|
ويُضارع الرازيَّ في الشهرة في تلك الفترة بنو موسى بن شاكر، وهم الإخوة الثلاثة:
محمد وأحمد والحسن (عاشوا في القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي، وتُوُفِّيَ
محمد، وهو أعلمهم، سنة 873م)، وقد لمعوا في علوم الرياضيات والفلك والعلوم
التطبيقية والتقنية، واشتهروا بكتابهم القيِّم المعروف باسم "حيل بني موسى"، والذي
يقول عنه ابن خلِّكان: "ولهم في الحيل كتاب عجيب نادر يشتمل على كل غريبة، ولقد
وقفت عليه فوجدته من أحسن الكتب وأمتعها"[6].
ويحتوي هذا الكتاب على مائة تركيب ميكانيكي مع شروح تفصيلية ورسوم توضيحية لطرائق
التركيب والتشغيل.
والعