسول الله صلى الله عليه و سلم منهم تلك الليلة اثني عشر نقيباً وهم : أسعد بن زرارة بن عدس و سعد بن ربيع بن عمرو ، و عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس ، و رافع بن مالك  بن العجلان ، و البراء بن معرور بن صخر بن خنساء ، و عبد الله بن عمرو بن حرام ، وهو والد جابر ، و كان قد أسلم تلك الليلة رضي الله عنه ، و سعد بن عبادة بن دليم ، و المنذر بن عمرو بن خنيس ، و عبادة بن الصامت . فهؤلاء تسعة من الخزرج . و من الأوس ثلاثة و هم : أسيد بن الحضير بن سماك ، و سعد بن خيثمة بن الحارث ، و رفاعة بن عبد المنذر بن زبير ، و قيل : بل أبو الهيثم بن التيهان مكانه . ثم الناس بعدهم .

و المرأتان هما : أم عمارة نسيبة بنت كعب بن عمرو ، التي قتل مسيلمة ابنها حبيب بن زيد بن عاصم بن كعب . و أسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي . فلما تمت هذه البيعة استأذنوا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يميلوا على أهل العقبة فلم يأذن لهم في ذلك ، بل أذن للمسلمين بعدها من أهل مكة في الهجرة إلى المدينة ، فبادر الناس إلى ذلك ، فكان أول من خرج إلى المدينة من أهل مكة أبو سلمة بن عبد الأسد ، هو و امرأته أم سلمة فاحتبست دونه و منعت سنة من اللحاق به ، و حيل بينها وبين ولدها ، ثم خرجت بعد السنة بولدها إلى المدينة ، و شيعها عثمان بن طلحة ، و يقال : إن أبا سلمة هاجر قبل العقبة الأخيرة ، فالله أعلم . ثم خرج الناس أرسالاً يتبع بعضهم بعضاً . 

 

 

 فصل ـ هجرة رسول الله صلى الله عليه و سلم

و لم يبق ( بمكة ( من المسلمين إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم و أبو بكر و علي رضي الله تعالى عنهما أقاما بأمره لهما ، و خلا من اعتقله المشركون كرهاً ، و قد أعد أبو بكر رضي الله  عنه جهازه و جهاز رسول الله صلى الله عليه و سلم ، منتظراً حتى يأذن الله عز و جل لرسوله صلى الله عليه و سلم في الخروج . فلما كانت ليلة هم المشركون بالفتك برسول الله صلى الله عليه و سلم ، و أرصدوا على الباب أقواماً ، إذا خرج عليهم قتلوه ، فلما خرج عليهم لم يره منهم أحد ، وقد جاء في حديث أنه ذر على رأس كل واحد من هم تراباً ثم خلص إلى بيت أبي بكر رضي الله عنه ، فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلاً ، و قد استأجرا عبد الله بن أريقط ، و كان هادياً خريتاً ، ماهراً بالدلالة إلى أرض المدينة ، و أمناه على ذلك مع أنه كان على دين قومه ، و سلما  إليه راحلتيهما ، و واعداه غار ثور بعد ثلاث ، فلما حصلا في الغار عمى الله على قريش خبرهما ، فلم يدروا أين ذهبا . و كان عامر بن فهيرة ، يريح عليهما غنماً لأبي بكر ، وكانت أسماء بنت أبي بكر تحمل لهما الزاد إلى الغار ، و كان عبد الله بن أبي بكر يتسمع ما يقال بمكة ثم يذهب إليهما بذلك فيحترزان منه . و جاء المشركون في طلبهما إلى ثور ، وما هناك من الأماكن ، حتى إنهم مروا على باب الغار ، و حازت أقدامهم رسول الله صلى الله عليه و سلم و صاحبه ، و عمى الله عليهم باب الغار ، و يقال ـ و الله أعلم ـ إن العنكبوت سدت على باب الغار ، و إن حمامتين عششتا على بابه ، و ذلك تأويل قوله تعالى " إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم " و ذلك أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لشدة حرصه بكى حين مر المشركون ، و قال : يا رسول الله ، لو أن أحدهم نظر موضع قدميه لرآنا ، فقال له النبي صلى الله عليه و سلم : " يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ " . و لما كان بعد الثلاث أتى ابن أريقط بالراحلتين فركباهما ، و أردف أبو بكر عامر بن فهيرة و سار الديلي أمامهما على راحلته .

و جعلت قريش لمن جاء بواحد من محمد صلى الله عليه و سلم و أبي بكر رضي الله عنه مائةً من الإبل ، فلما مروا بحي مدلج ، بصر بهم سراقة بن مالك بن جعشم ، سيد مدلج ، فركب جواده و سار في طلبهم ، فلما قرب منهم سمع قراءة النبي صلى الله عليه و سلم ، و أبو بكر رضي الله عنه يكثر الالتفات حذراً على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وهو صلى الله عليه و سلم لا يلتفت ، فقال أبو بكر :يا رسول الله هذا سراقة بن مالك قد رهقنا .

 فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم فساخت يدا فرسه في الأرض فقال : رميت ، إن الذي أصابني بدعائكما ، فادعوا الله لي ، و لكما علي أن أرد الناس عنكما ، فدعا له رسول الله صلى الله عليه و سلم فأطلق ، و سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يكتب له كتاباً ، فكتب له أبو بكر في أدم ، و رجع يقول للناس : قد كفيتم ما ههنا . و قد جاء مسلماً عام حجة الوداع و دفع إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم الكتاب الذي كتبه له ، فوفى له رسول الله صلى الله عليه و سلم بما وعده و هو لذلك أهل .

 و مر رسول الله صلى الله عليه و سلم في مسيره ذلك بخيمة أم معبد فقال عندها ، و رأت من آيات نبوته في الشاة و حلبها لبناً كثيراً في سنة مجدبة ما بهر العقول ، صلى الله عليه و سلم . 

 

 فصل ـ دخول عليه الصلاة و السلام المدينة

و قد كان بلغ الأنصار مخرجه من مكة و قصده إياهم ، فكانوا كل يوم يخرجون إلى الحرة ينتظرونه ، فلما كان يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول على رأس ثلاث عشرة سنة من نبوته صلى الله عليه و سلم وافاهم رسول الله صلى الله عليه و سلم حين اشتد الضحى ، و كان قد خرج الأنصار يومئذ ، فلما طال عليهم رجعوا إلى بيوتهم ، و كان أول من بصر به رجل من اليهود ـ و كان على سطح أطمه ـ فنادى بأعلى صوته : يا بني قيلة هذا جدكم الذي تنتظرون ! فخرج الأنصار في سلاحهم و حيوه بتحية النبوة.

و نزل رسول الله صلى الله عليه و سلم بقباء على كلثوم بن الهدم ، و قيل : بل على سعد بن خيثمة ، و جاء المسلمون يسلمون على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و أكثرهم لم يره بعد ، و كان بعضهم أو أكثرهم يظنه أبا بكر لكثرة شيبه ، فلما اشتد الحر قام أبو بكر بثوب يظلل على رسول الله صلى الله عليه و سلم فتحقق الناس حينئذ رسول الله عليه الصلاة و السلام .

 

 فصل ـ استقراره عليه الصلاة و السلام بالمدينة

فأقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بقباء أياماً ، و قيل : أربعة عشر يوماً ، و أسس مسجد قباء ثم ركب بأمر الله تعالى فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي رانوناً ، و رغب إليه أهل تلك الدار أن ينزل عليهم فقال : " دعوها فإنها مأمورة " فلم تزل ناقته سائرة به لا تمر بدار من دور الأنصار إلا رغبوا إليه في النزول عليهم ، فيقول : " دعوها فإنها مأمورة " . فلما جاءت موضع مسجده اليوم بركت ، و لم ينزل عنها صلى الله عليه و سلم حتى نهضت و سارت قليلاً ثم التفتت و رجعت فبركت في موضعها الأول ، فنزل عنها صلى الله عليه و سلم ، و ذلك في دار بني النجار ، فحمل أبو أيوب رضي الله عنه رحل رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى منزله .

و اشترى رسول الله صلى الله عليه و سلم موضع المسجد ، و كان مربداً ليتيمين ، و بناه مسجداً ، فهو مسجده الآن ، و بني لآل رسول الله صلى الله عليه و سلم حجراً إلى جانبه .

و أما علي رضي الله عنه فأقام بمكة ريثما أدى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم الودائع التي كانت عنده و غير ذلك ، ثم لحق برسول الله صلى الله عليه و سلم .

 

 فصل ـ المواخاة بين المهاجرين و الأنصار

و وداع  رسول الله صلى الله عليه و سلم من بالمدينة من اليهود ، و كتب بذلك كتاباً و أسلم حبرهم عبد الله بن سلام رضي الله عنه ، و كفر عامتهم و كانوا ثلاث قبائل : بنو قيقناع ، وبنو النصر ، و بنو قريظة .

وآخى رسول الله صلى الله عليه و سلم بين المهاجرين و الأنصار ، فكانوا يتوارثون بهذا الإخاء في ابتداء الإسلام إرثاً مقدماً على القرابة .

 و فرض الله سبحانه و تعالى إذ ذاك الزكاة رفقاً بفقراء المهاجرين ، و كذا ذكر  ابن حزم  في هذا التاريخ ، و قد قال بعض الحفاظ من علماء الحديث : إنه أعياه فرض الزكاة متى كان .   

 

 فصل ـ فرض الجهاد

و لما استقر رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة بين أظهر الأنصار و تكفلوا بنصره و منعه من الأسود و   الأحمر ، رمتهم العرب قاطبة عن قوس واحدة ، و تعرضوا لهم من كل جانب ، و كان الله سبحانه قد أذن للمسلمين في الجهاد في سورة الحج و هي مكية في قوله تعالى : " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير " ، ثم لما صاروا في المدينة و صارت لهم شوكة و عضد كتب الله عليهم الجهاد كما قال الله تعالى في سورة البقرة : " كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ".

 

 فصل ـ أول المغازي و البعوث ـ غزوة الأبواء

و كانت أول غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه و سلم غزوة الأبواء ، و كانت في صفر سنة اثنتين من الهجرة ، خرج بنفسه صلى الله عليه و سلم حتى بلغ ودان ، فوادع بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة مع سيدهم مخشي بن عمرو ، ثم كر راجعاً إلى المدينة و لم يلق حرباً ، و كان استخلف عليها سعد بن عبادة رضي الله عنه .

 

 بعث حمزة بن عبد المطلب

ثم بعث عمه حمزة رضي الله عنه في ثلاثين راكباً من المهاجرين ليس فيهم أنصاري إلى سيف البحر فالتقى بأبي جهل بن هشام ، و ركب معه زهاء ثلاثمائة ، فحال بينهم مجدي بن عمرو الجهني ، لأنه كان موادعاً للفريقين .

 

 بعث عبيدة بن الحارث بن المطلب

و بعث عبيدة بن الحارث بن المطلب في ربيع الآخر في ستين أو ثمانين راكباً من المهاجرين أيضاً إلى ماء بالحجاز بأسفل ثنية المرة ، فلقوا جمعاً عظيماً من قريش عليهم عكرمة بن أبي جهل ، و قيل : بل كان عليهم مكرز بن حفص ، فلم يكن بينهم قتال ، إلا أن سعد بن أبي وقاص رشق المشركين يومئذ بسهم ، فكان أول سهم رمي به في سبيل الله ، و فر يومئذ من الكفار إلى المسلمين المقداد بن عمرو الكندي ، و عتبة بن غزوان رضي الله عنهما .

فكان هذان البعثان أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و لكن اختلف في أيهما كان أول ، و قيل : إنهما  كانا في السنة الأولى من الهجرة . و هو قول  ابن جرير الطبري  ، و الله تعالى أعلم .

 

 فصل ـ غزوة بواط

ثم غزا رسول الله صلى الله عليه و سلم غزوة بواط ، فخرج بنفسه صلى الله عليه و سلم  في ربيع الآخر من السنة الثانية ، و استعمل على االمدينة السائب بن عثمان بن مظعون فسار حتى بلغ بواط من ناحية رضوى ، ثم رجع ولم يلق حرباً

 

 غزوة العشيرة

ثم كانت بعدها غزوة العشيرة ، ويقال بالسين المهملة ، و يقال العشيراء . خرج بنفسه صلى الله عليه و سلم في أثناء جماد الأولى حتى بلغها ، و هي مكان ببطن ينبع و أقام هناك بقية الشهر و ليالي من جمادى الآخرة [ و صالح بني مدلج ] ، ثم رجع و لم يلق كيدا ، و قد كان استخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد . وفي  صحيح مسلم  من حديث أبي إسحاق السبيعي قال : قلت لزيد بن أرقم : كم غزا رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قال : [ تسع عشرة غزوة أولها العشيرة أو العشيراء ] .

 

 

 غزوة بدر الأولى

ثم خرج بعدها بنحو من عشرة أيام إلى بدر الأولى ، و ذلك أن كرز بن جابر الفهري ، أغار على سرح المدينة ، فطلبه فبلغ وادياً يقال له سفوان في ناحية بدر ، ففاته كرز ، ( فرجع ( و قد كان استخلف على المدينة زيد بن حارثة رضي الله عنه .

و بعث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في طلب كرز بن جابر فيما قيل  و الله أعلم . و قيل : بل بعثه لغير ذلك .

 

 فصل ـ بعث عبد الله بن جحش

ثم بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم عبد الله جحش بن رئاب الأسدي و ثمانية من المهاجرين ، و كتب له كتاباً و أمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ، ثم ينظر فيه ،و لا يكره أحداً من أصحابه ، ففعل ، ولما فتح الكتاب وجد فيه : ( إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل ( نخلة ( بين مكة و الطائف ، و ترصد بها قريشاً ، و تعلم لنا من أخبارهم ( ، فقال: سمعاً و طاعة ، و أخبر أصحابه بذلك ، و بأنه لا يستكرهم ، فمن أحب الشهادة فلينهض ، و من كره الموت فليرجع ، و أما أنا فناهض ، فنهضوا كلهم .

فلما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص و عتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه ، و تقدم عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة ، فمرت به عير لقريش تحمل زبيباً و أدماً و تجارة ، فيها عمرو بن الحضرمي و عثمان و نوفل ابنا عبد الله بن المغيرة ، و الحكم بن كيسان مولى بني المغيرة فتشاور المسلمون و قالوا : نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام ، فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام ، وإن تر كناهم الليلة دخلوا الحرم ، ثم اتفقوا على ملاقاتهم فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله ، وأسروا عثمان و الحكم ، و أفلت نوفل .

ثم قدموا بالعير و الأسيرين قد عزلوا من ذلك الخمس ، فكانت أول غنيمة في الإسلام وأول خمس في الإسلام ،  و أول قتيل في الإسلام و أول أسير في الإسلام ، إلا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنكر عليهم ما فعلوه ، و قد كانوا رضي الله عنهم مجتهدين فيما صنعوا . و اشتد تعنت قريش و إنكارهم ذلك ، و قالوا : محمد قد أحل الشهر الحرام ، فأنزل الله عز وجل في ذلك " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله " يقول سبحانه : هذا الذي وقع وإن كان خطأ، لأن القتال في الشهر الحرام كبير عند الله ، إلا أن ما أنتم عليه أيها المشركون من الصد عن سبيل الله و الكفر به و بالمسجد الحرام ، و إخراج محمد و أصحابه الذين هم أهل المسجد الحرام في الحقيقة أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام . ثم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل الخمس من تلك الغنيمة ، و أخذ الفداء من ذينك الأسيرين .

 

 فصل ـ تحويل القبلة و فرض الصوم

و في شعبان من هذه السنة حولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ، و ذلك على رأس ستة عشر شهراً من مقدمه المدينة ، و قيل سبعة عشر شهراً ، و هما في  الصحيحين  . و كان أول من صلى إليها أبو سعيد بن المعلى و صاحب له كما رواه  النسائي  : و ذلك أنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه و سلم يخطب الناس و يتلو عليهم تحويل القبلة ، فقلت لصاحبي : تعال نصلي ركعتين فنكون أول من صلى إليها ، فتوارينا و صلينا إليها ، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه و سلم فصلى بالناس الظهر يومئذ . و فرض صوم رمضان ، و فرضت لأجله زكاة الفطر قبيله بيوم .

 

 

 فصل ـ غزوة بدر الكبرى

نذكر فيه ملخص وقعة بدر الثانية ، و هي الوقعة العظيمة التي فرق الله فيها بين الحق و الباطل و أعز الإسلام ، و دمغ الكفر و أهله ، و ذلك أنه لما كان في رمضان من هذه السنة الثانية بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم أن عيراً  مقبلة من الشام صحبة أبي سفيان ، صخر بن حرب ، في ثلاثين أو أربعين رجلاً من قريش و هي عير عظيمة ، تحمل أموالاً جزيلة لقريش ، فندب صلى الله عليه و سلم الناس للخروج إليها ، و أمر من كان ظهره حاضراً بالنهوض ، و لم يحتفل لها احتفالاً كثيراً ، إلا أنه خرج في ثلاثمائة و بضعة عشر رجلاً ، لثمان خلون من رمضان ، و استخلف على المدينة و على الصلاة ابن أم مكتوم ، فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن عبد المنذر و استعمله على المدينة . و لم يكن معه من الخيل سوى فرس الزبير ، و فرس المقداد بن الأسود الكندي ، و من الإبل سبعون بعيراً يعتقب الرجلان و الثلاثة فأكثر على البعير الواحد ، فرسول الله صلى الله عليه و سلم وعلي و مرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيراً ، و زيد بن حارثة و أنسة و أبو كبشة موالي رسول الله صلى الله عليه و سلم و حمزة يعتقبون جملاً ، و أبو بكر و عمر و عبد الرحمن بن عوف على جمل آخر .. و هلم جرا .

و دفع صلى الله عليه و سلم  اللواء إلى مصعب بن عمير ، و الراية الواحدة إلى علي بن أبي طالب ، و الراية الأخرى إلى رجل من الأنصار ، و كانت راية الأنصار بيد سعد بن معاذ ، و جعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة . و سار صلى الله عليه و سلم فلما قرب من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهني ، و هو حليف بني ساعدة ، و عدي بن أبي الزغباء الجهني حليف بني النجار إلى بدر يتحسسان أخبار العير .

و أما أبو سفيان فإنه بلغه مخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم و قصده إياه ، فاستأجر ضمضم ابن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخاً لقريش بالنفير إلى عيرهم ليمنعوه من محمد و أصحابه .

و بلغ الصريخ أهل مكة ، فنهضوا مسرعين و أوعبوا في الخروج ، ولم يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب ، فإنه عوض عنه رجلاً كان له عليه دين ، و حشدوا ممن حولهم من قبائل العرب ، و لم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدي ، فلم يخرج معهم منهم أحد .

 و خرجوا من ديارهم كما قال الله عز و جل : " بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله " و أقبلوا في تحمل و حنق عظيم على رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه لما يريدون من أخذ عيرهم ، و قد أصابوا بالأمس عمرو بن الحضرمي و العير التي كانت معه .

 فجمعهم الله على غير ميعاد لما أراد في ذلك من الحكمة كما قال تعالى " ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا " .

و لما بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم خروج قريش استشار أصحابه ، فتكلم كثير من المهاجرين فأحسنوا ، ثم استشارهم وهو يريد بما يقول الأنصار ، فبادر سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه فقال : يا رسول الله ! كأنك تعرض بنا ، فو الله يا رسول الله ، لو استعرضت بنا البحر لخضناه معك ، فسر بنا يا رسول الله على بركة الله . فسر صلى الله عليه و سلم بذلك و قال : " سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين  " .

ثم رحل رسول الله صلى الله عليه و سلم و نزل قريباً من بدر ، و ركب صلى الله عليه و سلم مع رجل من أصحابه مستخبراً ثم انصرف ، فلما أمسى بعث علياً و سعداً و الزبير إلى ماء بدر يلتمسون الخبر ، فقدموا بعبدين لقريش ، و رسول الله صلى الله عليه و سلم قائم يصلي ، فسألهما أصحابه لمن أنتما . ؟ فقالا :نحن سقاة لقريش . فكره ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وودوا أن لو كانا لعير أبي سفيان و أنه منهم قريب ليفوزوا به ، لأنه أخف مؤونة من قتال النفير من قريش لشدة بأسهم و استعدادهم لذلك ، فجعلوا يضربونهما ، فإذا آذاهما الضرب قالا : نحن لأبي سفيان . فإذا سكتوا عنهما قالا : نحن لقريش . " فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم من صلاته قال : والذي نفسي بيده إنكم لتضربونهما إذا صدقا و تتركونهما إذا كذبا . ثم قال لهما : أخبراني أين قريش ؟ قالا : وراء هذا الكثيب . قال : كم القوم ؟ قالا : لا علم لنا . فقال : كم ينحرون كل يوم ؟ فقالا : يوماً عشراً ويوماً تسعاً : فقال صلى الله عليه و سلم : القوم ما بين التسعمائة إلى الألف "

و أما بسبس بن عمرو و عدي بن أبي الزغباء فإنهما وردا ماء بدر فسمعا جارية تقول لصاحبتها : ألا تقضيني ديني ؟ فقالت الأخرى : إنما تقدم العير غداً أو بعد غد فأعمل لهم و أقضيك . فصدقها مجدي بن عمرو . فانطلقا مقبلين لما سمعا ، و يعقبهما أبو سفيان ، فقال لمجدي بن عمرو : هل أحسست أحداً من أصحاب محمد ؟ فقال : لا إلا أن راكبين نزلا عند تلك الأكمة . فانطلق أبو سفيان إلى مكانهما و أخذ من بعر بعيرهما ففته فوجد فيه النوى فقال : و الله هذه علائف يثرب ، فعدل بالعير إلى طريق الساحل ، فنجا ، و بعث إلى قريش يعلمهم أنه قد نجا هو و العير و يأمرهم أن يرجعوا .

و بلغ ذلك قريشاً ، فأبى أبو جهل و قال : و الله لا نرجع حتى نرد ماء بدر ، ونقيم عليه ثلاثاً ، ونشرب الخمر ، و تضرب على رؤوسنا القيان ، فتهابنا العرب أبداً ، فرجع الأخنس بن شريق بقومه بني زهرة قاطبة ، و قال : إنما خرجتم لتمنعوا عيركم و قد نجت ، و لم يشهد بدراً زهري إلا عما مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله : والد الزهري ، فإنهما شهداها يومئذ و قتلا كافرين .

فبادر رسول الله صلى الله عليه و سلم قريشاً إلى ماء بدر ، و نزل على أدنى ماء هناك ، فقال له الحباب بن المنذر بن عمرو : يا رسول الله ، هذا المنزل الذي نزلته أمرك الله به ؟ أو منزل نزلته للحرب و المكيدة ؟ قال : " بل منزل نزلته للحرب و المكيدة " . فقال : ليس هذا بمنزل ، فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من مياه القوم فننزله ، و نعور ما ورائنا من القلب ، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ، فنشرب و لا يشربون . فاستحسن رسول الله صلى الله عليه و سلم منه ذلك ، وحال الله بين قريش و بين الماء بمطر عظيم أرسله ، و كان نقمة على الكفار و نعمة على المسلمين ، مهد لهم الأرض و لبدها ، و بني لرسول الله صلى الله عليه و سلم عريش يكون فيه .

و مشى صلى الله عليه و سلم في موضع المعركة ، و جعل يريهم مصارع رؤوس القوم واحداً واحداً ، ويقول : " هذا مصرع فلان غداً إن شاء الله ، و هذا مصرع فلان ، و هذا مصرع فلان " . قال عبد الله بن مسعود : فو الذي بعثه بالحق ما أخطأ واحد منهم موضعه الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم .

و بات رسول الله صلى الله عليه و سلم تلك الليلة يصلي إلى جذم شجرة هناك ، وكانت ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان ، فلما أصبح و أقبلت قريش في كتائها ، قال صلى الله عليه و سلم : " اللهم هذه قريش قد أقبلت في فخرها و خيلائها ، تحادك و تحاد رسولك " . و رام الحكيم بن حزام و عتبة بن ربيعة أن يرجعا بقريش فلا يكون قتال ، فأبى ذلك أبو جهل ، و تقاول هو و عتبة ، و أمر أبو جهل أخا عمرو بن الحضرمي أن يطلب دم أخيه عمرو ، فكشف عن أسته و صرخ : واعمراه ! واعمراه ! فحمي القوم و نشبت الحرب . 

و عدل رسول الله صلى الله عليه و سلم الصفوف ، ثم رجع إلى العريش هو و أبو بكر وحده ، و قام سعد بن معاذ و قوم من الأنصار على باب العريش يحمون رسول الله صلى الله عليه و سلم و خرج عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، و الوليد بن عتبة ، ثلاثتهم جميعاً يطلبون البراز ، فخرج إليهم من المسلمين ثلاثة من الأنصار ، وهم : عوف و معوذ ابنا عفراء ، و عبد الله بن رواحة ،  فقالوا لهم : من أنتم ؟ فقالوا : من الأنصار ، فقالوا : أكفاء كرام و إنما نريد بني عمنا ، فبرز لهم علي و عبيدة بن الحارث و حمزة رضي الله عنهم ، فقتل علي الوليد ، و قتل حمزة عتبة ، و قيل : شيبة ، و اختلف عبيدة و قرنه بضر بتين ، فأجهد كل منهما صاحبه ، فكر حمزة و علي فتمما عليه و احتملا عبيدة و قد قطعت رجله ، فلم يزل طمثاً حتى مات بالصفراء رحمه الله تعالى و رضي عنه . و في الصحيح أن علياً رضي الله عنه كان يتأول قوله تعالى " هذان خصمان اختصموا في ربهم " في برازهم يوم بدر ، و لا شك أن هذه الآية في سورة الحج ، و هي مكية ، و وقعة بدر بعد ذلك ، إلا أن برازهم من أول ما دخل في معنى الآية .

ثم حمي الوطيس ، و اشتد القتال ، و نزل النصر ، و اجتهد رسول الله صلى الله عليه و سلم في الدعاء ، و ابتهل ابتهالاً شديداً ، حتى جعل رداؤه يسقط عن منكبيه ، و جعل أبو بكر يصلحه عليه  و يقول : يا رسول الله ، بعض مناشدتك ربك ، فإنه منجز لك ما وعدك . و رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض " فذلك قوله تعالى " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين " ثم أغفى رسول الله صلى الله عليه و سلم إغفاءةً ، ثم رفع رأسه و هو يقول : " أبشر يا أبا بكر ، هذا جبريل على ثناياه النقع " .

و كان الشيطان قد تبدى لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم زعيم مدلج ، فأجارهم ، و زين لهم الذهاب إلى ما هم فيه ، و ذلك أنهم خشوا بني مدلج أن يخلفوهم في أهاليهم و أموالهم ، فذلك قوله تعالى : " وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون " و ذلك أنه رأى الملائكة حين نزلت للقتال ، و رأى ما لا قبل له به ، ففر و قاتلت الملائكة كما أمرها الله ، وكان الرجل من المسلمين يطلب قرنه ، فإذا به قد سقط أمامه . و منح الله المسلمين أكتاف المشركين ، فكان أول من فر منهم خالد بن الأعلم فأدرك فأسر ، و تبعهم المسلمون في آثارهم ، يقتلون و يأسرون ، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين ، و أخذوا غنائمهم . فكان من جملة من قتل من المشركين ممن سمى رسول الله صلى الله عليه و سلم موضعه بالأمس : أبو جهل ، و هو أبو الحكم عمرو بن هشام لعنه الله ، قتله معاذ بن عمرو بن الجموح ، و معوذ بن عفراء ، و تمم عليه عبد الله مسعود ، فاحتز رأسه و أتى به رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فسر بذلك . و عتبة و شيبة ابنا ربيعة و الوليد بن عتبة ، و أمية بن خلف ، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فسحبوا إلى القليب ، ثم وقف عليهم ليلاً ، فبكتهم و قرعهم ، و قال : " بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم ، كذبتموني و صدقني الناس ، و خذلتموني و نصرني الناس ـ و أخرجتموني و آواني الناس " . ثم أقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بالعرصة ثلاثاً .

ثم ارتحل بالأسارى و المغانم ، و قد جعل عليها عبد الله بن كعب بن عمرو النجاري . و أنزل الله في غزوة بدر سورة الأنفال ، فلما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم بالصفراء قسم المغانم كما أمره الله تعالى ، وأمر بالنضر بن الحارث فضربت عنقه صبراً ، و ذلك لكثرة فساده و أذاه رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فرثته أخته ، و قيل ابنته قتيلة بقصيدة مشهورة ذكرها  ابن هشام  ، فلما بلغت رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فيما زعموا : " لو سمعتها قبل أن أقتله لم أقتله " . و لما نزل عرق الظبية أمر بعقبة بن أبي معيط فضربت عنقه أيضاً صبراً . ثم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم استشار أصحابه في الأسارى : ماذا يصنع بهم ؟ فأشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأن يقتلوا ، وأشار أبو بكر رضي الله عنه بالفداء ، و هوي رسول الله صلى الله عليه و سلم ما قال أبو بكر ، فحلل لهم ذلك وعاتب الله في ذلك بعض المعاتبة في قوله تعالى : " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * " الآيات .  وقد روى  مسلم  في  صحيحه  "عن ابن عباس رضي الله عنهما حديثاً طويلاً فيه بيان هذا كله ، فجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم فداءهم أربعمائة أربعمائة " .

و رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة [ مؤيداً ] مظفراً منصوراً ، قد أعلى الله كلمته ، و مكن له ، و أعز نصره ، فأسلم حينئذ بشر كثير من أهل المدينة ، و من ثم دخل عبد الله بن أبي بن سلول و جماعته من المنافقين في الدين تقية .

 فصل ـ عدة أهل بدر

و جملة من حضر بدراً من المسلمين ثلاثمائة و بضعة عشر رجلاً : من المهاجرين ستة و ثمانون رجلا ، و من الأوس أحد و ستون رجلاً و من الخزرج مائة وسبعون رجلاً .

و إنما قل عدد رجال الأوس عن عدد الخزرج و إن كانوا أشد منهم و أصبر عند اللقاء ، لأن منازلهم كانت في عوالي المدينة فلما ندبوا للخروج تيسر ذلك على الخزرج لقرب منازلهم .

و قد اختلف أئمة المغازي و السير في أهل بدر : في عدتهم ، و في تسمية بعضهم ، اختلافاً كثيراً ، و قد ذكرهم  الزهري  ، و  موسى بن عقبة  ، و  محمد بن إسحق بن يسار  ، و  محمد بن عمر الواقدي  ، و  سعيد بن يحيى الأموي  في  مغازيه  ، و  البخاري  ، و غير واحد من المتقدمين ، وقد سردهم ـ كما ذكرتهم ـ  ابن حزم  في كتاب السيرة له ، و زعم أن ثمانية منهم لم يشهدوا بدراً بأنفسهم وإنما ضرب لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بأسهمهم ، فذكر منهم : عثمان و طلحة و سعيد بن زيد . و من أجل من اعتنى بذلك من المتأخرين  الشيخ الإمام الحافظ ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي  رحمه الله تعالى ، فأفرد لهم جزءاً و ضمنه في أحكامه أيضاً .

و أما المشركون فكانت عدتهم كما قال صلى الله عليه و سلم ما بين التسعمائة إلى الألف .

و قتل من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلاً : ستة من المهاجرين ، وستة من الخزرج ، و اثنان من الأوس . و كان أول قتيل يومئذ مهجع مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، و قيل رجل من الأنصار اسمه حارثة بن سراقة .

و قتل من المشركين سبعون ، و قيل : أقل ، و أسر منهم مثل ذلك أيضاً .

و فرغ رسول الله صلى الله عليه و سلم من شأن بدر و الأسرى في شوال .   

 

 فصل ــ غزوة بني سليم

ثم نهض بنفسه الكريمة صلى الله عليه و سلم بعد فراغه بسبعة أيام لغزو بني سليم ، فمكث ثلاثاً ثم رجع و لم يلق حرباً ، و قد كان استعمل على المدينة سباع بن عرفطة و قيل ابن أم مكتوم .

 

 فصل ـ غزوة السويق

ولما رجع أبو سفيان إلى مكة و أوقع الله في أصحابه ببدر بأسه ، نذر أبو سفيان ألا يمس رأسه بماء حتى يغزو رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فخرج في مائتي راكب ، فنزل طرف العريض و بات ليلة واحدة في بني النضير عند سلام بن مشكم ، فسقاه و بطن له من خبر الناس ، ثم أصبح في أصحابه ، و أمر فقطع أصواراً من النخل ، و قتل رجلاً من الأنصار و حليفاً له ثم كر راجعاً .

و نذر به رسول الله صلى الله عليه و سلم فخرج في طلبه و المسلمون فبلغ قرقرة الكدر ، و فاته أبو سفيان و المشركون ، و ألقوا شيئاً كثيراً من أزوادهم ،   من السويق ، فسميت غزوة السويق ، و كانت في ذي الحجة من السنة الثانية للهجرة ، ثم رجع صلى الله عليه و سلم إلى المدينة ، و قد كان استخلف عليها أبا لبابة .

 

 فصل ـ غزوة ذي أمر

ثم أقام صلى الله عليه و سلم بقية ذي الحجة ثم غزا نجداً يريد غطفان ، و استعمل على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فأقام بنجد صفراً من السنة الثانية كله ، ثم رجع و لم يلق حرباً

 

 فصل ـ غزوة بحران

ثم خرج صلى الله عليه و سلم في ربيع الأول الآخر يريد قريشاً ، و استخلف ابن أم مكتوم فبلغ بحران معدناً في الحجاز ، ثم رجع ولم يلق حرباً .  

 

 فصل ـ غزوة بني قينقاع

و نقض بنو قينقاع ـ أحد طوائف اليهود بالمدينة ـ العهد و كانوا تجاراً و صاغة ، و كانوا نحو السبعمائة مقاتل ، فخرج النبي صلى الله عليه و سلم لحصارهم ، واستخلف على المدينة بشير بن عبد المنذر ، فحاصرهم صلى الله عليه و سلم خمس عشرة ليلة ، و نزلوا على حكمه صلى الله عليه و سلم ، فشفع فيهم عبد الله بن أبي بن سلول ، لأنهم كانوا حلفاء الخزرج ، و هو سيد الخزرج ، فشفعه فيهم بعد ما ألح على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و كانوا في طرف المدينة .

 

 فصل ـ قتل كعب بن الأشرف

و أما كعب بن الأشرف اليهودي ، فإنه كان رجلاً من طيء ، و كانت أمه من بني النضير ، و كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه و سلم و المؤمنين ، و يشبب في أشعاره بنساء المؤمنين ، و ذهب بعد وقعة بدر إلى مكة و ألب على رسول الله صلى الله عليه و سلم و على المؤمنين ، فندب رسول الله صلى الله عليه و سلم المسلمين إلى قتله ، فقال : من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله و رسوله ؟ فانتدب رجال من الأنصار ثم من الأوس و هم محمد بن مسلمة ، و عباد بن بشر بن وقش ، و أبو نائلة ، و اسمه سلكان بن  سلامة بن وقش ، و كان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة ، و الحارث بن أوس بن معاذ ، و أبو عبس بن جبر ، و أذن لهم صلى الله عليه و سلم أن يقولوا ما شاؤوا من كلام يخدعونه به ، و ليس عليهم فيه جناح ، فذهبوا إليه و استنزلوه من أطمه ليلاً ، و تقدموا إليه بكلام موهم التعريض برسول الله صلى الله عليه و سلم ، فاطمأن إليهم ، فلما استمكنوا منه قتلوه لعنه الله و جاؤوا في آخر الليل ، و كانت ليلة مقمرة ، فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو قائم يصلي ، فلما انصرف دعا لهم ، و كان الحارث بن أوس قد جرح ببعض سيوف أصحابه ، فتفل عليه الصلاة و السلام على جرحه فبرئ من وقته ، ثم أصبح اليهود يتكلمون في قتله ، فأذن صلى الله عليه و سلم في قتل اليهود .

 

 فصل ـ غزوة أحد

يشتمل على غزوة أحد مختصرة ، و هي وقعة امتحن الله عز وجل فيها عباده المؤمنين و اختبرهم ، و ميز فيها بين المؤمنين و المنافقين ، و ذلك أن قريشاً حين قتل الله سراتهم ببدر ، و أصيبوا بمصيبة لم تكن لهم في حساب ، و رأس فيهم أبو سفيان بن حرب لعدم وجود أكابرهم ، و جاء كما ذكرنا إلى أطراف المدينة في غزوة السويق ، و لم ينل ما في نفسه : شرع يجمع قريشاً و يؤلب على رسول الله صلى الله عليه و سلم و على المسلمين ، فجمع قريباً من ثلاثة آلاف من قريش و الحلفاء و الأحابيش ، و جاؤوا بنسائهم لئلا يفروا ، ثم أقبل بهم نحو المدينة ، فنزل قريباً من جبل أحد بمكان يقال له : عينين ، و ذلك في شوال من السنة الثالثة .

و استشار رسول الله صلى الله عليه و سلم أصحابه : أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة ؟ فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر إلى الإشارة بالخروج إليهم ، و ألحوا عليه صلى الله عليه و سلم في ذلك ،و أشار عبد الله بن أبي بن سلول بالمقام بالمدينة ، و تابعه على ذلك بعض الصحابة ، فألح أولئك على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فنهض و دخل بيته و لبس لأمته و خرج عليهم ، و قد انثنى عزم أولئك فقالوا : يا رسول الله ، إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل . فقال : " ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل " و أتي عليه الصلاة و السلام برجل من بني النجار فصلى عليه ، و ذلك يوم الجمعة ، و استخلف على المدينة ابن أم مكتوم .

و خرج إلى أحد في ألف ، فلما كان ببعض الطريق انخزل عبد الله بن أبي نحو ثلاثمائة إلى المدينة ، فاتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر رضي الله عنهما يوبخهم و يحضهم على الرجوع ، فقالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع . فلما أبوا عليه رجع عنهم و سبهم . و استقل رسول الله صلى الله عليه و سلم بمن بقي معه حتى نزل شعب أحد في عدوة الوادي إلى الجبل ، فجعل ظهره إلى أحد ، و نهى الناس عن القتال حتى يأمرهم ، فلما أصبح تعبأ عليه الصلاة و السلام للقتال في أصحابه ، و كان فيهم خمسون فارساً ، و استعمل على الرماة ـ و كانوا خمسين ـ عبد الله بن جبير الأوسي ، و أمره و أصحابه أن لا يتغيروا من مكانهم ، و أن يحفظوا ظهور المسلمين أن يؤتوا من قبلهم .

و ظاهر صلى الله عليه و سلم ( يومئذ ( بين درعين .

و أعطى اللواء مصعب بن عمير ، أخا بني عبد الدار ، و جعل على إحدى المجنبتين الزبير بن العوام ، و على المجنبة الأخرى المنذر بن عمرو المعنق ليموت .

و استعرض الشباب يومئذ ، فأجاز بعضهم ورد آخرين ، فكان ممن أجاز سمرة بن جندب ، و رافع بن خديج ، و لهما خمس عشرة سنة .

و كان ممن رد يومئذ أسامة بن زيد بن حارثة ، و أسيد بن ظهير ، و البراء بن عازب ، و زيد بن أرقم ، و زيد بن ثابت ، و عبد الله بن عمر ، و غرابة بن أوس ، و عمرو بن حزم . ثم أجازهم يوم الخندق .

و تعبأت قريش أيضاً و هم في ثلاثة آلاف كما ذكرنا ، فيهم مائتا فارس ، فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد ، و على الميسرة عكرمة بن أبي جهل .

 و كان أول من برز من المشركين يومئذ أبو عامر الراهب ، و اسمه عبد عمرو بن صيفي . و كان رأس الأوس في الجاهلية ، و كان مترهباً ، فلما جاء الإسلام خذل فلم يدخل فيه ، و جاهر رسول الله صلى الله عليه و سلم بالعداوة ، فدعا عليه صلى الله عليه و سلم ، فخرج من المدينة ، و ذهب إلى  قريش يؤلبهم على رسول الله صلى الله عليه و سلم ( و يحضهم على قتاله مع ما هم منطوون على رسول الله ( و أصحابه من الحنق ، و وعد المشركين أنه يستميل لهم قومه من الأوس يوم اللقاء حتى يرجعوا إليهن فلما أقبل في عبدان أهل مكة و الأحابيش تعرف إلى قومه فقالوا له : لا أنعم الله لك عيناً يا فاسق . فقال : لقد أصاب قومي بعدي شر ، ثم قاتل المسلمين قتالاً شديداً .

و كان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يومئذ ( أمت أمت ( و أبلى يومئذ أبو دجانة سماك بن خرشة ، و حمزة عم رسول الله صلى الله عليه و سلم ، ( أسد الله و أسد رسوله رضي الله عنه و أرضاه ( و كذا علي بن أبي طالب ، و جماعة من الأنصار منهم : النضر بن أنس ، و سعد بن الربيع رضي الله عنهم أجمعين . و كانت الدولة أول النهار للمسلمين على الكفار ، فانهزموا راجعين حتى وصلوا إلى نسائهم .

فلما رأى ذلك أصحاب عبد الله بن جبير قالوا : يا قوم ، الغنيمة الغنيمة . فذكرهم عبد الله بن جبير تقديم رسول الله صلى الله عليه و سلم إليه في ذلك ، فظنوا أن ليس للمشركين رجعة ، و أنهم لا تقوم لهم قائمة بعد ذلك ، فذهبوا في طلب الغنيمة ، و كر الفرسان من المشركين فوجدوا تلك الفرجة قد خلت من الرماة فجاوزوها و تمكنوا ، و أقبل آخرهم ، فكان ما أراد الله تعالى كونه ، فاستشهد من أكرمهم الله بالشهادة من المؤمنين ، فقتل جماعة من أفاضل الصحابة ، و تولى أكثرهم . و خلص المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فجرح في وجهه الكريم و كسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر ، و هشمت البيضة على رأسه المقدس ، و رشقه المشركون بالحجارة حتى وقع لشقه ، و سقط في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق حفرها يكيد بها المسلمين ، فأخذ علي بيده ، و احتضنه طلحة بن عبيد الله . وكان الذي تولى أذى رسول الله صلى الله عليه و سلم عمرو بن قمئة و عتبة بن أبي وقاص ، و قيل : إن عبد الله بن شهاب الزهري أبا جد محمد بن مسلم بن شهاب هو الذي شجه صلى الله عليه و سلم . و قتل مصعب بن عمير رضي الله عنه بين يديه ، فدفع صلى الله عليه و سلم اللواء إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، و نشبت حلقتان من حلق المغفر في وجهه صلى الله عليه و سلم ، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ، و عض عليهما حتى سقطت ثنيتاه ، فكان الهتم يزينه ، و امتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من جرحه صلى الله عليه و سلم .

و أدرك المشركون النبي صلى الله عليه و سلم فحال دونه نفر من المسلمين نحو من عشرة فقتلوا ، ثم جالدهم طلحة حتى أجهضهم عنه صلى الله عليه و سلم ، و ترس أبو دجانة سماك بن خرشة عليه صلى الله عليه و سلم بظهره ، و النبل يقع فيه ، و هو لا يتحرك رضي الله عنه ، و رمى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يومئذ رمياً (مسدداً ( منكئاً ، فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( ارم فداك أبي و أمي ( . و أصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان الظفري ، فأتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فردها عليه الصلاة والسلام بيده الكريمة ، فكانت أصح عينيه و أحسنهما . و صرخ الشيطان ـ لعنه الله ـ بأعلى صوته : إن محمداً قد قتل ، ووقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين ، و تولى أكثرهم ، وكان أمر الله . و مر أنس بن النضر بقوم من المسلمين قد ألقوا بأيديهم ، فقال : ما تنتظرون ؟ فقالوا قتل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : ما تصنعون في الحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه ، ثم استقبل الناس ، ولقي سعد بن معاذ فقال : يا سعد ، و الله إني لأجد ريح الجنة من قبل أحد ، فقاتل حتى قتل رضي الله عنه ، ووجدت به سبعون ضربة .

و جرح يومئذ عبد الرحمن بن عوف نحوا من عشرين جراحةً ، بعضها في رجله ، فعرج منها حتى مات رضي الله عنه .

و أقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم نحو المسلمين ، فكان أول من عرفه تحت المغفر كعب بن مالك رضي الله عنه ، فصاح بأعلى صوته : يا معشر المسلمين ، أبشروا ، هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم ! فأشار إليه صلى الله عليه و سلم أن اسكت ، و اجتمع إليه المسلمون ، و نهضوا معه إلى الشعب الذي نزل فيه ، فيهم أبو بكر و عمر و علي و الحارث بن الصمة الأنصاري و غيرهم .

فلما أسندوا في الجبل ، أدركه أبي بن خلف على جواد ، يقال له العود ، زعم الخبيث أنه يقتل رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فلما اقترب  تناول رسول الله صلى الله عليه و سلم الحربة من ( يد ( الحارث بن الصمة فطعنه بها ، فجاءت في ترقوته ، و يكر عدو الله منهزماً فقال له المشركون : و الله ما بك من بأس ، فقال : و الله لو كان ما بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون ، إنه قال لي : إنه قاتلي ، ولم يزل به ذلك حتى مات بسرف مرجعه إلى مكة لعنه الله .

و جاء علي رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بماء ليغسل عنه الدم ، فوجده آجناً ، فرده . و أراد صلى الله عليه و سلم أن يعلو صخرة هناك ، فلم يستطع لما به صلى الله عليه و سلم ، و لأنه ظاهر يومئذ بين درعين ، فجلس طلحة تحته حتى صعد ، وحانت الصلاة ، فصلى جالساً ، ثم مال المشركون إلى رحالهم ، ثم استقبلوا طريق مكة منصرفين إليها ، و كان هذا كله يوم السبت .

و استشهد يومئذ من المسلمين نحو السبعين . منهم حمزة عم رسول الله صلى الله عليه و سلم ، قتله وحشي مولى بني نوفل و أعتق لذلك ، و قد أسلم بعد ذلك ، و كان أحد قتلة مسيلمة الكذاب لعنه الله ، و عبد الله بن جحش حليف بني أمية ، و مصعب بن عمير ، و عثمان بن عثمان ، و هو شماس بن عثمان المخزومي ، سني بشماس لحسن وجهه . فهؤلاء أربعة من المهاجرين ، و الباقون من الأنصار رضي الله عنهم جميعهم ، فدفنهم في دمائهم و كلومهم ، ولم يصل عليهم يومئذ .

و فر يومئذ من المسلمين جماعة من الأعيان ، منهم عثمان بن عفان رضي الله عنه ، و قد نص الله سبحانه على العفو عنهم ، فقال عز وجل : " إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم " .

وقتل يومئذ من المشركين اثنان و عشرون .

و قد ذكر سبحانه هذه الوقعة في سورة آل عمران حيث يقول : " وإذ غدوت من أهلك تبوء المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم * " الآيات .

 

 فصل ـ غزوة حمراء الأسد

و لما أصبح يوم الأحد ، ندب رسول الله صلى الله عليه و سلم ( المسلمين ( إلى النهوض في طلب العدو ، إرهاباً لهم ، و هذه غزوة حمراء الأسد ، و أمر ألا يخرج معه إلا من حضر أحداً ، فلم يخرج إلا من شهد أحداً ، سوى جابر بن عبد الله ، فإنه كان أبوه استخلفه في مهماته ، فقتل أبوه يوم أحد ، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه و سلم في الخروج إلى حمراء الأسد ، فأذن له . فنهض المسلمون كما أمرهم صلى الله عليه و سلم ، وهم مثقلون بالجراح ، حتى بلغ حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة ، فذلك قوله تعالى : " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم " .

و مر معبد بن أبي معبد النزاعي على رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه فأجاره حتى بلغ أبا سفيان و المشركين بالرواء ، فأخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه قد خرجوا في طلبهم ، ففت ذلك في أعداد قريش ، و كانوا أرادوا الرجوع إلى المدينة فثناها ذلك واستمروا راجعين إلى مكة .

و ظفر عليه الصلاة و السلام بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاصي فأمر بضرب عنقه صبراً ، وهو والد عائشة أم عبد الملك بن مران ، فلم يقتل فيها سواه . 

 

 فصل ـ بعث الرجيع

ثم بعث صلى الله عليه و سلم بعد أحد بعث الرجيع ، و ذلك في صفر من السنة الرابعة ، و ذلك أنه صلى الله عليه و سلم بعث إلى عضل و القارة بسؤالهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ذلك حين قدموا عليه و ذكروا أن فيهم إسلاماً ، فبعث ستة نفر في قول  ابن إسحاق  ، و قال  البخاري  في  صحيحه  كانوا عشرة . و قال  أبو القاسم السهيلي  : و هذا هو الصحيح . و أمر عليهم مرثد بن أبي االغنوي رضي الله عنهم . و منهم خبيب بن عدي ، فذهبوا معهم ، فلما كانوا بالرجيع ، و هو ماء لهذيل بناحية الحجاز بالهدأة غدروا بهم ، واستصرخوا عليهم هزيلاً ، فجاؤوا فأحاطوا بهم فقتلوا عامتهم ، و استأسر منهم خبيب بن عدي و رجل آخر و هو زيد بن الدثنة فذهبوا بهما فباعوهما بمكة ، وذلك بسبب ما كانا قتلا من كفار قريش من يوم بدر . فأما خبيب رضي الله عنه فمكث عندهم مسجوناً ثم أجمعوا لقتله فخرجوا به إلى التنعيم ليصلبوه فاستأذنهم أن يصلي ركعتين فأذنوا له : فصلاهما ثم قال : و الله لولا أن تقولوا أن ما بي جزع لزدت ، ثم قال :

 و لست أبالي حين أقتل مسلماً        على أي جنب كان لله مصرعي

 و ذلك في ذات الإله و إن يشأ       يبارك على أوصال شلو ممزع 

ثم و كلوا به من يحرسه ، فجاء عمرو بن أمية فاحتمله بخدعة ليلاً فذهب به فدفنه .

و أما زيد بن الدثنة رضي الله عنه فابتاعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه .

و قد قال له أبو سفيان : أيسرك أن محمداً عندنا تضرب عنقه ، و أنك في أهلك ؟ فقال : و الله ما يسرني أني في أهلي و أن محمداً في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه .       

 

 فصل ـ بعث بئر معونة

و في صفر هذا بعث إلى بئر معونة أيضاً ، و ذلك أن أبا براء عامر بن مالك المدعو ملاعب الأسنة ، قدم على رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة فدعاه إلى الإسلام فلم يسلم و لم يبعد . فقال : يا رسول الله لو بعثت أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك لرجوت أن يجيبوهم ، فقال : إني أخاف عليهم أهل نجد ، فقال أبو براء : أنا جار لهم .

فبعث صلى الله عليه و سلم فيما قاله  ابن إسحاق  أربعين رجلاً من الصحابة ، و في  الصحيحين  سبعين رجلاً ، وهذا هو الصحيح . و أمر عليهم المنذر بن عمرو أحد بني ساعدة ، و لقبه المعنق ليموت رضي الله عنهم أجمعين ، و كانوا من فضلاء المسليمن و سادتهم و قرائهم ، فنهضوا فنزلوا بئر معونة ، وهي بين أرض بني عامر و حرة بني سليم ، ثم بعثوا منها حرام بن ملحان أخا أم سليم بكتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل ، فلم ينظر فيه ، و أمر به فقتله رجل ضربه بحربة ، فلما خرج الدم قال : فزت و رب الكعبة . و استنفر عدو الله عامر : بني عامر إلى قتال الباقين ، فلم يجيبوه ، لأجل جوار أبي براء ، فاستنفر بني سليم فأجابته عصية و رعل و ذكوان ، فأحاطوا بأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم رضي الله عنهم ، إلا كعب بن زيد من بني النجار فإنه ارتث من بين القتلى ، فعاش حتى قتل يوم الخندق .

و كان عمرو بن أمية الضمري و المنذر بن محمد بن عقبة في سرح المسلمين ، فرأيا الطير تحوم على موضع الوقعة ، فنزل المنذر بن محمد هذا فقاتل المشركين حتى قتل مع أصحابه ، وأسر عمرو بن أمية ، فلما أخبر أنه من مضر جز عامر ناصيته و أعتقه فيما زعم عن رقبة كانت على أمه .

و رجع عمرو بن أمية ، فلما كان بالقرقرة من صدر قناة نزل في ظل ، و يجيء رجلان من بني كلاب ، و قيل من بني سليم فنزلا معه فيه ، فلما ناما فتك بهما عمرو و هو يرى أنه قد أصاب ثأراً من أصحابه ، وإذا معهما عهد من رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يشعر به ، فلما قدم أخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم بما فعل ، قال : [ لقد قتلت قتيلين لأدينهما ] . و كان هذا سبب غزوة بني النضير كما ورد هذا في  الصحيح  .        

 

 فصل ـ غزوة بني النضير

و نهض رسول الله صلى الله عليه و سلم بنفسه الكريمة إلى بني النضير ليستعين على ذينك القتيلين لما بينه و بينهم من الحلف ، فقالوا : نعم . و جلس صلى الله عليه و سلم هو و أبو بكر و عمر و علي و طائفة من أصحابه رضي الله عنهم تحت جدار لهم ، فاجتمعوا فيما بينهم و قالوا : من رجل يلقي بهذه الرحا على محمد فيقتله ؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش لعنه الله و أعلم الله رسوله بما هموا به ، فنهض صلى الله عليه و سلم من وقته من بين أصحابه ، فلم يتناه دون المدينة ، و جاء من أخبر أنه رآه صلى الله عليه و سلم داخلاً في حيطان المدينة ، فقام أبو بكر و من معه فاتبعوه ، فأخبرهم بما أعلمه الله من أمر يهود ، فندب الناس إلى قتالهم ، فخرج و استعمل على المدينة ابن أم مكتوم و ذلك في ربيع الأول فحاصرهم ست ليال منه و حينئذ حرمت الخمر ، كذا ذكره ابن حزم ، و لم أره لغيره .

و دس عبد الله بن أبي بن سلول و أصحابه من المنافقين إلى بنى النضير : أنا معكم نقاتل معكم ، وإن أخرجتم خرجنا معكم . فاغتر أولئك بهذا ، فتحصنوا في آطامهم ، فأمر صلى الله عليه و سلم بقطع نخيلهم و إحراقها ، فسألوا رسول الله أن يجليهم و يحقن دماءهم على أن لهم ما حملت إبلهم غير السلاح فأجابهم إلى ذلك ، فتحمل أكابرهم كحيي بن أخطب ، و سلام بن أبي الحقيق بأهليهم وأموالهم إلى خيبر فدانت لهم ، و ذهبت طائفة منهم إلى الشام و لم يسلم منهم إلا رجلان ، وهما أبو سعد بن و هب ، و يامين بن عمير بن كعب ، و كان قد جعل لمن قتل ابن عمه عمرو بن جحاش جعلاً ، لما كان قد هم به من الفتك برسول الله صلى الله عليه و سلم ، فأحزا

 أموالهما ، و قسم رسول الله أموال الباقين بين المهاجرين الأولين خاصة ، إلا أنه أعطى أبا دجانة و سهل بن حنيف الأنصاريين لفقرهما ، و قد كانت أموالهم مما أفاء الله على رسوله ، فلم يوجف المسلمون بخيل و لا ركاب . و في هذه الغزوة أنزل الله سبحانه سورة الحشر ، وقد كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يسميها سورة بني النضير .       

 

 فصل ـ غزوة ذات الرقاع

و قنت رسول الله صلى الله عليه و سلم شهراً يدعو على الذين قتلوا القراء أصحاب بئر معونة . ثم غزا صلى الله عليه و سلم غزوة ذات الرقاع ، و هي [ غزوة نجد ] فخرج في جمادى الأولى من هذه السنة الرابعة يريد محارب و بني ثعلبة بن سعد بن غطفان ، و استعمل على المدينة أبا ذر الغفاري . فسار حتى بلغ نخلاً ، فلقي جمعاً من غطفان فتوقفوا ، ولم يكن بينهم قتال ، إلا أنه صلى يومئذ صلاة الخوف فيما ذكره  ابن إسحاق  و غيره من أهل السير ، وقد استشكل لأنه قد جاء في رواية  الشافعي  و  أحمد  و  النسائي  عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه و سلم حبسه المشركون يوم الخندق عن الظهر و العصر و المغرب والعشاء فصلاهن جميعاً ، وذلك قبل نزول صلاة الخوف ، قالوا و إنما نزلت صلاة الخوف بعسفان كما رواه أبو عياش الزرقي قال : كنا مع النبي صلى الله عليه و سلم بعسفان فصلى بنا الظهر ، و على المشركين يومئذ خالد بن الوليد . فقالوا : لقد أصبنا منهم غفلة ، ثم قالوا : إن لهم صلاة بعد هذه هي أحب إليهم من أموالهم و أبنائهم فنزلت ـ يعني صلاة الخوف ـ بين الظهر و العصر . فصلى بنا العصر ففرقنا فريقين .. و ذكر الحديث . أخرجه  الإمام أحمد  و  أبو داود  و  النسائي  .

و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم نازلاً بين ضجنان و عسفان ، محاصراً المشركين ، فقال المشركون : إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم و إبكارهم ، أجمعوا أمركم ثم ميلوا عليهم ميلة واحدة . فجاء جبريل عليه السلام فأمره أن يقسم أصحابه نصفين ... و ذكر الحديث . رواه  النسائي  و  الترمذي  و قال : حسن صحيح  .

و قد علم بلا خلاف أن غزوة عسفان كانت بعد الخندق ، فاقتضى هذا أن ذات الرقاع بعدها ، بل بعد خبير ، و يؤيد ذلك أن أبا موسى الأشعري و أبا هريرة رضي الله عنهما شهدها ، أما أبو موسى الأشعري ففي  الصحيحين  عنه أنه شهد غزوة ذات الرقاع ، و أنهم كانوا يلفون على أرجلهم الخرق لما نقبت ، فسميت بذلك ، فأما أبا هريرة فعن مروان بن الحكم أنه سأل أبا هريرة : هل صليت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم صلاة الخوف ؟ قال : نعم . قال : متى ؟ قال : عام غزوة نجد و ذكر صفة من صفات صلاة الخوف ، أخرجه  الإمام أحمد  و  أبو داود  و  النسائي  .

و قد قال بعض أهل التاريخ : إن غزوة ذات الرقاع أكثر من مرة واحدة كانت قبل الخندق و أخرى بعدها ، قلت : إلا أنه لا يتجه أنه صلى في الأولى صلاة الخوف إن صح حديث أنها إنما فرضت في عسفان .

و قد ذكروا أنه كانت من الحوادث في هذه الغزوة قصة جمل جابر و بيعه من رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وفي ذلك نظر ، لأنه جاء أن ذلك كان في غزوة تبوك ، إلا أن هذا أنسب لما أنه كان قد قتل أبوه في أحد ، و ترك الأخوات ، فاحتاج أن يتزوج سريعاً من يكفلهن له  .

و منها حديث جابر أيضاً في الرجل الذي سبوا امرأته فحلف ليهريقن دماً في أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم ، فجاء ليلاً ـ و قد أرصد رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلين ربيئة للمسلمين من العدو ، وهما عباد بن بشر و عمار بن ياسر رضي الله عنه ـ فضرب عباداً بن بشر بسهم و هو قائم يصلي ، فنزعه و لم يبطل صلاته ، حتى رشقه بثلاثة أسهم ، فلم ينصرف منها حتى سلم ، و أنبه صاحبه ، فقال : سبحان الله هلا أنبهتني ؟ ! فقال : إني كنت في سورة فكرهت أن أقطعها  .

و منها حديث غورث بن الحارث الذي هم برسول الله صلى الله عليه و سلم و هو قائل تحت الشجرة ، فاستل سيفه و أراد ضربه ، فصده الله عنه ، و حبست يده ، و استيقظ رسول الله صلى الله عليه و سلم من نومه ، فدعا أصحابه فاجتمعوا إليه ، فأخبرهم عنه و ما هم به غورث من قتله ، و مع هذا كله أطلقه و عفا عنه صلى الله عليه و سلم . و هذا كان في غزوة ذات الرقاع ، إلا أنها التي بعد الخندق كما أخرجاه في  الصحيحين  ، " عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى إذا كنا بذات الرقاع ، قال : كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه و سلم ، قال فجاء رجل من المشركين و سيف رسول الله صلى الله عليه و سلم معلق بالشجرة ، فأخذ السيف ، فاخترطه ، فقال لرسول الله صلى الله عليه و سلم : أتخافني ؟ قال : لا ، قال فمن يمنعك مني ؟ قال : الله . قال : فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فأغمد السيف و علقه ، قال : فنودي بالصلاة ، فصلى بطائفة ركعتين ، ثم تأخروا و صلى بالطائفة الأخرى ركعتين ، و كانت لرسول الله أربع ركعات ، و للقوم ركعتان " . و اللفظ  لمسلم  .   

 

 فصل ـ غزوة بدر الصغرى

و قد كان أبو سفيان يوم أحد عند منصرفه نادى : موعدكم و إيانا بدر العام المقبل ، فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بعض أصحابه أن يجيبه بنعم ، فلما كان شعبان في هذه السنة نهض رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أتى بدراً للموعد ، و استخلف على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبي ، فأقام هناك ثماني ليال ، ثم رجع و لم يلق كيداً ، و ذلك أن أبا سفيان خرج بقريش ، فلما كان ببعض الطريق بدا لهم الرجوع لأجل جدب سنتهم فرجعوا ، و هذه الغزوة تسمى بدراً الثالثة و بدر الموعد .

 

 فصل ـ غزوة دومة الجندل

و خرج صلى الله عليه و سلم إلى دومة الجندل في ربيع الأول من سنة خمس ، ثم رجع في أثناء الطريق و لم يلق حرباً ، وكان استعمل على المدينة سباع بن عرفطة .

 

 فصل ـ غزوة الخندق

يشتمل على ملخص غزوة الخندق التي ابتلى الله فيها عباده المؤمنين و زلزلهم ، و ثبت الإيمان في قلوب أوليائه و أظهر ما كان يبطنه أهل النفاق ، و فضحهم و قرعهم . ثم أنزل نصره ، و نصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، و أعز جنده ، ورد الكفرة بغيظهم ، و وقى المؤمنين شر كيدهم ، و ذلك بفضله و منه . وحرم عليهم شرعاً و قدراً أن يغزوا المؤمنين بعدها ، بل جعل المغلوبين و جعل حزبه هم الغالبين ، والحمد لله رب العالمين . 

و كانت في سنة خمس في شوالها على الصحيح من قولي أهل المغازي والسير ، و الدليل على ذلك أنه لا خلاف أن أحداً كانت في شوال من سنة ثلاث ، و قد تقدم ما ذكره أهل العلم في المغازي أن أبا سفيان   واعدهم العام المقبل بدراً ، و أنه صلى الله عليه و سلم خرج إليهم فأخلفوه لأجل جدب تلك السنة في بلادهم ، فتأخروا إلى هذا العام .

قال  أبو محمد بن حزم الأندلسي  في  مغازيه  : هذا قول أهل المغازي ، ثم قال : و الصحيح الذي لا شك فيه أنها في سنة أربع ، وهو قول موسى بن عقبة ، ثم احتج  ابن حزم  بحديث ابن عمر : [ عرضت على النبي صلى الله عليه و سلم يوم أحد و أنا ابن أربع عشرة فلم يجزني ، وعرضت عليه يوم الخندق و أنا ابن خمس عشرة فأجازني ] . فصح أنه لم يكن بينهما إلا سنة واحدة فقط .

قلت : هذا الحديث مخرج في  الصحيحين  و ليس يدل على ما ادعاه لأن مناط إجازة الحرب كانت عنده صلى الله عليه و سلم خمس عشرة سنة ، فكان لا يجيز من لم يبلغها ، و من بلغها أجازه ، فلما كان ابن عمر يوم أحد ممن لم يبلغها لم يجزه ، ولما كان قد بلغها يوم الخندق أجازه ، و ليس ينفي هذا أن بلوغه قد زاد عليها بسنة أو بسنتين أو ثلاثاً أو أكثر من ذلك . فكأنه قال : عرضت عليه يوم الخندق و أنا بالغ أو من أبناء الحرب . و قد قيل : إنه كان يوم أحد في أول الرابعة عشرة من عمره و في يوم الخندق في آخر الخامسة عشرة ، و في هذا نظر ، والأول أقوى في النظر لمن أمعن و أنصف ، و الله أعلم . و كان سبب غزوة الخندق أن نفراً من يهود بني النضير الذين أجلاهم صلى الله عليه و سلم من المدينة إلى خيبر كما قدمنا و هم أشرافهم : كسلام بن أبي الحقيق ، وسلام بن مشكم ، و كنانة بن الربيع و غيرهم ، خرجوا إلى قريش بمكة فألبوهم على حرب رسول الله صلى الله عليه و سلم و وعدوهم من أنفسهم النصر ، فأجابوهم ، ثم خرجوا إلى غطفان فدعوهم فأجابوهم أيضاً ، و خرجت قريش و قائدهم أبو سفيان بن حرب ، و على غطفان عيينة بن حصن ، كلهم في نحو عشرة آلاف رجل . فلما سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم بمسيرهم إليه أمر المسلمين بحفر خندق يحول بين المشركين و بين المدينة ، و كان ذلك بإشارة سلمان الفارسي رضي الله عنه ، فعمل المسلمون فيه مبادرين هجوم الكفار عليهم ، وكانت في حفره آيات مفصلة يطول شرحها ، و أعلام نبوة قد تواتر خبرها ، فلما كمل قدم المشركون ، فنزلوا حول المدينة كما قال تعالى : " إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم " .

و خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم فتحصن بالخندق و هو في ثلاثة آلاف على الصحيح من أهل المدينة . و زعم ابن إسحاق أنه إنما كان في سبعمائة . و هذا غلط من غزوة أحد ، و الله تعالى أعلم . فجعلوا ظهورهم إلى سلع . و أمر صلى الله عليه و سلم بالنساء و الذراري ، فجعلوا في آطام المدينة ، و استخلف عليها ابن أم مكتوم رضي الله عنه .

و انطلق حيي بن أخطب النضري إلى بني قريظة ، فاجتمع بكعب بن أسد رئيسهم ، فلم يزل به حتى نقض العهد الذي كان بينه و بين رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و وافق كعب المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فسروا بذلك .

و بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم السعدين : ابن معاذ ، و ابن عبادة ، و خوات بن جبير ، وعبد الله بن رواحة ، ليعرفوا له هل نقض بنو قريظة العهد أو لا  ، فلما قربوا منهم و جدوهم مهاجرين بالعداوة و الغدر ، فتسابوا و نال اليهود ـ عليهم لعائن الله ـ من رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فسبهم سعد بن معاذ ، وانصرفوا عنهم . و قد أمرهم صلى الله عليه و سلم إن كانوا نقضوا أن لا يفتوا بذلك في أعضاد المسلمين ، لئلا يورث وهناً ، و أن يلحنوا إليه لحناً ـ أي لغزاً ـ فلما قدموا عليه ، قال : ما وراءكم ؟ قالوا : عضل و القارة ، يعنون غدرهم بأصحاب الرجيع ، فعظم ذلك على المسلمين ، واشتد الأمر ، وعظم الخطر ، وكانوا كما قال الله تعالى : " هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا " .        

و نجم النفاق و كثر ، واستأذن بعض بني حارثة رسول الله صلى الله عليه و سلم في الذهاب إلى المدينة لأجل بيوتهم ، قالوا : إنها عورة ، و ليس بينها و بين العدو حائل ، وهم بنو سلمة بالفشل ، ثم ثبت الله كلتا الطائفتين.

و ثبت المشركون محاصرين رسول الله صلى الله عليه و سلم شهراً ، ولم يكن بينهم قتال لأجل ما حال الله به من الخندق بينه و بينهم ، إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود العامري و جماعة معه أقبلوا نحو الخندق ، فلما و قفوا عليه قالوا : إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تعرفها ، ثم يمموا مكاناً ضيقاً من الخندق فاقتحموه و جازوه ، و جالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق و سلع و دعوا للبراز ، فانتدب لعمرو بن عبد ود علي بن أبي طالب رضي الله عنه فبارزه فقتله الله على يديه و كان عمرو لا يجاري في الجاهلية شجاعة ، وكان شيخاً قد جاوز المائة يومئذ ، وأما الباقون فينطلقون راجعين إلى قومهم من حيث جاؤوا ، وكان هذا أول ما فتح الله

به من خذلانهم . وكان شعار المسلمين تلك الغزوة ( حم ، لا ينصرون ( ..

و لما طال هذا الحال على المسلمين أراد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يصالح عيينة بن حصن و الحارث بن عوف رئيسي غطفان ، على ثلث ثمار المدينة و ينصرفا بقومهما ، و جرت المراوضة على ذلك و لم يتم الأمر حتى استشار صلى الله عليه و سلم السعدين في ذلك فقالا : يا رسول الله إن كان الله أمرك بهذا فسمعاً و طاعة و إن كان شيئاً تصنعه لنا فلقد كنا نحن و هؤلاء القوم على الشرك بالله و عبادة الأوثان وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعاً ، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له و أعزنا بك و به نعطيهم أموالنا ؟  و الله لا نعطيهم إلا السيف .  فقال صلى الله عليه و سلم : ( إ نما هو شيء أصنعه لكم ( و صوب رأيهما في ذلك رضي الله عنهما ، ولم يفعل من ذلك شيئاً .

ثم إن الله سبحانه وله الحمد صنع أمراً من عنده خذل به بينهم و فل جموعهم ، و ذلك أن نعيم بن مسعود بن عامر الغطفاني رضي الله عنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و قال : يا رسول الله إني قد أسلمت فمرني بما شئت ، فقال صلى الله عليه و سلم :" إنما أنت رجل واحد فخذل عنا إن استطعت ، فإن الحرب خدعة " . فذهب من حينه ذلك إلى بني قريظة ـ و كان عشيراً لهم في الجاهلية ـ فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه فقال يا بني قريظة ! إنكم قد حاربتم محمداً ، و إن قريشاً إن أصابوا فرصة انتهزوها ، و إلا شمروا إلى بلادهم و تركوكم و محمداً فانتقم منكم . قالوا : فما العمل يا نعيم ؟ قال : لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن . قالوا لقد أشرت بالرأي .

ثم نهض إلى قريش فقال لأبي سفيان و لهم : تعلمون ودي و نصحي لكم ؟ قالوا نعم . قال : إن يهود ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد و أصحابه ، و إنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يمالئونه عليكم . ثم ذهب إلى قومه غطفان فقال لهم مثل ذلك .

فلما كان ليلة السبت في شوال بعثوا إلى يهود : إنا لسنا بأرض مقام فانهضوا بنا غداً نناجز هذا الرجل ، فأرسل إليهم اليهود : إن اليوم يوم السبت ، و مع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهناً ، فلما جاءهم الرسل بذلك قالت قريش : صدقنا و الله نعيم بن مسعود ، و بعثوا إلى يهود : إنا و الله لا نرسل لكم أحداً فاخرجوا معنا ، فقالت قريظة : صدق و الله نعيم ، و أبوا أن يقاتلوا معهم .

و أرسل الله عز وجل على قريش ومن معهم الخور و الريح تزلزلهم ، فجعلوا لا يقر لهم قرار ، و لا تثبت لهم خيمة و لا طنب ، ولا قدر و لا شيء . فلما رأوا ذلك ترحلوا من ليلتهم تلك . و أرسل صلى الله عليه و سلم حديفة بن اليمان يخبر له خبرهم ، فوجدهم كما وصفنا ، و رأى أبا سفيان يصلي ظهره بنار ، و لو شاء  حذيفة لقتله ، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلاً فأخبره برحيلهم .

فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه و سلم غدا إلى المدينة و قد وضع الناس السلاح فجاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو يغتسل في بيت أم سلمة ، فقال : أوضعتم السلاح ؟ أما نحن فلم نضع أسلحتنا ، انهض إلى هؤلاء ، يعني بني قريظة .

 

 فصل ـ غزوة بني قريظة

نذكرفيه غزوة بني قريظة ، فنهض صلى الله عليه و سلم من وقته إليهم ، و أمر المسلمين أن لا يصلي أحد صلاة العصر ـ وقد كان دخل وقتها ـ إلا في بني قريظة . فراح المسلمون أرسالاً ، و كان منهم من صلى العصر في الطريق ، و قالوا : لم يرد  رسول الله ترك الصلاة ، إنما أراد تعجيل السير ، و كان منهم من لم يصل حتى غربت الشمس ، ووصل إلى بني قريظة ، و لم يعنف صلى الله عليه و سلم واحداً من الفريقين .

قال  ابن حزم  : و هؤلاء هم المصيبون و أولئك مخطئون مأجورون ، و علم الله لو كنا هناك لم نصل العصر إلا في بني قريظة و لو بعد أيام .

قلت أما  ابن حزم  فإنه معذور لأنه من كبار الظاهرية ، و لا يمكنه العدول عن هذا النص ، و لكن في ترجيح أحد هذين الفعلين على الآخر نظر و ذلك أنه صلى الله عليه و سلم لم يعنف أحداً من الفريقين ، فمن يقول بتصويب كل مجتهد ، فكل منهما مصيب و لا ترجيح ، و من يقول بأن المصيب واحد ـ و هو الحق لاشك فيه و لامرية ، لدلائل من الكتاب و السنة كثيرة ـ فلا بد على قوله من أن أحد الفريقين له أجران بإصابة الحق ، و للفريق الآخر أجر ، فنقول و بالله التوفيق : الذين صلوا العصر في وقتها حازوا قصب السبق ، لأنهم امتثلوا أمره صلى الله عليه و سلم في المبادرة إلى الجهاد و فعل الصلاة في وقتها ، و لا سيما صلاة العصر التي أكد الله سبحانه المحافظة عليها في كتابه بقوله تعالى : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " و هي العصر على الصحيح المقطوع به إن شاء الله من بضعة عشر قولاً ، و التي جاءت السنة بالمحافظة عليها . فإن قيل : كان تأخير الصلاة للجهاد حينئذ جائزاً ، كما أنه صلى الله عليه و سلم أخر العصر و المغرب يوم الخندق و اشتغل بالجهاد ، و الظهر أيضاً كما جاء في حديث رواه  النسائي  من طريقين ، فالجواب أنه بتقدير تسليم هذا و أنه لم يتركها يومئذ نسياناً ، فقد تأسف على ذلك ، " حيث يقول لما قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه : يا رسول الله ! ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب ، فقال و الله ما صليتها " و هذا يشعر بأنه صلى الله عليه و سلم كان ناسياً لها لما هو فيه من الشغل ، كما جاء في  الصحيحين  " عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم الأحزاب : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ، ملأ الله قبورهم و بيوتهم ناراً " .

و الحاصل أن الذين صلوا العصر في الطريق جمعوا بين الأدلة ، و فهموا المعنى فلهم الأجر مرتين ، والآخرين

 حافظوا على أمره الخاص ، فلهم الأجر رضي الله عن جميعهم و أرضاهم .

و أعطى رسول الله صلى الله عليه و سلم الراية علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، و استخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، و نازل حصون بني قريظة و حصرهم خمساً و عشرين ليلة ، و عرض عليهم سيدهم كعب بن أسد ثلاث خصال : إما أن يسلموا و يدخلوا مع محمد في دينه ، و إما أن يقتلوا ذراريهم و يخرجوا جرائد فيقاتلوا حتى يقتلوا عن آخرهم أو يخلصوا فيصيبوا بعد الأولاد والنساء ، و إما أن يهجموا على رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه يوم  سبت حين يأمن المسلمون  شرهم ، فأبوا عليه واحدة منهن . و كان قد دخل معهم في الحصن حيي بن أخطب حين انصرفت قريش ، لأنه كان أعطاهم عهداً بذلك حتى نقضوا العهد و جعلوا يسبون رسول الله صلى الله عليه و سلم و يسمعون أصحابه بذلك ، فأراد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يخاطبهم  ، فقال له علي رضي الله عنه : لا تقرب منهم يا رسول الله ـ خشية أن يسمع منهم شيئاً ـ فقال : " لو قد رأوني لم يقولوا شيئاً " ، فلما رأوه لم يستطع منهم أحد أن يتكلم بشيء.

ثم بعث صلى الله عليه و سلم أبا لبابة بن عبد المنذر الأوسي ، و كانوا حلفاء الأوس ، فلما رأوه قاموا في وجهه يبكون : رجالهم و نساؤهم ، و قالوا : يا أبا لبابة كيف ترى لنا ؟ أننزل على حكم محمد ؟ قال : نعم فأشار بيده إلى حلقه ، يعني أنه الذبح ، ثم ندم على هذه الكلمة من وقته ، فقام مسرعاً فلم يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى جاء مسجد المدينة فربط نفسه بسارية المسجد و حلف لا يحله إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم بيده ، و أنه لا يدخل أرض بني قريظة أبداً ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم ذلك قال : " دعوه حتى يتوب الله عليه " و كان من أمره ما كان حتى تاب الله عليه رضي الله عنه .

ثم إن بني قريظة نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم . فأسلم ليلتئذ ثعلبة و أسيد ابنا سعية ، و أسد بن عبيد ، و هم نفر من بني هدل من بني عم قريظة و النضير ، و خرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظي ، فانطلق ، فلم يعلم أين ذهب و كان قد أبى الدخول معهم في نقض العهد .

و لما نزلوا على حكمه صلى الله عليه و سلم ، قالت الأوس : يا رسول الله ، قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت و هم حلفاء إخوتنا الخزرج ، و هؤلاء موالينا ، فقال : " ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم ؟ " قالوا : بلا . قال : " فذاك إلى سعد بن معاذ " ، و كان سعد إذ ذاك قد أصابه جرح في أكحله ، و قد ضرب له رسول الله صلى الله عليه و سلم خيمةً في المسجد ، ليعوده من قريب ، فبعث إليه صلى الله عليه و سلم فجيء به و قد وطؤوا له على حمار ، و إخوته من الأوس حوله محيطون به ، و هم يقولون : يا أبا عمرو أحسن في مواليك ، فلما أكثروا عليه ، قال : لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم ! ! فرجع رجال من قومه إلى بني عبد الأشهل فنعوا إليهم بني قريظة ، فلما دنا من رسول الله صلى الله عليه و سلم ، قال : " قوموا إلى سيدكم " فقام إليه المسلمون ، فقالوا : يا سعد ، قد ولاك رسول الله صلى الله عليه و سلم الحكم في بني قريظة ، فقال : عليكم بذلك عهد الله و ميثاقه أن الحكم فيهم كما حكمت ؟ قالوا : نعم . قال : و على من هاهنا ؟ و أشار إلى الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و هو معرض عن رسول الله صلى الله عليه و سلم إجلالاً له ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " نعم " . فقال سعد : إني أحكم فيهم أن يقتل مقاتلتهم ، و تسبى ذراريهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة " . فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يقتل من أنبت منهم ، و من لم يكن أنبت ترك ، فضرب أعناقهم في خنادق حفرت في سوق المدينة اليوم ، و كانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة ، و قيل : ما بين السبعمائة إلى الثمانمائة ، و لم يقتل من النساء أحداً سوى امرأة واحدة و هي بنانة امرأة الحكم القرظي ، لأنها كانت طرحت على راس خلاد بن سويد رحى فقتلته لعنها الله . و قسم أموال بني قريظة على المسلمين للراجل سهم و للفارس ثلاثة أسهم ، و كان في المسلمين يومئذ ستة و ثلاثون فارساً .

و لما فرغ منهم استجاب الله دعوة العبد الصالح سعد بن معاذ ، و ذلك أنه لما أصابه الجرح قال : اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني لها ، و إن كنت رفعت الحرب بيننا و بينهم فافجرها ، و لا تمتني حتى تشفيني من بني قريظة . و كان صلى الله عليه و سلم قد حسم جرحه فانفجر عليه فمات منه رضي الله عنه ، و شيعه رسول الله صلى الله عليه و سلم و المسلمون ، وهو الذي اهتز له عرش الرحمن فرحاً بقدوم روحه رضي الله عنه و أرضاه . و قد استشهد يوم الخندق و يوم قريظة نحو العشرة رضي الله عنهم آمين .     

 

 فصل ـ بعث عبد الله بن عتيك إلى قتل أبي رافع سلام بن أبي الحقيق

و لما قتل الله ـ وله الحمد ـ كعب بن الأشرف على يد رجال من الأوس كما قدمنا ذكره بعد وقعة بدر ، و كان أبو رافع سلام بن أبي الحقيق ممن ألب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه و سلم و لم يقتل مع بني قريظة كما قتل صاحبه حيي بن أخطب ، رغبت الخزرج في قتله طلباً لمساواة  الأوس في الأجر . و كان الله سبحانه قد جعل هذين الحيين يتصاولان بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم في الخيرات ، فاستأذنوا رسول الله في قتله فأذن لهم ، فانتدب له رجال كلهم من بني سلمة و هم : عبد الله بن عتيك و هو أمير القوم بأمره صلى الله عليه و سلم ، و عبد الله بن أنيس ، و أبو قتادة الحارث بن ربعي ، و مسعود بن سنان ، و خزاعي بن أسود ، حليف لهم . فنهضوا حتى أتوه في خيبر في دار له جامعة ، فنزلوا عليه ليلاً فقتلوه و رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، كلهم ادعى قتله ، " فقال : ( أروني أسيافكم ( فلما أروه قال لسيف عبد الله بن أنيس : ( هذا قتله أرى فيه أثر الطعام ( . " و كان عبد الله بن أنيس قد اتكأ عليه بالسيف حتى سمع صوت عظم ظهره ، و عدو الله يقول : قطني قطني ، يقول : حسبي . 

 

 فصل ـ غزوة بني لحيان

ثم خرج صلى الله عليه و سلم بعد قريظة بستة أشهر ، و ذلك في جمادى الأولى من السنة السادسة على الصحيح قاصداً بني لحيان ليأخذ ثأر أصحاب الرجيع المتقدم ذكرهم ، فسار حتى نزل بلادهم في واد يقال له غران ، و هو بين أمج و عسفان ، فوجدهم قد تحصنوا في رؤوس الجبال ، فتركهم و ركب في مائتي فارس حتى نزل عسفان و بعث فارسين حتى نزلا كراع الغميم ، ثم كرا راجعين ، ثم قفل صلى الله عليه و سلم إلى المدينة . 

 

 فصل ـ غزوة ذي قرد

ثم أغار بعد قدومه المدينة بليال عيينه بن حصن في بني عبد الله بن غطفان ، على لقاح النبي صلى الله عليه و سلم التي بالغابة فاستاقها و قتل راعيها ، و هو رجل من غفار ، و أخذوا امرأته . فكان أول من نذر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي رضي الله عنه ، ثم انبعث في طلبهم ماشياً و كان لا يسبق ، فجعل يرميهم بالنبل و يقول : خذها أنا ابن الأكوع و اليوم يوم الرضع يعني اللئام ، واسترجع عامة ما كان في أيديهم .

و لما وقع الصريخ في المدينة خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في جماعة من الفرسان ، فلحقوا سلمة بن الأكوع ، و استرجعوا اللقاح ، و بلغ النبي صلى الله عليه و سلم ماءً يقال له ذو قرد ، فنحر لقحة مما استرجع ، و أقام هناك يوماً و ليلة ، ثم رجع إلى المدينة .

و قتل في هذه الغزوة الأخرم ، و هو محرز بن نضلة رضي الله عنه ، قتله عبد الرحمن بن عيينة ، و تحول على فرسه ، فحمل على عبد الرحمن أبو قتادة فقتله ، و استرجع الفرس ، و كانت لمحمود بن مسلمة و أقبلت المرأة المأسورة على ناقة لرسول الله صلى الله عليه و سلم ، و قد نذرت : إن الله أنجاها عليها لتنحرنها ، " فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : بئس ما جزتها ، لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ، و لفي معصية " و أخذ ناقته . و قد روى  مسلم  في  صحيحه  عن سلمة بن الأكوع في هذه القصة ، قال : فرجعنا إلى المدينة ، فلم نلبث إلا ثلاث ليال ، حتى خرجنا إلى خيبر ، و لعل هذا هو الصحيح ، و الله تعالى أعلم .     

 

 فصل ـ غزوة بني المصطلق

و غزا صلى الله عليه و سلم بني المصطلق من خزاعة في شعبان من السنة السادسة ، و قيل : كانت في شعبان سنة خمس ، و الأول أصح و هو قول  ابن إسحاق  و غيره .

و استعمل على المدينة أبا ذر ، و قيل : نميلة بن عبد الله الليثي ، فأغار عليهم وهم غارون على ماء لهم يسمى المريسيع ، و هو من ناحية قديد إلى الساحل ، فقتل من قتل منهم ، و سبى النساء و الذرية ، و كان شعار المسلمين يومئذ : أمت أمت .

و كان من السبي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار ملك بني المصطلق ، وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس ، فكاتبها ، فأدى عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم و تزوجها ، فصارت أم المؤمنين ، فأعتق المسلمون بسبب ذلك مائة بيت من بني المصطلق قد أسلموا .

و في مرجعه صلى الله عليه و سلم قال : الخبيث عبد الله بن أبي بن سلول : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، يعرض برسول الله صلى الله عليه و سلم ، فبلغها زيد بن أرقم رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و جاء عبد الله بن أبي معتذراً و يحلف ما قال فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أنزل الله عز و جل تصديق زيد بن أرقم في سورة المنافقين .

و كان في هذه الغزوة من الحوادث قصة الإفك الذي افتراه عبد الله بن أبي هذا الخبيث و أصحابه ، و ذلك أن أم المؤمنين عائشة بنت الصديق رضي الله عنها كانت قد خرجت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذه السفرة ، وكانت تحمل في هودج ، فنزلوا بعض المنازل ثم أرادوا أن يرتحلوا أول النهار فذهبت إلى المتبرز ، ثم رجعت فإذا هي فاقدة عقداً لأختها أسماء كانت أعارتها إياه ، فرجعت تلتمسه في الموضع الذي كانت فيه ، فجاء النفر الذين كانوا يرحلون بها فحملوا الهودج ، حملة رجل واحد ، و ليس فيه أحد ، فرحلوه على البعير و لم يستنكروا خفته لتساعدهم عليه ، و لأن عائشة رضي الله عنها كانت في ذلك الوقت لم تحمل اللحم ، بل كانت طفلة في سن أربع عشرة سنة . فلما رجعت وقد أصابت العقد لم تر بالمنزل أحداً ، فجلست في المنزل و قالت : إنهم سيفقدونها فيرجعون إليها ، و الله غالب على أمره و له الحكم فيما يشاء . و أخذتها سنة من النوم فلم تستيقظ إلا بترجيع صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني ، و كان قد عرس في أخريات القوم ، لأنه كان شديد النوم كما جاء ذلك عنه في رواية  أبي داود  ، فلما رأى أم المؤمنين قال : إنا لله و إنا إليه راجعون ، زوجة رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟! ثم أناخ بعيره فقربه إليها ، فركبته ، ولم يكلمها كلمة واحدة ، ولم تسمع منه إلا ترجيعه ، ثم سار بها يقودها حتى قدم بها وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة .

فلما رأى ذلك الناس تكلم المنافقون بما الله مجازيهم به ، و جعل عبد الله بن أبي الخبيث مع ما تقدم له من الخزي في هذه الغزوة يتكلم في ذلك و يستحكيه ، و يظهره و يشيعه و يبديه . و كان الأمر في ذلك كما هو مطول في  الصحيحين  من حديث  الزهري  ، عن سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وعلقمة بن وقاص الليثي ، و عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، كلهم عن عائشة رضي الله عنها الصديقة بنت الصديق المبرأة من فوق سبع سماوات مما اتهمها به أهل الإفك في هذه الغزوة في قوله تعالى : " إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم " الآيات . فلما أنزل الله تعالى ذلك و كان بعد قدومهم من هذه الغزوة بأكثر من شهر . جلد الذين تكلموا في الإفك ، و كان ممن جلد مسطح بن أثاثة ، و حمنة بنت جحش .

وقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل ذلك صعد على المنبر فخطب المسلمين واستعذر من عبد الله بن أبي و أصحابه ، " فقال : من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي ؟ و الله ما علمت على أهلي إلا خيراً ، و ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً ، و ما يدخل على أهلي إلا معي " فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل فقال : يا رسول الله ، أنا أعذرك منه ، فإن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك ، فقام سعد بن عبادة فقال كذبت لعمر الله لا تقتله و لا تستطيع قتله ، و لو كان من رهطك لما أحببت أن يقتل . فقال أسيد بن الحضير : و الله لنقتلنه ، فإنك منافق تجادل عن المنافقين فتثاور الحيان حتى كادوا يقتتلون ، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه و سلم يخفضهم و يسكنهم حتى سكنوا .. الحديث .

هكذا وقع في  الصحيحين أن المقاول لسعد بن عبادة هو سعد بن معاذ ، و هذا من المشكلات التي أشكلت على كثير من أهل العلم بالمغازي ، فإن سعد بن معاذ لا يختلف أحد منهم أنه مات إثر قريظة ، وقد كانت عقب الخندق ، وهي سنة خمس على الصحيح . ثم حديث الإفك لا يشك أنه في غزوة بني المصطلق هذه ، وهي غزوة المريسيع . وقال  الزهري  : في غزوة المريسيع . و قد اختلف الناس في الجواب عن هذا ، فقال موسى بن عقبة فيما حكاه البخاري عنه : إن غزوة المريسيع كانت في سنة أربع ، وهذا خلاف الجمهور ، ثم في الحديث ما ينفي ما قال ، لأنها قالت : و ذلك بعد ما أنزل الحجاب ، و لا خلاف أنه نزل صبيحة دخوله صلى الله عليه و سلم بزينب بنت جحش ، وقد سأل صلى الله عليه و سلم زينب عن شأن عائشة في ذلك ، فقالت : أحمي سمعي و بصري . قالت عائشة : و هي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه و سلم . و قد ذكر أهل التواريخ أن تزويجه بها كان في ذي القعدة في سنة خمس فبطل ما كان و لم ينجل الإشكال . و أما الإمام  محمد بن إسحاق بن يسار  فقال : إن غزوة بني المصطلق كانت في سنة ست ، و ذكر فيها حديث الإفك ، إلا أنه قال : عن  الزهري  عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة ، فذكر الحديث . قال : فقام أسيد بن الحضير فقال : أنا أعذرك منه و لم يذكر سعد بن معاذ . قال  أبو محمد بن حزم  : و هذا الصحيح الذي لاشك فيه ، و ذلك عندنا و هم .. و بسط الكلام في ذلك مع اعترافه بأن ذكر سعد جاء من طرق صحاح .

قلت : و هو كما قال إن شاء الله . و قد وقع من هذا النمط في الحديث مما لا يغير حكماً أحاديث ذوات عدد ، وقد نبه الناس على أكثرها ، و قد حاول بعضهم أجوبة لها فتعسف ، و الله سبحانه و تعالى أعلم .       

 

 فصل ـ غزوة الحديبية

و لما كان ذو القعدة من السنة السادسة خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم معتمراً في ألف و نيف قيل : و خمسمائة ، و قيل : و أربعمائة ، و قيل : و ثلاثمائة ، و قيل : غير ذلك . فأما من زعم أنه إنما خرج في سبعمائة فقط غلط .

فلما علم المشركون بذلك جمعوا أحابيشهم و خرجوا من مكة صادين له عن الاعتمار هذا العام ، و قدموا على خيل لهم خالد بن الوليد إلى كراع الغميم .

و خالفه صلى الله عليه و سلم في الطريق فانتهى صلى الله عليه و سلم إلى الحديبية ، و تراسل هو و المشركون حتى جاء سهيل بن عمرو فصالحه على :

أن يرجع عنهم عامهم هذا و أن يعتمر من العام المقبل ، فأجابه صلى الله عليه و سلم إلى ما سأل ، لما جعل الله عز وجل في ذلك من المصلحة و البركة ، و كره ذلك جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ، منهم : عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، و راجع أبا بكر الصديق في ذلك ، ثم راجع النبي صلى الله عليه و سلم ، فكان جوابه صلى الله عليه و سلم ، كما أجابه الصديق رضي الله عنه ، و هو أنه عبد الله و رسوله و ليس يضيعه ، وهو ناصره. وقد استقصى  البخاري  هذا الحديث في  صحيحه  .

فقاضاه سهيل بن عمرو على :

أن يرجع عنهم عامه هذا ، و أن يعتمر من العام المقبل على أن لا يدخل مكة ألا في جلبان السلاح ، وأن لا يقيم عندهم أكثر من ثلاثة أيام .

و على أن يأمن الناس بينهم و بينه عشر سنين .

فكانت هذه الهدنة من أكبر الفتوحات للمسلمين كما قال عبد الله مسعود رضي الله عنه .

و على أنه من شاء دخل في عقد رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و من شاء دخل في عقد قريش . و على أنه لا يأتيه أحد منهم وإن كان مسلماً إلا رده إليهم ، و إن ذهب أحد من المسلمين إليهم لا يردونه إليه . فأقر الله   سبحانه ذلك كله إلا ما استثنى من المهاجرات المؤمنات من النساء : فإنه نهاهم عن ردهن إلى الكفار ، و حرمهن على الكفار يومئذ ، وهذا أمر عزيز ما يقع في الأصول ، و هو تخصيص السنة بالقرآن ، و منهم من عده نسخاً ، كمذهب  أبي حنيفة  و بعض الأصوليين ، و ليس هو الذي عليه أكثر المتأخرين ، و النزاع في ذلك قريب ، إذ يرجع حاصله إلى مناقشة في اللفظ . و قد كان صلى الله عليه و سلم قبل وقوع هذا الصلح بعث عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى أهل مكة يعلمهم أنه لم يجيء لقتال أحد و إنما جاء معتمراً ، فكان من سيادة عثمان رضي الله عنه أنه عرض عليه المشركون الطواف بالبيت ، فأبى عليهم و قال : لا أطوف بها قبل رسول الله صلى الله عليه و سلم .

و لم يرجع عثمان رضي الله عنه ، حتى بلغه صلى الله عليه و سلم أنه قد قتل عثمان ، فحمي لذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم دعا أصحابه إلى البيعة على القتال ، فبايعوه تحت شجرة هناك ، و كانت سمرة ، و كان عدة من بايعه هناك جملة من قدمنا أنه خرج معه إلى الحديبية إلا الجد بن قيس فإنه كان قد استتر ببعير له نفاقاً منه و خذلانا ، و إلا أبا سريحة حذيفة بن أسيد ، فإنه شهد الحديبية ، و قيل : إنه لم يبايع ، و قيل : بل بايع .

إن أول من بايع يومئذ أبو سنان : و هب بن محصن ، أخو عكاشة بن محصن ، و قيل : ابنه سنان بن أبي سنان ، و بايع سلمة بن الأكوع رضي الله عنه يومئذ ثلاث مرات بأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم له بذلك ، كما رواه  مسلم  عنه ، ووضع صلى الله عليه و سلم إحدى يديه عن نفسه الكريمة ثم قال : و هذه عن عثمان رضي الله عنه فكان ذلك أجل من شهوده تلك البيعة . و أنزل الله عز و جل في ذلك : " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك " " و قال صلى الله عليه و سلم : لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار "  

فهذه هي بيعة الرضوان .

" و لما فرغ النبي صلى الله عليه و سلم من مقاضاة المشركين كما قدمنا شرع في التحلل من عمرته و أمر الناس بذلك ، فشق عليهم و توقفوا رجاء نسخه ، فغضب النبي صلى الله عليه و سلم من ذلك ، فدخل على أم سلمة فقال لها ذلك ، فقالت : اخرج أنت يا رسول الله فاذبح هديك واحلق رأسك ، والناس يتبعونك يا رسول الله ، فخرج ففعل ذلك ، فبادر الناس إلى موافقته ، فحلقوا كلهم إلا عثمان بن عفان و أبا قتادة الحارث بن ربعي ، فإنهما قصراً ، " ذكره  السهيلي  في  الروض الأنف  .

و كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً ، لأنهم يرون المشركين قد ألزموهم بشروط كما أحبوا ، و أجابهم صلى الله عليه و سلم إليها و هذا من فرط شجاعتهم رضي الله عنهم و حرصهم على نصر الإسلام ، و لكن الله عز و جل أعلم بحقائق الأمور و مصالحها منهم ، و لهذا لما انصرف صلى الله عليه و سلم راجعاً إلى المدينة أنزل الله عز وجل عليه سورة الفتح بكمالها في ذلك ، و قال عبد الله بن مسعود : إنكم تعدون الفتح فتح مكة و إنما كنا نعده فتح الحديبية ، و صدق رضي الله عنه ، فإن الله سبحانه و تعالى جعل هذه هي السبب في فتح مكة كما سنذكره بعد أن شاء الله تعالى .

و عوض من هذه خيبر سلفاً و تعجيلاً .

بر    

 

 فصل ـ غزوة خيبر

ولما رجع صلى الله عليه و سلم إلى المدينة أقام بها إلى المحرم من السنة السابعة ، فخرج في آخره إلى خيبر ، و نقل عن مالك بن أنس رحمه الله : أن فتح خيبر كان في سنة ست ، و الجمهور على أنها في سنة سبع ، و أما  ابن حزم  فعنه أنها في سنة ست بلا شك ، و ذلك بناء على اصطلاحه ، و هو أنه يرى أن أول السنين الهجرية شهر ربيع الأول الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة مهاجراً ، و لكن لم يتابع عليه ، إذا الجمهور على أن أول التاريخ من محرم تلك السنة ، و كان أول من أرخ بذلك يعلى بن أمية باليمن ، كما رواه  الإمام أحمد بن حنبل  عنه بإسناد صحيح إليه ، [ وقيل : عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذلك في سنة ست عشرة كما بسط ذلك في موضع آخر ] . فسار صلى الله عليه و سلم إليها ، و استخلف على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي فلما انتهى إليها حاصرها حصناً حصناً يفتحه الله عز و جل عليه و يغنمه ، حتى استكملها صلى الله عليه و سلم و خمسها ، و قسم نصفها بين المسلمين ، و كان جملتهم من حضر الحديبية فقط ، و أرصد النصف الآخر لمصالحه ولما ينوبه من أمر المسلمين .

و استعمل اليهود الذين كانوا فيها بعد ما سألوا ذلك عوضاً عما كان صالحهم عليه من الجلاء على أن يعملوها و لرسول الله صلى الله عليه و سلم النصف مما يخرج منها من ثمر أو زرع ، وقد اصطفى صلى الله عليه و سلم من غنائمها صفية بنت حيي بن أخطب لنفسه ، فأسلمت ، فأعتقها ، و تزوجها ، و بنى بها في طريق المدينة بعدما حلت  .

 " و قد أهدت إليه امرأة من يهود خيبر ـ و هي زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم ـ شاة مصلية مسمومة ، فلما انتهش من ذراعها أخبره الذراع أنه مسموم ، فترك الأكل ، و دعا باليهودية فاستخبرها : [ أسممت هذه الشاة ] فقالت : نعم ، فقال : [ ما أردت إلى ذلك ] ؟ فقالت : أردت إن كنت نبياً لم يضرك ، وإن كنت غيره استرحنا منك ، فعفا عنها صلى الله عليه و سلم . و قيل : إن بشر بن البراء بن معرور كان ممن أكل منها ، فمات ، فقتلها به . وقد روى ذلك أبو داود مرسلاً عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف " .

و قدم على النبي صلى الله عليه و سلم في غزوة خيبر بعد فراغهم من القتال جعفر بن أبي طالب و أصحابه ممن بقي مهاجراً بأرض الحبشة ، و صحبتهم أبو موسى الأشعري في جماعة من الأشعريين يزيدون على السبعين . و قدم عليه أبو هريرة و آخرون رضي الله عنهم أجمعين ، فأعطاهم صلى الله عليه و سلم من المغانم كما أراه الله عز وجل ، " و قد قال صلى الله عليه و سلم لجعفر : [ لا أدري بأيهما أنا أسر ، أبفتح خيبر أم بقدوم جعفر ] ؟ " و لما قدم عليه قام و قبل ما بين عينيه . و قد استشهد بخبير من المسلمين نحو عشرين رجلا رضي الله عنهم جميعهم .     

 

 فصل ــ فتح فدك

ولما بلغ أهل فدك ما فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم بأهل خيبر ، بعثوا إليه يطلبون الصلح فأجابهم ، فكانت مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب ، فوضعها صلى الله عليه و سلم حيث أراه الله عز وجل ، ولم يقسمها .

 

 فصل ـ فتح وادي القرى

و رجع إلى المدينة على وادي القرى فافتحه ، و قيل : إنه قاتل فيه . فالله أعلم . و في  الصحيحين  أن غلاماً لرسول الله صلى الله عليه و سلم يدعى مدعماً ، بينما هو يحط رحل رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ جاءه سهم غرب فقتله ، فقال الناس : هنيئاً له الشهادة يا رسول الله ، " فقال : كلا و الذي نفسي بيده ، إن الشملة التي أخذها من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً " .

 

 فصل ـ عمرة القضاء

ولما رجع صلى الله عليه و سلم إلى المدينة أقام بها إلى شهر ذي القعدة فخرج فيه معتمراً عمرة القضاء التي قاضى قريشاً عليها . و منهم من يجعلها قضاء عن عمرة الحديبية حيث صد . و منهم من يقول عمرة القصاص . و الكل صحيح .

 فسار حتى بلغ مكة فاعتمر وطاف بالبيت ، و تحلل من عمرته ، و تزوج بعد إحلاله بميمونة بنت الحارث أم المؤمنين . و تمت الثلاثة أيام ، فبعث إليه المشركون علياً رضي الله عنه يقولون له : اخرج من بلدنا . " فقال : ( و ما عليهم لو بنيت بميمونة عندهم ؟ ( فأبو عليه ذلك " . و قد كانوا خرجوا من مكة حين قدمها صلى الله عليه و سلم عداوة و بغضاً له .

فخرج عليه الصلاة والسلام فبنى بميمونة بسرف و رجع إلى المدينة مؤيداً منصوراً .

 

 فصل ـ بعث مؤتة

و لما كان في جمادى الآخرة من سنة ثمان بعث صلى الله عليه و سلم الأمراء إلى مؤتة ، وهي قرية من أرض  الشام ، ليأخذوا بثأر من قتل هناك من المسلمين . فأمر على الناس زيد بن حارثة مولاه صلى الله عليه و سلم " و  قال : إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب ، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة " .

فخرجوا في نحو من ثلاثة آلاف ، و خرج صلى الله عليه و سلم معهم يودعهم إلى بعض الطريق ، فساروا حتى إذا كانوا بمعان بلغهم أن هرقل ملك الروم قد خرج إليهم في مائة ألف و معه مالك بن زافلة في مائة ألف أخرى من نصارى العرب من لخم و جذام و قبائل قضاعة من بهراء و بلي ، و بلقين فاشتور المسلمون هناك و قالوا : نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يأمرنا بأمره أو يمدنا . فقال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه : يا قوم ! و الله إن الذي خرجتم تطلبون : أمامكم ـ يعني الشهادة ـ و إنكم ما تقاتلون الناس بعدد و لا قوة ، و ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به ، فانطلقوا، فهي إحدى الحسنيين : إما ظهور ، و إما شهادة . فوافقه القوم ، فنهضوا . فلما كانوا بتخوم البلقاء لقوا جموع الروم فنزل المسلمون إلى جنب قرية مؤتة ، و الروم على قرية يقال لها مشارف ، ثم التقوا فقاتلوا قتالا عظيماً.

و قتل أمير المسلمين زيد بن حارثة رضي الله عنه و الراية في يده ، فتناولها جعفر ، ونزل عن فرس له شقراء فعقرها ، و قاتل حتى قطعت يده اليمنى ، فأخذ الراية بيده الأخرى فقطعت أيضاً ، فاحتضن الراية ثم قتل    رضي الله عنه عن ثلاث وثلاثين سنة على الصحيح . فأخذ الراية عبد الله بن رواحة الأنصاري رضي الله عنه ، وتلوم بعض التلوم ثم صمم و قاتل حتى قتل ، فيقال : إن ثابت بن أقرم أخذ الراية و أراد المسلمون أن يؤمروه عليهم فأبى ، فأخذ الراية خالد بن الوليد رضي الله عنه فانحاز بالمسلمين ، و تلطف حتى خلص المسلمون من العدو ،ففتح الله على يديه كما أخبر بذلك كله رسول الله صلى الله عليه و سلم أصحابه الذين بالمدينة يومئذ و هو قائم على المنبر ، فنعى إليهم الأمراء ، واحداً واحداً و عيناه تذرفان صلى الله عليه و سلم ، والحديث في الصحيح . و جاء الليل فكف الكفار عن القتال .

و مع كثرة هذا العدو و قلة عدد المسلمين بالنسبة إليهم لم يقتل من المسلمين خلق كثير على ما ذكره أهل السير ، فإنهم لم يذكروا فيما سموا إلا نحو العشرة . و كر المسلمون راجعين ، ووقى الله شر الكفرة وله الحمد والمنة ، إلا أن هذه الغزوة كانت إرهاصاً لما بعدها من غزو الروم ، و إرهاباً لأعداء الله و رسوله .

 

 فصل ـ غزوة فتح مكة

نذكر فيه ملخص غزوة فتح مكة التي أكرم الله عز وجل بها رسوله ، و أقر عينه بها ، و جعلها علما ظاهراً على إعلاء كلمته و إكمال دينه و الاعتناء بنصرته .

وذلك لما دخلت خزاعة ـ كما قدمنا ـ عام الحديبية في عقد رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و دخلت بنو بكر في عقد قريش و ضربت المدة إلى عشر سنين ، أمن الناس بعضهم بعضاً ، و مضى من المدة سنة ومن الثانية نحو تسعة أشهر ، فلم تكمل حتى غدا نوفل بن معاوية الديلي فيمن أطاعه من بني بكر بن عبد مناة فبيتوا خزاعة على ماء لهم يقال له الوتير ، فاقتتلوا هناك بذحول كانت لبني بكر على خزاعة من أيام الجاهلية ، و أعانت قريش بني بكر على خزاعة بالسلاح ، و ساعدهم بعضهم بنفسه خفية ، و فرت خزاعة إلى الحرم فاتبعهم بنو بكر إليه ، فذكر قوم نوفل نوفلاً بالحرم ، و قالوا : اتق إلهك . فقال لا إله له اليوم ، و الله يا بني بكر إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تدركون فيه ثأركم ؟ قلت : قد أسلم نوفل هذا بعد ذلك ، و عفا الله عنه ، و حديثه مخرج في  الصحيحين  رضي الله عنه . و قتلوا من خزاعة رجلاً يقال له منبه ، و تحصنت خزاعة في دور مكة ، فدخلوا دار بديل بن ورقاء ، و دار مولى لهم يقال له : رافع ، فانتفض عهد قريش بذلك .

فخر ج عمرو بن سالم الخزاعي و بديل بن ورقاء الخزاعي [ و قوم من خزاعة ] حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فأعلموه بما كان من قريش و استنصروه عليهم ، فأجابهم صلى الله عليه و سلم و بشرهم بالنصر ، و أنذرهم أن أبا سفيان سيقدم عليهم مؤكداً العقد و أنه سيرده بغير حاجة . فكان ذلك ، و ذلك أن قريشاً ندموا على ما كان منهم ، فبعثوا أبا سفيان ليشد العقد الذي بينهم و بين محمد صلى الله عليه و سلم و يزيد في الأجل ، فخرج ، فلما كان بعسفان لقي بديل بن ورقاء وهو راجع من المدينة ، فكتمه بديل ما كان من رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و ذهب أبو سفيان حتى قدم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة زوج رسول الله صلى الله عليه و سلم و رضي الله عنها ، فذهب ليقعد على فراش رسول الله صلى الله عليه و سلم فمنعته ، و قالت : إنك رجل مشرك نجس . فقال : و الله يا بنية لقد أصابك بعدي شر . ثم جاء رسول الله صلى الله عليه و سلم فعرض عليه ما جاء له ، فلم يجبه صلى الله عليه و سلم بكلمة واحدة . ثم ذهب إلى أبي بكر رضي الله عنه فطلب منه أن يكلم رسول الله صلى الله عليه و سلم فأبى عليه ، ثم جاء إلى عمر رضي الله عنه فأغلظ له ، و قال : أنا أفعل ذلك ؟ ! و الله لو لم أجد إلا الذر لقاتلتكم به . و جاء علياً رضي الله عنه فلم يفعل ، و طلب من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم و رضي الله عنها أن تأمر ولدها الحسن أن يجير بين الناس ، فقالت : ما بلغ بني ذلك ، وما يجيل أحد على رسول الله صلى الله عليه و سلم . فأشار عليه علي رضي الله عنه أن يقوم هو فيجير بين الناس ، ففعل . و رجع إلى مكة فأعلمهم بما كان منه و منهم ، فقالوا : و الله ما زاد ـ يعنون علياً ـ أن لعب بك 0

ثم شرع رسول الله صلى الله عليه و سلم في الجهاز إلى مكة ، و سأل الله عز وجل أن يعمي على قريش الأخبار ، فاستجاب له ربه تبارك وتعالى ، و لذلك لما كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى أهل مكة يعلمهم فيه بما هم به رسول الله صلى الله عليه و سلم من القدوم على قتالهم و بعث به مع امرأة ، و قد تأول في ذلك مصلحةً تعود عليه رحمه الله ، وقبل ذلك منه  رسول الله صلى الله عليه و سلم و صدقه ، لأنه كان من أهل بدر : و بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم علياً و الزبير و المقداد رضي الله عنهم ، فردوا تلك المرأة من روضة خاخ ، و أخذوا منها الكتاب و كان هذا من إعلام الله عز وجل نبيه صلى الله عليه و سلم بذلك و من أعلام نبوته صلى الله عليه و سلم . و خرج صلى الله عليه و سلم لعشر خلون من رمضان في عشرة آلاف مقاتل من المهاجرين و الأنصار و قبائل العرب ،و قد ألفت مزينة و كذا بنو سليم على المشهور رضي الله عنهم جميعهم .

و استخلف صلى الله عليه و سلم على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين .

و لقيه عمه العباس بذي الحليفة ، و قيل : بالجحفة فأسلم . ورجع معه صلى الله عليه و سلم ، وبعث ثقله إلى المدينة .

و لما انتهى صلى الله عليه و سلم إلى نيق العقاب جاءه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، و عبد الله بن أبي أمية أخو أم سلمة مسلمين ، فطردهما ، فشفعت فيهما أم سلمة ، و أبلغته عنهما ما رقته عليهما ، فقبلهما ، فأسلما أتم إسلام رضي الله عنهما ، بعد ما كانا أشد الناس عليه صلى الله عليه و سلم .

و صام صلى الله عليه و سلم حتى بلغ ماء يقال له : الكديد ، بين عسفان و أمج من طريق مكة ، فأفطر بعد العصر على راحته ليراه الناس ، و أرخص للناس في الفطر ، ثم عزم عليهم في ذلك ، فانتهى صلى الله عليه و سلم حتى نزل بمر الظهران فبات به .

و أما قريش فعمى الله عليها الخبر ، إلا أنهم قد خافوا و توهموا من ذلك ، فلما كانت تلك الليلة خرج ابن حرب ، و بديل بن ورقاء ، و حكيم بن حزام يتجسسون الخبر ، فلما رأوا النيران أنكروها ، فقال بديل : هي نار خزاعة ، فقال أبو سفيان : خزاعة أقل من ذلك .

    و ركب العباس بغلة رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلتئذ ، و خرج من الجيش لعله يلقى أحداً ، فلما سمع أصواتهم عرفهم ، فقال : أبا حنظلة ! فعرفه أبو سفيان ، فقال : أبو الفضل ؟ قال نعم . قال ما وراءك ؟ قال ويحك .. هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم في الناس ، و اصباح قريش ! . . قال : فما الحيلة ؟ قال و الله لئن ظفر بك ليقتلنك ، و لكن اركب ورائي و أسلم . فركب وراءه و انطلق به ، فمر في الجيش كلما أتى على قوم يقولون : هذا عم رسول الله صلى الله عليه و سلم على بغلة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، حتى مر بمنزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فلما رآه قال : عدو الله ؟ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد .

و يركض العباس البغلة ، و يشتد عمر رضي الله عنه في جريه ، وكان بطيئاً ، فسبقه العباس ، فأدخله على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وجاء عمر في أثره ، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه و سلم في ضرب عنقه ، فأجاره العباس مبادرة ، فتقاول هو وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، فأمره صلى الله عليه و سلم أن يأتيه به غداً ، فلما أصبح أتى به رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فعرض عليه الإسلام فتلكأ قليلاً ، ثم زجره العباس فأسلم ، فقال العباس : يا رسول الله ! إن أبا سفيان يحب الشرف ، فقال صلى الله عليه و سلم " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، و من أغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن " .

قال  ابن حزم  : هذا نص في أنها فتحت صلحاً لا عنوة .

قلت : هذا أحد أقوال العلماء و هو الجديد من مذهب  الشافعي  . و استدل على ذلك أيضاً بأنها لم تخمس ولم تقسم . و الذين ذهبوا إلى أنها فتحت عنوة استدلوا بأنهم قد قتلوا من قريش يومئذ عند الخندمة نحواً من عشرين رجلاً ، و استدلوا بهذا اللفظ أيضاً : [ فهو آمن ] و المسألة يطول تحريرها ها هنا . و قد تناظر الشيخان في هذه المسألة ـ أعني  تاج الدين الفزاري  ، و  أبا ز كريا النووي  ـ و مسألة قسمة الغنائم .

و الغرض أنه صلى الله عليه و سلم أصبح يومه ذلك سائراً إلى مكة ، و قد أمر صلى الله عليه و سلم العباس أن يوقف أبا سفيان عند خطم الجبل ، لينظر إلى جنود الإسلام إذا مرت عليه .  

و قد جعل صلى الله عليه و سلم أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه على المقدمة ، و خالد بن الوليد رضي الله عنه على الميمنة ، و الزبير بن العوام رضي الله عنه على الميسرة ، و رسول الله صلى الله عليه و سلم في القلب ، و كان أعطى الراية سعد بن عبادة رضي الله عنه ، فبلغه أنه قال لأبي سفيان حين مر عليه : يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة ـ و الحرمة هي الكعبة ـ فلما شكا أبو سفيان ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " بل هذا يوم تعظم فيه الكعبة " . فأمر بأخذ الراية من سعد فتعطى علياً ، و قيل : الزبير ، و هو الصحيح . و أمر صلى الله عليه و سلم الزبير أن يدخل من كداء من أعلى مكة ، و أن تنصب رايته بالحجون ، و أمر خالداً أن يدخل من كدى من أسفل مكة ، و أمرهم بقتال من قاتلهم . و كان عكرمة بن أبي جهل ، و صفوان بن أمية ، و سهيل بن عمرو ، قد جمعوا جمعاً بالخندمة ، فمر بهم خالد بن الوليد فقاتلهم ، فقتل من المسلمين ثلاثة و هم : كرز بن جابر من بني محارب بن فهر ، و حبيش بن خالد بن ربيعة بن أصرم الخزاعي ، و سلمة بن الميلاء الجهني ، رضي الله عنهم . وقتل من المشركين ثلاثة عشر رجلاً ، و فر بقيتهم .

و دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم مكة و هو راكب على ناقته و على رأسه المغفر ، و رأسه يكاد يمس مقدمة الرحل من تواضعه لربه عز و جل . و قد أمن صلى الله عليه و سلم الناس إلا عبد العزى بن خطل ، و عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، و عكرمة بن أبي جهل ، و مقيس بن صبابة ، و الحويرث بن نقيذ ، و قينتين لابن خطل ، و هما فرتنا و صاحبتها ، و سارة مولاة لبني عبد المطلب ، فإنه صلى الله عليه و سلم أهدر دمائهم ،و أمر بقتلهم حيث و جدوا ، حتى و لو كانوا متعلقين بأستار الكعبة فقتل ابن خطل ، و هو متعلق بالأستار ، و مقيس ابن صبابة ، و الحويرث بن نقيذ ، و إحدى القينتين ، وآمن الباقون .

و نزل صلى الله عليه و سلم مكة و اغتسل في بيت أم هانئ و صلى ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين ، فقيل إنها صلاة الضحى . وقيل : صلاة الفجر . قال  السهيلي  : و قد صلاها سعد بن أبي وقاص في إيوان كسرى ، إلا أنه صلى ثماني ركعات بتسليم واحد . و ليس كما قال ، بل يسلم من كل ركعتين كما رواه  أبو داود . و خرج صلى الله عليه و سلم إلى البيت فطاف به طواف قدوم ، ولم يسع ، و لم يكن معتمراً .

و دعا بالمفتاح ، فدخل البيت و أمر بإلقاء الصور و محوها منه ، و أذن بلال يومئذ على ظهر الكعبة ، ثم رد

صلى الله عليه و سلم المفتاح إلى عثمان بن طلحة بن أبي طلحة . و أقرهم على السدانة . 

و كان الفتح لعشر بقين من رمضان .

" و استمر صلى الله عليه و سلم مفطراً بقية الشهر يصلي ركعتين ، و يأمر أهل مكة أن يتموا "، كما رواه  النسائي  بإسناد حسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه ، و خطب صلى الله عليه و سلم الغد من يوم الفتح فبين حرمة مكة وأنها لم تحل لأحد قبله و لا تحل لأحد بعده ، و قد أحلت له ساعة من نهار ، و هي غير ساعته تلك حرام .

و بعث صلى الله عليه و سلم السرايا إلى من حول مكة من أحياء العرب يدعوهم إلى الإسلام ، و كان في جملة تلك البعوث بعث خالد إلى بني جذيمة الذين قتلهم خالد حين دعاهم إلى الإسلام ، فقالوا : صبأنا ، ولم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا ، فوداهم رسول الله صلى الله عليه و سلم و تبرأ من صنيع خالد بهم .

و كان أيضاً في تلك البعوث بعث خالد أيضاً إلى العزى ، و كان بيتاً تعظمه قريش و كنانة و جميع مضر ، فدمرها رضي الله عنه من إمام و شجاع . و كان عكرمة بن أبي جهل قد هرب إلى اليمن ، فلحقته امرأته وهي مسلمة و هي أم حكيم بنت الحارث بن هشام ، فردته بأمان رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فأسلم وحسن إسلامه ، و كذا صفوان بن أمية كان قد فر إلى اليمن ، فتبعه صاحبه في الجاهلية عمير بن وهب بأمان رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فرده ، وسيره صلى الله عليه و سلم أربعة أشهر ، فلم تمض حتى أسلم و حسن إسلامه رضي الله عنه .

 فصل ـ غزوة حنين

و لما بلغ فتح مكة هوزان جمعهم مالك بن عوف النصري ، فاجتمع إليه ثقيف و قومه بنو نصر بن معاوية ، و بنو جشم ، و بنو سعد بن بكر ، و بشر من بني هلال بن عامر ، و قد استصحبوا معهم أنعامهم و نساءهم لئلا يفروا ، فلما تحقق ذلك دريد بن الصمة شيخ بني جشم ـ و كانوا قد حملوه في هودج لكبره تيمناً برأيه ـ أنكر ذلك على مالك بن عوف النصري وهجنه ، و قال : إنها إن كانت لك لم ينفعك ذلك ، و إن كانت عليك فإن المنهزم لا يرده شيء . و حرضهم على ألا يقاتلوا إلا في بلادهم ، فأبوا عليه ذلك و اتبعوا رأي مالك بن عوف ، فقال دريد : هذا يوم لم أشهده و لم يغب عني .

و بعث صلى الله عليه و سلم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي فاستعلم له خبر القوم وقصدهم ، فتهيأ رسول الله صلى الله عليه و سلم للقائهم ، و استعار من صفوان بن أمية أدراعاً ، قيل : مائة . و قيل : أربعمائة . و اقترض منه جملة من المال ، و سار إليهم في العشرة آلاف الذين كانوا معه في الفتح ، و ألفين من طلقاء مكة ، و شهد معه صفوان بن أمية حنيناً و هو مشرك ، و ذلك في شوال من هذه السنة ، و استخلف على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العيص أمية بن عبد شمس ، و له نحو عشرين سنة .

و مر صلى الله عليه و سلم في مسيره ذلك على شجرة يعظمها المشركون يقال لها ذات أنواط ، فقال بعض جهال العرب : اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط . فقال : " قلتم ـ و الذي نفسي بيده ـ كما قال قوم موسى : اجعل لنا إلهاً كما لهم ألهة ، لتركبن سنن من كان قبلكم " .

ثم نهض صلى الله عليه و سلم فوافى حنيناً ، و هو واد حدور من أودية تهامة . و قد كمنت لهم هوازن فيه ، و ذلك في عماية الصبح ، فحملوا على المسلمين حملة رجل واحد ، فولى المسلمون لا يلوي أحد على أحد ، فذلك قوله تعالى : " ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين " و ذلك أن بعضهم قال : لن نغلب اليوم من قلة . و ثبت رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و لم يفر ، و معه من الصحابة : أبو بكر ، و عمر ، و علي ، و عمه العباس ، و ابناه : الفضل ، و قثم ، و أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، و ابنه جعفر ، و آخرون . و هو صلى الله عليه و سلم يومئذ راكب بغلته التي أهداها له فروة بن نوفاسة الجذامي ، و هو يركضها إلى وجه العدو ، و العباس آخذ بحكمتها يكفها عن التقدم ، و هو صلى الله عليه و سلم ينوه باسمه يقول : ( أنا النبي لا كذب .. أنا ابن عبد المطلب ( .

ثم أمر العباس ، و كان جهير الصوت ، أن ينادي : يا معشر الأنصار ، يا معشر أصحاب الشجرة ، يا معشر أصحاب السمرة ، فلما سمعه المسلمون و هم فارون كروا وأجابوه : لبيك لبيك ، و جعل الرجل إذا لم يستطع أن يثني بعيره لكثرة المنهزمين ، نزل عن بعيره و أخذ درعه فلبسها ، و أخذ سيفه و ترسه ، و يرجع راجلاً إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، حتى إذا اجتمع حوله عصابة منهم نحو المائة ، استقبلوا هوزان فا جتلدوا هم و   إياهم ، و اشتدت الحرب ، و ألقى الله في قلوب هوازن الرعب حين رجعوا ، فلم يملكوا أنفسهم ، و رماهم صلى الله عليه و سلم بقبضة حصى بيده ، فلم يبقى منهم أحد إلا ناله منها ، و فسر قوله تعالى : " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " بذلك . و عندي في ذلك نظر ، لأن الآية نزلت في قصة بدر كما تقدم .

و تفر هوازن بين يدي المسلمين ، و يتبعونهم يقتلون و يأسرون ، فلم يرجع آخر الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا و الآسارى بين يده ، و حاز صلى الله عليه و سلم أموالهم و عيالهم .

و انحازت طوائف من هوازن إلى أوطاس ، فبعث صلى الله عليه و سلم إليهم أبا عامر الأشعري و اسمه عبيد و معه ابن أخيه أبو موسى الأشعري حاملا راية المسلمين في جماعة من المسلمين ، فقتلوا منهم خلقاً . و قتل أمير المسلمين أبو عامر ، رماه رجل فأصاب ركبته ، و كان منها حتفه ، فقتل أبو موسى قاتله ، و قيل : بل أسلم قاتله بعد ذلك ، وكان أحد إخوة عشرة قتل أبو عامر التسعة قبله ، فالله أعلم . و لما أخبر أبو موسى رسول الله صلى الله عليه و سلم بذلك استغفر صلى الله عليه و سلم لأبي عامر .

 و كان أبو عامر رابع أربعة استشهدوا يوم حنين ، و الثاني أيمن بن أم أيمن ، و الثالث يزيد بن زمعة بن الأسود ، و الرابع سراقة بن الحارث بن عدي من بني العجلان من الأنصار رضي الله عنهم .

و أما المشركون فقتل منهم خلق كثير ( نحو الأربعين (

و في هذه الغزوة قال صلى الله عليه و سلم : " من قتل قتيلاً فله سلبه " في قصة أبي قتادة رضي الله عنه . 

      

 

 فصل ـ غزوة الطائف ـ

و أما ملك هوازن وهو مالك بن عوف النصري فإنه حين انهزم جيشه دخل مع ثقيف حصن الطائف . و رجع صلى الله عليه و سلم من حنين فلم يدخل مكة حتى أتى الطائف فحاصرهم ، فقيل : بضع وعشرون ليلة ، و قيل :

 بضعة عشرة ليلة . قال  ابن حزم  و هو الصحيح بلا شك . قلت : ما أدري من أين صحح هذا ؟ بل كأنه أخذه من قوله صلى الله عليه و سلم لهوازن حين أتوه مسلمين بعد ذلك : " لقد كنت استأنيت بكم عشرين ليلة " و في الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال  : فحاصرناهم أربعين يوماً ـ يعني ثقيفاً ـ فاستعصوا و تمنعوا ، و قتلوا جماعة من المسلمين بالنبل و غيره .

و قد خرب صلى الله عليه و سلم كثيراً من أموالهم الظاهرة و قطع أعنابهم ، و لم ينل منهم كبيرهم شيء ، فرجع عنهم فأتى الجعرانة ،فأتاه وفد هوازن هنالك مسلمين ، و ذلك قبل أن يقسم الغنائم ، فخيرهم صلى الله عليه و سلم بين ذراريهم و بين أموالهم ، فاختاروا الذرية ،فقال صلى الله عليه و سلم : " أما ما كان لي و لبني عبد المطلب فهو لكم " ، قال المهاجرون و الأنصار : و ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه و سلم . وامتنع الأقرع بن حابس و عيينة بن حصن و قومهما حتى أرضاهما و عوضهما صلى الله عليه و سلم . و أراد العباس بن مرداس السلمي أن يفعل كفعلهما ، فلم توافقه بنو سليم ، بل طيبوا ما كان لهم لرسول الله صلى الله عليه و سلم ، فردت الذرية على هوازن ، و كانوا ستة آلاف ، فيهم الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى من بني سعد بن بكر بن هوزان ، و هي أخت رسول الله صلى الله عليه و سلم من الرضاعة ، فأكرمها و أعطاها ، و رجعت إلى بلادها مختارةً لذلك ، و قيل : كانت هوازن متوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم برضاعتهم إياه .

ثم قسم صلى الله عليه و سلم بقيته على المسلمين ، و تألف جماعةً من سادات قريش و غيرهم ، فجعل يعطي الرجل المائة بعير ، و الخمسين ، و نحو ذلك . و في  صحيح مسلم  عن  الزهري  أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أعطى يومئذ صفوان بن أمية ثلاثمائة من الإبل .

و عتب بعض الأنصار ، فبلغه ،فخطبهم وحدهم ، و امتن عليهم بما أكرمهم الله من الإيمان به ، و بما أغناهم الله به بعد فقرهم ، و ألف بينهم بعد العداوة التامة ، فرضوا و طابت أنفسهم رضي الله عنهم و أرضاهم . و طعن ذو الخويصرة التميمي ، و اسمه حرقوص ـ فيما قيل ـ على النبي صلى الله عليه و سلم في قسمته تلك ، و صفح عنه صلى الله عليه و سلم و حلم ، بعد ما قال له بعض الأمراء : ألا نضرب عنقه ؟ فقال : لا . ثم قال : " إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم " .

و استعمل صلى الله عليه و سلم مالك بن عوف النصري على من أسلم من قومه ، و كان قد أسلم و حسن إسلامه ، و امتدح رسول الله صلى الله عليه و سلم في قصيدة ذكرها  ابن إسحاق  . و اعتمر صلى الله عليه و سلم من الجعرانة و دخل مكة ، فلما قضى عمرته ارتحل إلى المدينة ، و أقام للناس الحج عامئذ عتاب بن أسيد رضي الله عنه ، فكان أول من حج بالناس من أمراء المسلمين .        

 

 فصل ـ غزوة تبوك

و لما أنزل الله عز و جل على رسول " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " ندب رسول الله صلى الله عليه و سلم أهل المدينة و من حولهم من الأعراب إلى الجهاد ، و أعلمهم بغزو الروم ، و ذلك في رجب من سنة تسع ، وكان لا يريد غزوة إلا ورى بغيرها ، إلا غزوته هذه ، فإنه صرح لهم بها ليتأهبوا ، لشدة عدوهم و كثرته ، و ذلك حين طابت الثمار ، و كان ذلك في سنة مجدبة ، فتأهب المسلمون لذلك . و أنفق عثمان بن عفان رضي الله عنه على هذا الجيش و هو جيش العسرة مالاً جزيلاً فقيل : ألف دينار . و قال بعضهم : إنه حمل على ألف بعير و مائة فرس و جهزها أتم جهاز حتى لم يفقدوا عقالاً و خطاماً ، رضي الله عنه . و نهض صلى الله عليه و سلم في نحو من ثلاثين ألفاً ، و استخلف على المدينة محمد بن مسلمة و قيل : سباع بن عر فطة : و قيل : علي بن أبي طالب رضي الله عنه . و الصحيح أن علياً كان خليفة له على النساء و الذرية ، و لهذا لما آذاه المنافقون فقالوا : تركه على النساء و الذرية ، لحق رسول الله صلى الله عليه و سلم فشكا إليه ذلك ، فقال : " ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ غير أنه لا نبي بعدي " و قد خرج معه عبد الله بن أبي رأس النفاق ، ثم رجع من أثناء الطريق . و تخلف عن رسول الله صلى الله عليه و سلم النساء و الذرية ، و من عذره الله من الرجال ممن لا يجد ظهراً يركبه أو نفقة تكفيه ، فمنهم البكاؤون ، و كانوا سبعة : سالم بن عمير ، و علبة بن زيد ، و أبو ليلى عبد الرحمن بن كعب ، و عمر بن الحمام ، و عبد الله بن المغفل المزني ، و هرمي بن عبد الله و عرباض بن سارية الفزازي ، رضي الله عنهم .

و تخلف منافقون كفراً و عناداً و كانوا نحوالثمانين رجلاً .

و تخلف عصاة مثل : مرارة بن الربيع ، و كعب بن مالك ، و هلال بن أمية . ثم تاب الله عليهم بعد قدومه صلى الله عليه و سلم بخمسين ليلة . فسار صلى الله عليه و سلم فمر في طريقه بالحجر ، فأمرهم أن لا يدخلوا عليهم بيوتهم إلا أن يكونوا باكين ، و أن لا يشربوا إلا من بئر الناقة ، و ما كانوا عجنوا به من غيره فليطعموه للإبل . و جازها صلى الله عليه و سلم مقنعاً . فبلغ صلى الله عليه و سلم تبوك و فيها عين تبض بشيء من ماء قليل ، فكثرت ببركته ، مع ما شوهد من بركة دعائه في هذه الغزوة ، من تكثير الطعام الذي كان حاصل الجيش جميعه منه مقدار العنز الباركة ، فدعا الله عز و جل فأكلوا منه و ملؤوا كل وعاء كان في ذلك الجيش ، و كذا لما عطشوا دعا الله تعالى فجاءت سحابة فأمطرت ، فشربوا حتى رووا و احتملوا ، ثم و جدوها لم تجاوز الجيش . و من آيات أخر كثيرة احتاجوا إليها في ذلك الوقت .

و لما انتهى إلى هناك لم يلق غزواً ، و رأى أن دخولهم إلى أرض الشام بهذه السنة يشق عليهم ، فعزم على الرجوع . وصالح صلى الله عليه و سلم يحنة بن رؤبة صاحب أيلة ، و بعث خالداً إلى أكيدر دومة ، فجيء به فصالحه أيضاً ، ورده ، ثم رجع صلى الله عليه و سلم و بعد رجوعه أمر بهدم مسجد الضرار ، و كان قد أخرج من دار خزام بن خالد ، و هدمه بأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم مالك بن الدخشم أخو بني سالم ، أحد رجال بدر ، و آخر معه اختلف فيه ، و هو المسجد الذي نهى الله رسوله أن يقوم فيه أبداً . و كان رجوعه من هذه الغزاة في رمضان من سنة تسع ، و أنزل فيها عامة سورة التوبة ، و عاتب الله عز وجل من تخلف عنه صلى الله عليه و سلم ، فقال عز و جل : " ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه " الآية و التي تليها ، ثم قال : " وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " ، فبان لك من هذا و اتضح ما اختلف فيه ، و هو أن طائفة النافرة هم الذين يتفقهون في الدين بصحبتهم رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذه الغزوة ، و إذا رجعوا أنذروا قومهم ليحذروا مما تجدد بعدهم من الدين ، و الله سبحانه و تعالى أعلم .

   

 

 فصل ـ قدوم وفد ثقيف

و قدم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه و سلم في رمضان هذه السنة فأسلموا ، و كان سبب ذلك أن عروة بن مسعود سيدهم كان قد جاء رسول الله صلى الله عليه و سلم منصرفه من حنين و الطائف و قبل و صوله إلى المدينة ، فأسلم و حسن إسلامه و استأذن رسول الله  صلى الله عليه و سلم في الرجوع إلى قومه ليدعوهم إلى الله عز و جل ، فأذن له وهو يخشى عليه ، فلما رجع إليهم و دعاهم إلى الإسلام رموه بالنبل فقتلوه . ثم إنهم ندموا و رأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فبعثوا وفدهم إليه في رمضان كما قدمنا ، و كانوا ستة ، فأول من بصر بهم المغيرة بن شعبة الثقفي ، وكان يرعى ، فترك ذلك وأقبل بهم على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و علمهم في الطريق كيف يسلمون عليه ، و سبق أبو بكر الصديق رضي الله عنه المغيرة و بشر رسول الله صلى الله عليه و سلم بقدومهم . فأنزلهم عليه الصلاة و السلام في المسجد و ضرب لهم فيه قبة ، و كان السفير بينهم و بينه خالد بن سعيد بن العاص . و كان الطعام يأتيهم من عند النبي صلى الله عليه و سلم فلا يأكونه حتى يأكل خالد قبلهم ، فأسلموا و اشترطوا أن تبقى عندهم طاغيتهم اللات ، و أن لا تهدم ، فلم يجيبهم صلى الله عليه و سلم إلى ذلك . و سألوا أن يخفف عنهم بعض الصلوات فلم يجبهم إلى ذلك . فسألوا أن لا يهدموا بأيديهم طاغيتهم ، فأجابهم إليه . و بعث معهم أبا سفيان صخر بن حرب و المغيرة بن شعبة لهدمها فهدمها . و عظم ذلك على نساء ثقيف ، و اعتقدوا أن يصيبهم منها سوء ، و قد طنز بهم المغيرة بن شعبة حين هدمها فخر صريعاً ، و ذلك بتواطؤ منه و من أبي سفيان ، ليوهمهم أن ذلك منها ، ثم قام يبكتهم و يقرعهم رضي الله عنه . فأسلموا و حسن إسلامهم . و جعل صلى الله عليه و سلم إمامهم أحد الستة الذين قدموا عليه و هو عثمان بن أبي العاص ، و كان أحدثهم سناً ، لما رأى من حرصه على قراءة القرآن و تعلمه الفرائض وأمره أن يتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً ، و أن يقتدي بأضعفهم . 

 

 فصل ـ حجة الصديق و تواتر الوفود و بعث الرسل

و بعث صلى الله عليه و سلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه أميراً على الحج هذه السنة ، و أردفه علياً رضي الله عنه بسورة براءة : أن لا يحج بعد العام مشرك ، و لا يطوف بالبيت عريان ، و ينبذ إليهم عهودهم إلا من كان ذا عهد مقدر فعهده إلى مدته .

و تواترت الوفود هذه السنة و ما بعدها على رسول الله صلى الله عليه و سلم مذعنة بالإسلام و داخلين في دين الله أفواجاً كما قال تعالى : " إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا " .

و بعث صلى الله عليه و سلم معاذ بن جبل إلى اليمن و معه أبو موسى الأشعري رضي الله عنهما ، و بعث الرسل إلى ملوك الأقطار يدعوهم إلى الإسلام . و انتشرت الدعوة ، و علت الكلمة ، و جاء الحق ، و زهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقاً .  

 

 فصل ـ حجة الوداع

نذكر فيه ملخص حجة الوداع و كيفيتها بعون الله و منه و حسن توفيقه و هدايته ، فنقول و بالله التوفيق :

صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم الظهر يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة من سنة عشر بالمدينة ، ثم خرج منها بمن معه من المسلمين من أهل المدينة ومن تجمع من الأعراب ، فصلى العصر بذي الحليفة ركعتين ، و بات بها .

وأتاه آت من ربه عز وجل في ذلك الموضع ـ وهو وادي العقيق ـ يأمره عن ربه عز وجل أن يقول في حجته هذه : حجة في عمرة . و معنى هذا أن الله أمره أن يقرن الحج مع العمرة ، فأصبح صلى الله عليه و سلم فأخبر الناس بذلك ، فطاف على نسائه يومئذ بغسل واحد ، و هن تسع ، و قيل : إحدى عشرة . ثم اغتسل وصلى في المسجد ركعتين ، و أهل بحجة و عمرة معاً . هذا الذي رواه بلفظه و معناه عنه صلى الله عليه و سلم ستة عشر صحابياً ، منهم خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه ، و قد رواه عنه صلى الله عليه و سلم ستة عشر تابعياً ، و هو صريح لا يحتمل التأويل ، إلا أن يكون بعيداً ، و ما عدا ذلك مما جاء من الأحاديث الموهمة التمتع أو ما يدل على الإفراد ، فلها محل غير هذا تذكر فيه . و القران في الحج عند أبي حنيفة هو الأفضل ، و روي فيه عن  الإمام أحمد بن حنبل  قول ، و عن الإمام  أبي عبد الله الشافعي  ، و قد نصره جماعة من محققي أصحابه ، و هو الذي يحصل به الجمع بين الأحاديث كلها . و من العلماء من أوجبه ، و الله أعلم .

 و ساق صلى الله عليه و سلم الهدي من ذي الحليفة ، و أمر من كان معه هدي أن يهل كما أهل صلى الله عليه و سلم .

و سار صلى الله عليه و سلم و الناس بين يديه و خلفه ، و عن يمينه و شماله أمماً لا يحصون كثرة ، كلهم قدم ليأتم به صلى الله عليه و سلم .

 فلما قدم صلى الله عليه و سلم  مكة طاف للقدوم ، ثم سعى بين الصفا و المروة ، و أمر الذين لم يسوقوا هدياً أن يفسخوا حجهم إلى عمرة و يتحللوا حلاً تاماً ، ثم يهلوا بالحج و قت خروجهمم إلى منى ، ثم قال : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي و لجعلتها عمرة " فدلك هذا أنه لم يكن متمتعاً قطعاً ، خلافاً لزاعمي ذلك من أصحاب  الإمام أحمد  و غيرهم و قدم علي رضي الله عنه من اليمن فقال صلى الله عليه و سلم : " بم أهللت ؟ قال : بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه و سلم . فقال له النبي صلى الله عليه و سلم : إني سقت الهدي وقرنت ". روى هذا اللفظ  أبو داود  و غيره من الأئمة بإسناد صحيح ، فهذا صريح في القران ، و قدم علي رضي الله عنه من اليمن هدياً ، و أشركه صلى الله عليه و سلم في هديه أيضاً ، و كان حاصلها مائة بدنة .

ثم خرج صلى الله عليه و سلم إلى منى فبات بها و كانت ليلة الجمعة التاسع من ذي الحجة . ثم أصبح فسار إلى عرفة و خطب تحت سمرة خطبة عظيمة ، شهدها من أصحابه نحو من أربعين ألفاً رضي الله عنهم أجمعين ، و جمع بين الظهر و العصر ثم و قف بعرفة . ثم بات بالمزدلقة ، و جمع بين المغرب والعشاء ليلتئذ ، ثم أصبح فصلى الفجر في أول وقتها .

ثم سار قبل طلوع الشمس إلى منى ، فرمى جمرة العقبة ، و نحر ، و حلق .

ثم أفاض فطاف بالبيت طواف الفرض و هو طواف الزيارة ، و اختلف أين صلى الظهر يومئذ ، و قد أشكل ذلك على كثير من الحفاظ .

ثم حل من كل شيء حرم منه صلى الله عليه و سلم .

و خطب ثاني يوم النحر خطبة عظيمة أيضاً ، و وصى و حذر و أنذر و أشهدهم على أنفسهم أنه بلغ الرسالة . فنحن نشهد أنه بلغ الرسالة ، و أدى الأمانة ، و نصح الأمة صلى الله عليه و سلم تسليماً كثيراً دائماً إلى يوم الدين .

ثم أقبل صلى الله عليه و سلم منصرفاً إلى المدينة ، و قد أكمل الله له دينه .

 فصل ـ وفاته صلى الله عليه و سلم

فأقام بها بقية ذي الحجة والمحرم و صفر ، ثم ابتدأ به صلى الله عليه و سلم و جعه في بيت ميمونة يوم خميس ، و كان و جعاً في رأسه الكريم ، و كان أكثر ما يعتريه الصداع عليه الصلاة والسلام ، فجعل مع هذا يدور على نسائه حتى شق عليه ، فاستأذنهن أن يمرض في بيت عائشة رضي الله عنها ، فأذن له ، فمكث وجعأاثني عشر يوماً . و قيل : أربعة عشر يوماً . و الصديق رضي الله عنه يصلي بالناس بنصه صلى الله عليه و سلم عليه ، و استثنائه له من  جيش أسامة الذي كان قد جهزه صلى الله عليه و سلم إلى الشام لغزو الروم .

فلما حصل الوجع ، تربصوا لينظروا ما يكون من أمره صلى الله عليه و سلم و قد صلى عليه الصلاة و السلام خلف الصديق جالساً .

و قبض صلى الله عليه و سلم ضحى يوم الإثنين من ربيع الأول ، فالمشهور أنه الثاني عشر منه ، و قيل مستهله . وقيل : ثانية ، و قيل : غير ذلك .

و قال  السهيلي  ما زعم أنه لم يسبق إليه : من أنه لا يمكن أن تكون وقفته يوم الجمعة تاسع ذي الحجة ، ثم تكون وفاته يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول بعده ، سواء حسبت الشهور كاملة أم ناقصة ، أم بعضها كاملاً و بعضها ناقصاً .

و قد حصل له جواب صحيح في غاية الصحة و لله الحمد ، أفردته مع غيره من الأجوبة ، و هو أن هذا إنما وقع بحسب اختلاف رؤية هلال ذي الحجة في مكة و المدينة ، فرآه أهل مكة قبل أولئك بيوم ، و على هذا يتم القول المشهور ولله الحمد والمنة .

وكان عمره يوم مات صلى الله عليه و سلم ثلاثاً و ستين سنة ، على الصحيح ، قالوا : و لها مات أبو بكر وعمر وعلي و عائشة رضي الله عنهم ، ذكره  أبو زكريا النووي  في  تهذيبه  و صححه ، و في بعضه نظر . و قيل : كان ستين ، وقيل : خمساً و ستين و هذه الأقوال الثلاثة في  صحيح البخاري  عن ابن عباس رضي الله عنهما . فاشتدت الرزية بموته صلى الله عليه و سلم ، و عظم الخطب و جل الأمر ، و أصيب المسلمون بنبيهم ، و أنكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك ، و قال : إنه لم يمت ، و إنه سيعود كما عاد موسى لقومه . و ماج الناس ، و جاء الصديق المؤيد المنصور رضي الله عنه أولا و آخراً و ظاهراً و باطناً ، فأقام الأود ، وصدع بالحق ، وخطب الناس و تلا عليهم : " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين " ، فكأن الناس لم يسمعوها قبل ذلك ، فما من أحد إلا يتلوها . ثم ذهب المسلمون به إلى سقيفه بني ساعدة و قد اجتمعوا على إمرة سعد بن عبادة ، فصدهم عن ذلك و ردهم ، و أشار عليهم بعمر بن الخطاب أو بأبي عبيدة بن الجراح ، فأبيا ذلك و المسلمون ، و أبى الله ذلك أيضاً ، فبايعه المسلمون رضي الله عنهم هناك ، ثم جاء فبايعه الناس البيعة العامة على المنبر . ثم شرعوا في جهاز رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فغسلوه في قميصه ، و كان الذي تولى ذلك عمه العباس ، و ابنه قثم ، و علي بن أبي طالب ، و أسامة بن زيد ، و شقران ـ  مولياه ـ يصبان الماء ، و ساعد في ذلك أوس بن خولي الأنصاري البدري ، رضي الله عنهم أجمعين .

و كفنوه في ثلاثة أثواب قطن سحولية بيض ليس فيها قميص .

و صلوا عليه أفراداً واحداً واحداً ، لحديث جاء في ذلك رواه البزار ـ و الله أعلم بصحته ـ أنه صلى الله عليه و سلم أمرهم بذلك . و قال  الشافعي  : إنما صلوا عليه مرة بعد مرة أفذاذاً لعظم قدره ، و لمنافستهم أن يؤمهم عليه أحد . قال  الحاكم أبو أحمد  فكان أولهم عليه صلاة العباس عمه ، ثم بنو هاشم ، ثم المهاجرون ، ثم الأنصار ، ثم سائر الناس ، فلما فرغ الرجال صلى الصبيان ثم النساء .

و دفن صلى الله عليه و سلم يوم الثلاثاء ، و قيل : ليلة الأربعاء سحراً ، في الموضع الذي توفي فيه من حجرة عائشة ، لحديث رواه  الترمذي  عن أبي بكر رضي الله عنه ، و هذا هو المتواتر تواتراً ضرورياً معلوماً من الدفن الذي هو اليوم داخل مسجد المدينة .

أخر الجزء الأول من الترجمة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة و السلام . و يتلوه الذي يليه .

     

 

 فصل ـ حجه واعتماره صلى الله عليه و سلم

لم يحج صلى الله عليه و سلم بعدما هاجر إلا حجته هذه ، و هي حجة الإسلام وحجة الوداع ، و كان فرض الحج في السنة السادسة في قول بعض العلماء ، و في التاسعة في قول آخرين منهم ، و قيل : سنة عشر ، و هو غريب و أغرب منه ماحكاه إمام الحرمين في النهاية و جهاً لبعض الأصحاب : أن فرض الحج كان قبل الهجرة و أما عمره فكن أربعاً : الحديبية التي صد عنها ، و عمرة القضاء بعدها ، ثم عمرة الجعرانة ، ثم عمرته التي مع حجته . و قد حج صلى الله عليه و سلم قبل الهجرة مرة ، و قيل : أكثر . و هو الأظهر ، لأنه كان صلى الله عليه و سلم يخرج ليالي الموسم يدعو الناس إلى الله تعالى ، صلى الله عليه و سلم تسليماً كثيراً دائماً إلى يوم الدين .

 

 

 فصل ـ عدد غزواته و بعوثه

أما غزواته ، فروى  مسلم  من حديث عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي عن أبيه قال : غزا رسول الله صلى الله عليه و سلم تسع عشرة غزوة ، قاتل في ثمان منهن ، وعن زيد بن أرقم قال : غزا رسول الله صلى الله عليه و سلم تسع عشرة غزوة كنت معه في سبع عشرة . و أما  محمد بن إسحاق  فقال : كانت غزواته التي خرج فيها بنفسه سبعاً وعشرين ، و كانت بعوثه و سراياه ثما نياً و ثلاثين ، و زاد  ابن هشام  في البعوث على  ابن إسحاق  ، و الله أعلم .

 

 فصل ـ أعلام نبوته

في أعلام نبوته صلى الله عليه و سلم على سبيل الإجمال ، لأن تفصيله يحتاج إلى مجلدات عديدة ، و قد جمع الأئمة في ذلك ما زاد على ألف معجزة .

فمن أبهرها و أعظمها القرآن العزيز ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ، و إعجازه من جهة لفظه و معناه :

أما لفظه ففي أعلى غايات فصاحة الكلام و كل من ازدادت معرفته بهذا الشأن ازداد للقرآن تعظيماً في هذا الباب ، و قد تحدى الفصحاء و البلغاء في زمانه مع شدة عدواتهم له ، و حرصهم على تكذيبه ، بأن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله ، أو بسورة ، فعجزوا . و أخبرهم أنهم لا يطيقون ذلك أبداً ، بل قد تحدى الجن و الإنس قاطبة على أن يأتوا بمثله فعجزوا ، و أخبرهم بذلك ، فقال الله تعالى : " قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " إلى غير ذلك من الوجوه المثبتة لإعجازه . و أما معناه فإنه في غاية التعاضد و الحكمة ، و الرحمة و المصلحة ، و العا قبة الحميدة و الاتفاق ، و تحصيل أعلى المقاصد ، و تبطيل المفاسد ، إلى غير ذلك مما يظهر لمن له لب و عقل صحيح خال من الشبه و الأهواء ، نعوذ بالله منها و نسأله الهدى .

و من ذلك أنه نشأ بين قوم يعرفون نسبه و مرباه و مدخله و مخرجه ، يتيماً بين أظهرهم ، أميناً صادقاً ، باراً راشداً ، كلمهم يعرف ذلك و لاينكره إلا من عاند و سفسط و كابر . و كان أمياً لا يحسن الكتابة و لا يعانيها و لا أهلها ، و ليس في بلادهم من علم الأولين ، و لا من يعرف شيئاً من ذلك فجاءهم على رأس أربعين سنة من عمره يخبر بما مضى مفصلا مبيناً ، يشهد له علماء الكتب المتقدمة البصيرون بها المهتدون بالصدق ، بل أكثر الكتب المنزلة قبله قد دخلها التحريف والتبديل ، و يجيء ماأنزل الله عليه مبيناً عليه ، دالاً على الحق منه ، و هو مع ذلك في غاية الصدق و الأمانة ، و السمت الذي لم ير أولو الألباب مثله صلى الله عليه و سلم ، والعبادة لله ، و الخشوع له ، و الذلة له ، و الدعاء إليه ، و الصبر على أذى من خالفه و احتماله ، و زهده في الدنيا ، وأخلاقه السنية الشريفة : من الكرم و الشجاعة و الحياء و البر ، و الصلة صلى الله عليه و سلم ، إلى غير ذلك من الأخلاق التي لم تجتمع في بشر قبله و لا بعده ، إلا فيه ، فبالعقل يدرك أن هذا يستحيل أن يكذب على أدنى مخلوق بأدنى كذبة ، فكيف يمكن أن يكون في مثل هذا قد كذب على الله رب العالمين ، الذي قد أخبرهو بما لديه من أليم العقاب ، و ما لمن كذب عليه و افترى ؟! هذا لايصدر إلا من شر عباد الله و أجرئهم و أخبثهم ، و مثل هذا لا يخفى أمره على الصبيان في المكاتب ، فكيف بأولي الأحلام و النهى ، الذين بذلوا أنفسهم و أموالهم و فارقوا أولادهم و أوطانهم و عشائرهم في حبه و طاعته ؟ رضي الله تعالى عنهم ، و صلى الله عليه و سلم في تعاقب الليل و النهار .

و من ذلك ما أخبر صلى الله عليه و سلم به في هذا القرآن ، و فيما صح عنه من الأحاديث ، من الغيوب المستقبلة المطابقة لخبره حذو القذة بالقذة مما يطول استقصاؤه ها هنا .

و من ذلك ماأظهره الله تعالى على يديه من خوارق العادات الباهرة : فمن ذلك : ماأخبر الله عز و جل عنه في كتابه العزيز من انشقاق القمر ، و ذلك أن المشركين سألوه آية و كان ذلك ليلاً ، فأشار إلى القمر ، فصار فرقتين ، فسألوا من حولهم من الأحياء ، لئلا يكون قد سحرهم فأخبروهم بمثل ما رأوا ، و هذا متواتر عنه عند أهل العلم بالأخبار ، و قد رواه غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين .

و من ذلك ما ظهر ببركة دعائه في أماكن يطول بسطها ، و تضيق مجلدات عديدة عن حصرها ، و قد جمع  الحافظ أبو بكر البيهقي  رحمه الله تعالى كتاباً شافياً في ذلك مقتدياً بمن تقدمه في ذلك ، كما اقتدى به كثيرون بعده رحمهم الله تعالى :

فمن ذلك أنه صلى الله عليه و سلم دعا الله تعالى في السخلة التي كانت مع ابن مسعود في الرعي ، و سمى الله و حلبها ، فدرت عليه ، فشرب و سقى أبا بكر ، وكذلك فعل في شاة أم معبد . و دعا للطفيل بن عمرو ، فصارت آية في طرف سوطه ، نور يلمع يرى من بعد .

و كذلك حصل لأسيد بن الحضير و عباد بن بشر الأنصاري و قد خرجا من عنده في ليلة ظلماء . و دعا الله على السبعة الذي سخروا منه و هو يصلي ، فقتلوا ببدر .

و دعا على ابن أبي لهب ، فسلط الله عليه السبع بالشام وفق دعائه عليه السلام . و دعا على سراقة فساخت يدا فرسه في الأرض ، ثم دعا الله فأطلقها و رمى كفار قريش في بدر بقبضة من حصباء فأصاب كلا منهم شيء منها و هزمهم الله . و كذلك فعل يوم حنين سواء .

و أعطى يوم بدر لعكاشة بن محصن جذلاً من حطب فصار في يده سيفاً ماضياً .

و أخبر عمه العباس ـ و هو أسير ـ بما دفن هو و أم الفضل من المال تحت عتبة بابهم ، فأقرله بذلك .

و أخبر عمير بن وهب بما جاء له من قتله معتذرا بأنه جاء في فداء أسارى بدر ، فاعترف له بذلك ، وأسلم من و قته رضي الله عنه . و رد يوم أحد عين قتادة بن النعمان الظفري بعد أن سالت على خده . و قيل : بعدما صارت في يده ، فصارت أحسن عينيه ، فلم تكن تعرف من الأخرى . و أطعم يوم الخندق الجم الغفير الذين يقاربون ألفاً : من سخلة و صاع شعير ببيت جابر . كما أطعم يومئذ من نزر يسير من تمر ، جاءت به ابنة بشير . و كذلك أطعم نحو الثمانين من طعام كادت تواريه يده المكرمة . و كذلك فعل يوم أصبح عروساً بزينب بنت جحش . و أما يوم تبوك ، فكان أمراً هائلاً ، أطعم الجيش و ملؤوا كل وعاء معهم من قدر ربضة العنز طعاماً . و أعطى أبا هريرة رضي الله عنه مزوداً فأكل منه دهره ، و جهز منه في سبيل الله شيئاً كثيراً و لم يزل معه إلى أيام مقتل عثمان .

 و أشياء أخرى من هذا النمط يطول ذكرها مجردة ، و سنفرد لذلك ـ إن شاء الله تعالى و به الثقة ـ مصنفاً على حدة .

و دعا الله تعالى لما قحطوا فلم ينزل عن المنبر حتى تحدرالماء على لحيته صلى الله عليه و سلم من سقف المسجد ، و قد كان قبله لا يرى في السماء سحابة و لا قزعة و لا قدر الكف ، ثم لما استصحى لهم انجاب السحاب عن المدينة حتى صارت المدينة في مثل الإكليل . و دعا الله على قريش فأصابهم من الجهد ما لا يعبر عنه ، حتى استرحموه ، فعطف عليهم فأفرج عنهم .

و أتي بإناء فيه ماء ليتوضأ به ، فرغب إليه أقوام هناك أن يتوضؤوا معه فوضع يده في ذلك الإناء ، فما وسعها، ثم دعا الله ، فنبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه و سلم .

و كذلك فعل يوم الحديبية ، و كان الجيش ألفاً و أربعمائة ، قال جابر : و لو كنا مائة ألف لكفانا .

و كذلك فعل في بعض أسفره بقطرة من ماء في سقاء ، قال الراوي : لما أمرني أن أفرغها في الوعاء خشيت أن يشربها يابس القربة ، فوضع يده فيها ، و دعا الله تعالى ، فنبع الماء من بين أصابعه لأصحابه ، حتى توضؤوا و شربوا .

و كذلك بعث سهمه إلى عين الحديبية فوضعت فيها فجاشت بالماء حتى كفتهم . و كذلك فعل يوم ذات السطيحتين ، سقى أصحابه و توضؤوا ، و أمر بعضهم فاغتسل من جنابة كانت عليه ، و لم ينقص من تلك  المزادتين اللتين للمرأة شيء ، فذهبت إلى قومها ، فقالت : رأيت اليوم أسحر أهل الأرض ، أو إنه لنبي . . ! ثم أسلمت ، و أسلم قومها ، رضي الله عنهم .

في كثير من هذا النمط يطول بسطه ، و فيما ذكرنا كفاية إن شاء الله تعالى .        

 

 فصل ـ الإخبار بالغيوب المستقبلة

و قد أخبر بالغيوب المستقبلة المطابقة لخبره ، كما أخبر الله عز و جل في كتابه من إظهار دينه ، و إعلاء كلمته ، و استخلاف الذين آمنوا و عملوا الصالحات من أمته في الأرض ، و كذلك كان .

وأخبر بغلبة الروم فارس في بضع سنين ، فكان كذلك .

و أخبر صلى الله عليه و سلم قومه الذين كانوا معه في الشعب أن الله قد سلط على الصحيفة الأرضة فأكلتها إلا ما كان من ذكر الله ، و كان كذلك . و أخبر يوم بدر قبل الوقعة بيوم بمصارع القتلى واحداً واحداً ، فكان كما أخبر سواء بسواء .

و أخبر أن كنوز كسرى و قيصر ستنفق في سبيل الله ، فكان كذلك . و بشر أمته بأن ملكهم سيمتد في طول الأرض ، فكان كذلك . و أخبر أنه لا تقوم الساعة حتى تقاتل أمته قوماً صغار الأعين ذلف الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة ، و هذه حلية التتار ، فكان كذلك . و أخبر بقتال الخوارج ، و وصف لهم ذا التدية فوجد كما وصف سواء بسواء وأخبر أن الحسن بن علي رضي الله عنهما سيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فكان كذلك . و أخبر بأن عماراً ستقتله الفئة الباغية ، فقتل يوم صفين مع علي رضي الله عنهما و أخبر بخروج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى ، وكان ظهور هذه في سنة بضع و خمسين و ستمائة ، و تواتر أمرها ، وأخبرت عمن شاهد إضاءة أعناق الإبل ببصرى ، فصلى الله على رسوله كلما ذكره الذاكرون .

و أخبر بجزيئات كانت و تكون بين يدي الساعة يطول بسطها ، و فيما ذكرنا كفاية ، إن شاء الله ، و به الثقة .  

 

 فصل ـ بشارة الكتب السماوية المتقدمة برسول الله صلى الله عليه و سلم

وفي الكتب المتقدمة البشارة به ، كما أخبر الله تعالى أن ذلك في التوراة و الإنجيل مكتوب ، و كما أخبر عن نبيه عيسى عليه السلام أنه قال : " ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد " ، و روى  البخاري  عن عبد الله بن عمرو أنه وجد صفته في التوراة  صلى الله عليه و سلم و ذكرها .

و في التوراة اليوم التي يقر اليهود بصحتها في السفر الأول أن الله تعالى تجلى لإبراهيم و قال له ما معناه : [ فاسلك في الأرض طولاً و عرضاً لولدك تعظيماً ] . و معلوم أنه لم يملك مشارق الأرض و مغاربها إلا محمد صلى الله عليه و سلم كما جاء في الصحيح عنه أنه قال : " إنه زوى لي الأرض مشارقها و مغاربها ، و سيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها " .

و فيه أيضاً : [ إن الله تعالى قال لإبراهيم : إن إسحاق يكون لك منه نسل و أما إسماعيل فإني باركته و كثرته و عظمته ، و جعلت ذريته بنجوم السماء ... ] إلى أن قال : [ و عظمته بماذ ماذ ـ أي بمحمد ، و قيل : بأحمد ـ و قيل : جعلته عظيماً عظيماً و جعل حذاً ] .

و فيه : [ إن الله و عد إبراهيم أن و لده إسماعيل تكون يده عالية على كل الأمم ، فكل الأمم تحت يده ، و بجميع مساكن إخوته يسكن ] ، و قد علم أهل الكتاب و غيرهم أن إسماعيل لم يدخل قط الشام و لا علت يده على إخوته ، و إنما كان هذا لولده محمد صلى الله عليه و سلم ، و لا ملك الشام و مصر من العرب أحد قبل أمة محمد صلى الله عليه و سلم ، فإن فتحهما كان في خلافة الصديق و الفاروق رضي الله عنهما .

و في السفر الرابع من التوراة التي بأيديهم اليوم ما معناه : [ نبي أقيم لهم من أقاربهم من أخيهم مثلك يا موسى ، أجعل نطقي بفيه ] . و معلوم لهم و لكل أحد أن الله عز و جل لم يبعث من نسل إسماعيل سوى محمد صلى الله عليه و سلم ، بل لم يكن في بني إسرائيل نبي يماثل موسى إلا عيسى عليه السلام ، و هم لا يقرون بنبوته ، ثم ليس هو من إخوتهم ، بل هو منتسب إليهم بأمه صلوات الله و سلامه عليه ، فتعين ذلك في محمد صلى الله عليه و سلم .

و من ذلك ما ختمت به التوراة في آخر  السفر الخامس ما معناه : [ جاء الله من سيناء ، و أشرق من ساعير ، و استعلى من جبال فاران ] . و معنى هذا أن الله جاء شرعه و نوره من طور سيناء الذي كلم موسى عليه ، و أشرق من ساعير و هو الجبل الذي ولد به عيسى عليه السلام و بعث فيه ، واستعلى من جبال فاران و هي مكة ، بدليل أن الله أمر إبراهيم صلى الله عليه و سلم أن يذهب بإسماعيل إلى جبال فاران . و قد استشهد بعض العلماء على صحة هذا بأن الله سبحانه أقسم بهذه الأماكن الثلاثة فترقى من الأدنى إلى الأعلى في قوله تعالى " والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد الأمين " ، ففي التوراة ذكرهن بحسب الوقوع ، الأول فالأول ، و بحسب ما ظهر فيهن من النور . و في القرآن لما أقسم بهن ذكر منزل عيسى ثم موسى ثم محمد ، صلاة الله و سلامه عليهم أجمعين ، لأن عادة العرب إذا أقسمت ترقت من الأدنى إلى الأعلى . و كذا زبور داود عليه السلام و النبوءات الموجودة الآن بأيدي أهل الكتاب ، فيها البشارات به صلى الله عليه و سلم كما يخبر بذلك من أسلم منهم قديماً و حديثاً . و في الإنجيل ذكر ـ الفارقليط ـ موصوفاً بصفات محمد صلى الله عليه و سلم سواء بسواء . و أما كلام أشعيا و أرميا فظاهر جداً لكل من قرأه . و لله الحمد و المنة و الحجة البالغة .      

 

 فصل ـ أولاده

تقدم ذكر أعمامه و عماته عند ذكر نسبه المطهر صلى الله عليه و سلم .

فأما أولاده فذكورهم وإناثهم من خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ، إلا إبراهيم فمن مارية القطبية ، و هم :

القاسم ، و به كان يكنى لأنه أكبر أولاده ، ثم زينب ، ثم رقية ، ثم أم كلثوم ، ثم فاطمة .

ثم بعد النبوة : عبد الله ، و يقال له : الطيب والطاهر ، لأنه ولد في الإسلام . و قيل : الطاهر غير الطيب . و صحح ذلك بعض العلماء . ثم إبراهيم من مارية ، ولد له صلى الله عليه و سلم بالمدينة في السنة الثامنة ، و توفي عن سنة و عشرة أشهر ، فلهذا قال صلى الله عليه و سلم : " أن له مرضعاً في الجنة " .

و كلهم مات قبله ، إلا فاطمة رضي الله عنها فإنها توفيت بعده بيسير ، قيل : ستة أشهر على المشهور . وقيل : ثمانية أشهر ، و قيل : سبعون يوماً ، و قيل : خمسة و سبعون يوماً . وقيل : ثلاثة أشهر ، وقيل : مائة يوم . و قيل : غير ذلك . و صلى عليها علي ، و قيل : أبو بكر . و هو قول غريب . و قد ورد في حديث أنها اغتسلت قبل موتها بيسير ، و أوصت ألا تغسل بعد موتها ، و هو غريب جداً ، و روي أن علياً و العباس و أسماء بنت عميس زوجة الصديق و سلمى أم رافع و هي قابلتها غسلوها ، وهذا هو الصحيح .

 

 فصل ـ زوجاته

في زوجاته رضي الله عنهن :

أول من تزوج صلى الله عليه و سلم خديجة بنت خويلد رضي الله عنها . فكانت وزير صدق له لما بعث ، و هي أول من آمن به على الصحيح . و قيل : أبو بكر . و هو شاذ . و لم يتزوج في حياتها بسواها لجلالها و عظم محلها عنده . و اختلف أيها أفضل هي أو عائشة رضي الله عنهما ؟ فرجح فضل خديجة جماعة من العلماء . و قد ماتت قبل الهجرة [ بسنة و نصف ] .

ثم تزوج سودة بنت زمعة القرشية العامرية ، بعد موت خديجة بمكة ، و دخل بها هناك ، ثم لما كبرت أراد صلى الله عليه و سلم طلاقها ، فصالحته على أن وهبت يومها لعائشة و قيل : له ، فجعله لعائشة . و فيها نزل قوله تعالى : " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا " الآية . و توفيت في آخر أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

و قيل : تزوج عائشة قبل سودة ، و لكنه لم يبن بها إلا في شوال من السنة الثانية من الهجرة ، و لم يتزوج بكراً سواها ، [ و لم يأته الوحي في لحاف امرأة من نسائه سواها ] و لم يحب أحد من النساء مثلها ، و قد كانت لها مآثر و خصائص ذكرت في القرآن و السنة ، و لا يعلم في هذه الأمة امرأة بلغت من العلم مبلغها ، و توفيت سنة [ سبع و قيل ] ثمان و خمسين .

ثم تزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السنة الثالثة من الهجرة ، و قد طلقها صلى الله عليه و سلم ، ثم راجعها ، و توفيت سنة إحدى و أربعين . و قيل : و خمسين . و قيل : سنة خمس و أربعين . ثم أم سلمة ، و اسمها هند بنت أبي أمية ـ و اسمه حذيفة ـ و يقال : سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، القرشية ، بعد وفاة زوجها أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن مخزوم ، مرجعه من بدر ، فلما انقضت عدتها خطبها صلى الله عليه و سلم ، و هذا يقتضي أن ذلك أول السنة الثالثة ، و قد كان و لي عقدها ابنها عمر ، كما رواه  النسائي   من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن ابن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أم سلمة . و قد جمعت جزءاً في ذلك ، و بينت أن عمر المقول له في هذا الحديث إنما هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، لأنه كان الخاطب لها على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و قد ذكر الوقدي و غيره أن وليها كان ابنها سلمة ، و هو الصحيح إن شاء الله . و قد ذكر أنه صلى الله عليه و سلم تزوجها بغير ولي ، و الله تعالى أعلم . قال  الواقدي   : توفيت سنة تسع وخمسين . و قال غيره في خلافة يزيد بن معاوية سنة اثنتين و ستين . ثم تزوج زينب بنت جحش في سنة خمس من ذي القعدة ، و قيل : سنة ثلاث ، و هو ضعيف . و في صبيحة عرسها نزل الحجاب ، كما أخرجاه في  الصحيحين  عن أنس ، و أنه حجبه حينئذ و قد كان عمره لما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة عشراً ، فدل على أنه كان قد استكمل خمس عشرة سنة ، . و الله أعلم . و قد كان وليها الله سبحانه و تعالى دون الناس ، قال الله تعالى : " فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها " و روى  البخاري   في  صحيحه  بسند ثلاثي أنها كانت تفخر على نساء رسول الله صلى الله عليه و سلم و تقول : زوجكن أهاليكن و زوجني الله في السماء ، و كانت أول أزواج رسول الله صلى الله عليه و سلم وفاة ، قال  الواقدي   : توفيت سنة عشرين ، و صلى عليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

ثم تزوج جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقية ، و ذلك أنه لما غزا قومها في سنة ست ، بالماء الذي يقال له : المريسيع ، وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس ، و كاتبها ، فجاءت رسول الله صلى الله عليه و سلم تستعينه في كتابتها فاشتراها وأعتقها و تزوجها . فقيل : إنها توفيت سنة خمسين . و قال  الواقدي   : سنة ست و خمسين .

ثم تزوج صفية بنت حيي بن أخطب الإسرائيلية الهارونية النضرية ثم الخيبرية رضي الله تعالى عنها ، و ذلك أنه صلى الله عليه و سلم اصطفاها من مغانم خيبر ، و قد كانت في أوائل سنة سبع ، فأعتقها و جعل ذلك صداقها ، فلما حلت في أثناء الطريق بنى بها ، و حجبها ، فعلموا أنها من أمهات المؤمنين . قال  الواقدي   : توفيت سنة خمسين ، و قال غيره : سنة ست و ثلاثين ،  و الله أعلم . و في هذه السنة ، و قيل : في التي قبلها ـ سنة ست ـ تزوج أم حبيبة ، و اسمها رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموية . خطبها عليه عمرو بن أمية الضمري ، و كانت بالحبشة ، و ذلك حين توفي عنها زوجها عبيد الله بن جحش ، فولي عقدها منه خالد بن سعيد بن العاص ، و قيل : النجاشي ، و الصحيح الأول . و لكن أمهرها النجاشي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أربعمائة دينار ، و جهزها ، و أرسل بها إليه رضي الله عنه .

 فأما ما رواه  مسلم  في  صحيحه  من حديث عكرمة بن عمار اليماني " عن أبي زميل سماك بن الوليد عن ابن عباس أن أبا سفيان لما أسلم قال في حديث لرسول الله صلى الله عليه و سلم : عندي أحسن العرب وأجمله ، أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكما .. " الحديث . فقد استغرب ذلك من  مسلم  رحمه الله ، كيف لم يتنبه لهذا ؟ لأن أبا سفيان ، إنما أسلم ليلة الفتح ، و قد كانت بعد تزوج رسول الله صلى الله عليه و سلم أم حبيبة بسنة و أكثر ، وهذا مما لا خلاف فيه . و قد أشكل هذا على كثير من العلماء : فأما  ابن حزم  فزعم أنه موضوع و ضعف عكرمة بن عمار ، و لم يقل هذا أحد قبله و لا بعده . و أما  محمد بن طاهر المقدسي  فقال : أراد أبو سفيان أن يجدد العقد لئلا يكون تزوجها بغير إذنه غضاضة عليه ، أو أنه توهم أن بإسلامه ينفسخ نكاح ابنته ، و تبعه على هذا  أبو عمرو بن الصلاح  و  أبو زكريا النووي  في  شرح مسلم  ، و هذا بعيد جداً ، فإنه لو كان كذلك لم يقل : عندي أحن العرب و أجمله ، إذ رآها رسول الله صلى الله عليه و سلم منذ سنة فأكثر ، و توهم فسخ نكاحها بإسلامه بعيد جداً ، و الصحيح في هذا أن أبا سفيان لما رأى صهر رسول الله صلى الله عليه و سلم شرفاً أحب أن يزوجه ابنته  الأخرى وهي عزة ، و استعان على ذلك بأختها أم حبيبة ، كما أخرجا في  الصحيحين "عن أم حبيبة أنها قالت : يا رسول الله انكح أختي بنت أبي سفيان ، قال : أوتحبين ذلك ؟ قالت : نعم .. " الحديث . و في  صحيح مسلم  أنها قالت : يا رسول الله ، انكح أختي عزة بنت أبي سفيان .. الحديث . و على هذا فيصح الحديث الأول ، و يكون قد وقع الوهم من بعض الرواة في قوله : و عندي أحسن العرب و أجمله : أم حبيبة . و إنما قال : عزة . فاشتبه على الراوي ، أو أنه قال الشيخ : يعني ابنته ، فتوهم السامع أنها أم حبيبة ، إذ لم يعرف سواها . و لهذا النوع من الغلط شواهد كثيرة قد أفردت سرد ذلك في جزء مفرد لهذا الحديث و لله الحمد و المنة . و توفيت أم حبيبة رضي الله عنها سنة أربع و أربعين فيما قاله أبو عبيد ، و قال أبو بكر بن أبي خيثمة : سنة تسع و خمسين قبل أخيها معاوية بسنة .

ثم تزوج في ذي القعدة من هذه السنة ميمونة بنت الحارث الهلالية و اختلف هل كان محرماً أو لا ؟ فأخرج صاحبا الصحيح عن ابن عباس أنه كان محرماً . فقيل : كان ذلك من خصائصه صلى الله عليه و سلم لما رواه  مسلم  " عن عثمان أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : لا ينكح المحرم و لا ينكح و لا يخطب " و اعتمد  أبو حنيفة  على الأول ، و حمل حديث عثمان على الكراهة ، و قيل : بل كان حلالاً كما رواه  مسلم  عن ميمونة أنها قالت : تزوجها رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو حلال ، و بنى بها و هو حلال . و قد قدم جمهور العلماء هذا الحديث على قول ابن عباس ، لأنها صاحبة القصة فهي أعلم . و كذا أبو رافع أخبر بذلك كما رواه الترمذي عنه ، و قد كان هو السفير بينهما . و قد أجيب عن حديث ابن عباس بأجوبة ليس هذا موضعها . و ماتت بسرف حيث بنى بها رسول الله صلى الله عليه و سلم منصرفه من عمرة القضاء ، و كان موتها سنة إحدى و خمسين ، و قيل سنة ثلاث ، و قيل : ست و ستين ، و صلى عليها ابن أختها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما . فهؤلاء التسع بعد خديجة اللواتي جاء في  الصحيحين  أنه صلى الله عليه و سلم مات عنهن و في رواية في  الصحيح  أنه مات عن إحدى عشرة ، و الأول أصح . و قد قال  قتادة بن دعامة  أنه صلى الله عليه و سلم تزوج خمس عشرة امرأة ، فدخل بثلاث عشرة ، و جمع بين إحدى عشرة ، ومات عن تسع . و قد روى  الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي  نحو هذا عن أنس في كتابه  المختارة  فهذا هو المشهور . وقد رأيت لبعض أئمة المتأخرين من المالكية و غيرهم في كتاب  النكاح  تعداد زوجات لم يدخل بهن مع اللواتي دخل بهن ما ينيف على العشرين .

و قد كان له من السراري اثنتان . و هما : مارية بنت شمعون القبطية ، أم إبراهيم ولد رسول الله صلى الله عليه و سلم ، أهداها له المقوقس صاحب إسكندرية و مصر ، و معها أختها شيرين و خصي يقال له مابور و بغلة يقال لها : الدلدل ، فوهب صلى الله عليه و سلم شيرين إلى حسان بن ثابت فولدت له عبد الرحمن . و توفيت مارية في محرم سنة ست عشرة ، و كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحشر الناس لجنازتها بنفسه ، و صلى عليها و دفنها بالبقيع رضي الله عنها .

و أما الثانية فريحانة بنت عمرو ، و قيل : بنت زيد ، اصطفاها من بني قريظة و تسرى بها ، و يقال : إنه تزوجها ، و قيل : بل تسرى بها ، ثم أعتقها فلحقت بأهلها . و ذكر بعض المتأخرين أنه تسرى أمتين أخريين ، و الله تعالى أعلم .        

 

 فصل ـ مواليه

في ذكر موالي رسول الله صلى الله عليه و سلم على حروف المعجم رضي الله عنهم أجمعين ، و ذلك حسبما أورده  الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر  في أول  تاريخه  و هم :

أحمر ، و يكنى أبا عسيب ، و أسود ، و أفلح ، و أنس ، و أيمن بن أم أيمن ، و باذام ، و ثوبان بن بجدد ، و ذكوان ـ و قيل : طهمان ، و قبل : كيسان . و قيل : مروان . و قيل : مهران ـ و رافع ، و رباح ، و رويفع ، و زيد بن حارثة ، و زيد جد هلال بن يسار ، و سابق ، و سالم ، و سعيد و سفينة ، و سلمان الفارسي ، و سليم ـ ويكنى بأبي كبشة ، ذكر فيمن شهد بدراً ـ و صالح [ شقران ] ، و ضميرة بن أبي ضميرة ، و عبيد الله بن أسلم ، و عبيد ، و عبيد أيضاً ـ و يكنى بأبي صفية ـ و فضالة اليماني ، و قصير ، و كركرة ـ بكسرهما ، و يقال : بفتحهما ـ و مابور القبطي ، و مدعم ، و ميمون ، و نافع ، و نبيل ، و هرمز ، و هشام ، و واقد ، و وردان ، و يسار [ نوبي ] ، و أبو أثيلة ، و أبو بكرة ، و أبو الحمراء ، و أبو رافع و أسمه أسلم ـ فيما قيل ـ و أبو عبيد .

فهؤلاء الذين حررهم  أبو زكريا النووي  رحمه الله تعالى في أول كتابه  تهذيب الأسماء و اللغات  ، إلا أني رتبتهم على الحروف ليكون أسهل للكشف .

و أما إماؤه : فأمية ، و بركة ـ أم أيمن ، و هي أم أسامة بن زيد ـ و خضرة ، و رضوى ، و ريحانة ، و سلمة ـ و هي أم رافع امرأة أبي رافع ـ و شيرين ، و أختها مارية أم إبراهيم عليه السلام ، و ميمونة بنت سعد ، و أم ضميرة ، و أم عياش .

قال  أبو زكريا  رحمه الله تعالى : و لم يكن ملكه صلى الله عليه و سلم لهؤلاء في زمن واحد ، بل في أوقات متفرقة .

 

 فصل ـ خدمه

و قد التزم جماعة من الصحابة رضي الله عنهم بخدمته ، كما كان عبد الله بن مسعود صاحب نعليه ، إذا قام ألبسه إياهما ، و إذا جلس جعلهما في ذراعيه حتى يقوم ، و كان المغيرة بن شعبة سيافاً على رأسه . وعقبة بن عامر صاحب بغلته ، يقود به في الأسفار . و أنس بن مالك ، و ربيعة بن كعب ، و بلال ، و ذو مخبر ، و يقال :  ذو مخمر ـ ابن أخي النجاشي ملك الحبشة ، و يقال : ابن أخته ـ و غيرهم .

 

 فصل ـ كتاب الوحي ـ

أما كتاب الوحي : فقد كتب له أبو بكر ، و عمر ، و عثمان ، وعلي ، و الزبير ، و أبي بن كعب ، و زيد بن ثابت ، و معاوية بن أبي سفيان ، و محمد بن مسلمة ، و الأرقم بن أبي الأرقم ، و أبان بن سعيد بن العاص ، و أخوه خالد ، و ثابت بن قيس ، و حنظلة بن الربيع الأسيدي الكاتب ، و خالد بن الوليد و عبد الله بن الأرقم ، و عبد الله بن زيد بن عبد ربه ، و العلاء بن عتبة ، و المغيرة بن شعبة ، و شرحبيل بن حسنة ، و قد أورد ذلك  الحافظ أبو القاسم  في كتابه أتم إيراد ، و أسند ما أمكنه عن كل واحد من هؤلاء إلا شرحبيل بن حسنة ، و ذكر فيهم السجل ، كما رواه  أبو داود  و  النسائي  عن ابن عباس في قوله تعالى " يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب " قال : هو كاتب كان للنبي صلى الله عليه و سلم . و قد أنكر هذا الحديث  الإمام أبو جعفر بن جرير  في  تفسيره  ، و قال : لا يعرف في كتاب النبي صلى الله عليه و سلم ، بل و لا في أصحابه أحد يسمى [ سجلاً ] .

قلت : و قد أنكره أيضاً غير واحد من الحفاظ ، و قد أفردت له جزءاً ، و بينت طرقه و علله ، و من تكلم فيه من الأئمة ، و من ذهب منهم إلى أنه حديث موضوع ، و الله تعالى أعلم . 

 

 فصل ـ المؤذنون ـ

كان له صلى الله عليه و سلم مؤذنون أربعة : بلال بن رباح ، و عمرو بن أم مكتوم الأعمى ـ و قيل : اسمه عبد الله ـ و كانا في المدينة يتناوبان في الآذان . و سعد القرظ بقباء ، و أبو محذورة بمكة ، رضي الله عنهم .   

 

 فصل ـ نوقه وخيوله ـ

و كان له صلى الله عليه و سلم من النوق : العضباء ، و الجدعاء ، و القصواء ، و روي عن  محمد ابن إبراهيم التيمي  أنه قال : إنما كان له ناقة واحدة موصوفة بهذه الصفات الثلاث ، و هذا غريب جداً ، حكاه  النووي  . و كان له من الخيل السكب ـ و كان أغر محجلاً طلق اليمين ، و هو أول فرس غزا عليه ـ و سبحة ، و هو الذي سابق عليه . و هو الذي اشتراه من الأعرابي ، و شهد فيه خزيمة بن ثابت . و قال سهل بن سعد : كان له ثلاثة أفراس : لزاز و الظرب ، و اللخيف ، و قيل بالحاء المهملة ، و قيل النحيف ، فهذه ستة ، و سابعة وهي الورد ، أهداها له تميم الداري .

و كانت له بغلة يقال لها الدلدل ، أهداها له المقوقس ، و حضر بها يوم حنين ، و قد عاشت بعده صلى الله عليه و سلم حتى كان يحسى  لها الشعير لما سقطت أسنانها ، و كانت عند علي ، ثم بعده عند عبد الله بن جعفر .

و كان له حمار يقال له : عفير ، بالعين المهملة ، و قيل بالمعجمة ـ قاله  عياض  ـ قال  النووي  ، و اتفقوا على تغليطه في ذلك .

قلت و أغرب من هذا كله رواية  أبي القاسم السهيلي  في  روضه  الحديث المشهور في قصة عفير أنه كلم النبي صلى الله عليه و سلم ، و قال إنه من نسل سبعين حماراً كل منها ركبه نبي ، و أن اسمه يزيد بن شهاب ، و أنه كان يبعثه النبي صلى الله عليه و سلم في الحاجات إلى أصحابه .

فهذا شيء باطل لا أصل له من طريق صحيح و لا ضعيف إلا ما ذكره  أبو محمد بن أبي حاتم  من طريق منكر مردود ، و لا شك أهل العلم بهذا الشأن أنه موضوع ، و قد ذكر هذا  أبو إسحاق الإسفراييني  و  إمام الحرمين  ، حتى ذكره  القاضي عياض  في كتابه  الشفاء  استطراداً ، و كان الأولى ترك ذكره لأنه موضوع . سألت شيخنا  أبا الحجاج  عنه فقال : ليس له أصل وهو ضحكة . و كان له صلى الله عليه و سلم في وقت عشرون لقحة ، و مائة من الغنم .

 

 فصل ـ سلاحه ـ

و كان له من آلات الحرب : ثلاثة أرماح ، و ثلاث أقواس ، و ستة أسياف ، منها ذو الفقار ، تنفله يوم بدر ، و درع ، و ترس ، و خاتم ، و قدح غليظ من خشب ، و راية سوداء مربعة ، و لواء أبيض ، وقيل : أسود . 

 

 فصل ـ رسله إلى الملوك ـ

في ذكر رسله إلى ملوك الآفاق . أرسل صلى الله عليه و سلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي بكتاب ، فأسلم رضي الله عنه و نور ضريحه .

و دحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل عظيم الروم ، فقارب و كاد و لم يسلم ، و قال بعضهم : بل أسلم ، و قد روى  سنيد بن داود  في  تفسيره  حديثاً مرسلاً فيه ما يدل على إسلامه ، و روى  أبو عبيد  في كتاب  الأموال  حديثاً مرسلاً أيضاً فيه تصريح بعدم إسلامه .

و بعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك الفرس ، فتكبر و مزق كتابه صلى الله عليه و سلم ، فمزقه الله و ممالكه كل ممزق بدعوة رسول الله صلى الله عليه و سلم عليه بذلك .

و حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك الإسكندرية و مصر ، فقارب ولم يذكر له إسلام ، و بعث الهدايا إليه صلى الله عليه و سلم و التحف .

و عمرو بن العاص إلى ملكي عمان فأسلما ، و خليا بين عمرو و الصدقة و الحكم بين الناس ، رضي الله عنهما .

و سليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي باليمامة .

و شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك البلقاء من الشام .

و المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث الحميري .

و العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين فأسلم .

و أرسل أبا موسى الأشعري و معاذ بن جبل كليهما إلى أهل اليمن فأسلم عامة ملوكهم و سوقتهم .

 

 

 فصل ـ صفته الظاهرة

في صفته الظاهرة ، و قد صنف العلماء في هذا الباب ، فأحسن من جمع في ذلك الإمام  أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي  رحمه الله تعالى ، أعني  كتاب الشمائل  ، و تبعه العلماء و الأئمة . و قد استوعى ذلك بأسانيد ، و شرحه مطولاً  الحافظ أبو القاسم بن عساكر  رحمه الله تعالى ،  و شيخنا  الإمام الحافظ أبو الحجاج المزي  في  تهذيب الكلام  . و قد ذكر  الشيخ أبو زكريا النووي  في  تهذيبه  فصلاً مختصراً فيه قال : كان صلى الله عليه و سلم ليس بالطويل البائن و لا القصير ، و لا الأبيض الأمهق ، و لا الآدم ، ولا الجعد القطط و لا السبط .

و توفي و ليس في رأسه عشرون شعرة بيضاء ، و كان حسن الجسم بعيد ما بين المنكبين ، له شعر إلى منكبيه ، و في وقت إلى شحمة أذنيه . و في وقت إلى نصف أذنيه ، كث اللحية ، شثن الكفين ، أي غليظ الأصابع ، ضخم الرأس و الكراديس ، في وجهه تدوير ، أدعج العينين طويل أهدابهما ، أحمر المآقي ذا مشربة ، و هي الشعر الدقيق من الصدر إلى السرة ، كالقضيب ، إذا مشى تقلع كأنما ينحط من صبب أي يمشي بقوة ، و الصبب : الحدور . يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر ، كان وجهه كالقمر ، حسن الصوت ، سهل الخدين ، ضليع الفم ، سواء الصدر و البطن ، أشعر المنكبين و الذراعين و أعالي الصدر ، طويل الزندين رحب الراحة ، أشكل العينين ، أي طويل شقهما ، منهوس العقبين ، أي قليل لحم العقب ، بين كتفيه خاتم النبوة ، كزر الحجلة و كبيضة الحمامة . و كان إذا مشى كأنما تطوى له الأرض ، و يجدون في لحاقه و هو غير مكترث . و كان يسدل شعر رأسه ، ثم فرقه ، و كان يرجله ، و يسرح لحيته و يكتحل بالإثمد كل ليلة ، في كل عين ثلاثة أطراف عند النوم .

و كان أحب الثياب إليه القميص والبياض و الحبرة ، وهي ضرب من البرود فيه حمرة ، و كان كم قميصه صلى الله عليه و سلم إلى الرسغ ، و لبس في وقت حلة حمراء و إزاراً و رداء ، و في وقت ثوبين أخضرين ، و في وقت جبة ضيقة الكمين ، و في وقت قباء ، وفي وقت عمامة سوداء ، و أرخى طرفها بين كتفيه ، و في وقت مرطاً أسود أي كساء ، و لبس الخاتم و الخف و النعل .

انتهى ما ذكره .

و قال أنس بن مالك رضي الله عنه : ما مسست ديباجاً و لا حريراً ألين من كف رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و لا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه و سلم و لقد خدمت رسول الله صلى الله عليه و سلم عشر سنين فما قال لي أف قط . و لا قال لشيء فعلته : لم فعلته ؟ و لا لشيء لم أفعله : ألا فعلت كذا ؟ رواه مسلم . و قال عبد الله بن سلام : لما قدم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة انجفل الناس إليه ، فلما نظرت إليه عرفت أن و جهه ليس بوجه كذاب ، صلى الله عليه و سلم صلاة دائمة إلى يوم الدين و سلم تسليماً كثيراً .   

 

 

 فصل ـ أخلاقه الطاهرة

و أما أخلاقه الطاهرة ، فقد قال الله سبحانه : " ن والقلم وما يسطرون * ما أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك لعلى خلق عظيم " ، و في  الصحيح  عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كان خلق رسول الله صلى الله عليه و سلم القرآن . و معنى هذا أنه صلى الله عليه و سلم قد ألزم نفسه ألا يفعل إلا ما أمره به القرآن ، و لا يترك إلا ما نهاه عنه القرآن ، فصار امتثال أمر ربه خلقاً له و سجية ، صلوات الله و سلامه عليه إلى يوم الدين . و قد قال الله تعالى : " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم " فكانت أخلاقه صلى الله عليه و سلم أشرف الأخلاق و أكرمها و أبرها وأعظمها :

فكان أشجع الناس و أشجع ما يكون عند شدة الحروب .

و كان أكرم الناس ، و أكرم ما يكون في رمضان  .

و كان أعلم الخلق بالله ، و أفصح الخلق نطقاً ، و أنصح الخلق للخلق ، و أحلم الناس .

و كان صلى الله عليه و سلم أشد الناس تواضعاً في وقار ، صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين . قالت قيلة بنت مخرمة في حديثها عند  أبي داود  : فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم المتخشع في جلسته أرعدت من الفرق . و في السيرة أنه صلى الله عليه و سلم لما دخل مكة يوم الفتح جعل يطأطئ رأسه من التواضع ، حتى إن مقدم رحله ليصيب عثنونه ، وهو من شعر اللحية .

و كان أشد حياء من العذراء في خدرها ، و مع ذلك فأشد الناس بأساً في أمر الله ، و روي عنه أنه قال صلى الله عليه و سلم : " أنا الضحوك القتال " . و هكذا مدح الله عز و جل أصحابه حيث قال تبارك و تعالى : " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم " . و ستأتي إن شاء الله تعالى بقية أوصافه الجميلة مستقصاة فيما نورده من الأحاديث بعد هذا إن شاء الله تعالى و به المستعان .

 

 

 فصل ـ الأماكن التي حلها

في ذكر الأماكن التي حلها صلوات الله و سلامه عليه . و هي الرحلات النبوية .

قدم الشام مرتين :

الأولى مع عمه أبي طالب في تجارة له ، و كان عمره إذ ذاك ثنتي عشرة سنة ، و كان من قصة بحيرا و تبشيره به  ما كان من الآيات الي رآها ، مما بهر العقول ، و ذلك مبسوط في الحديث الذي رواه  الترمذي  مما تفرد به قراد أبو نوح ، و اسمه عبد الرحمن بن غزوان ، و هو إسناد صحيح ، و لكن في متنه غرابة قد بسط الكلام عليه في موضع آخر ، و فيه ذكر الغمامة و لم أرها ذكراً في حديث ثابت أعلمه سواه . القدمة الثانية في تجارة لخديجة بنت خويلد و صحبته مولاه ميسرة ،فبلغ أرض بصرى ، فباع ثم التجارة و رجع ، فأخبر ميسرة مولاته بما رأى عليه صلى الله عليه و سلم من لوائح النبوة ، فرغبت فيه و تزوجته ، و كان عمره حين تزوجها ـ على ما ذكره أهل السيرـ خمساً و عشرين سنة .

و تقدم أنه صلى الله عليه و سلم أسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، فاجتمع بالأنبياء و صلى بهم فيه ، ثم ركب إلى السماء ثم إلى ما بعدها من السموات سماء سماء ، و رأى الأنبياء هناك على مراتبهم ، و يسلم عليهم و يسلمون عليه ، ثم صعد إلى سدرة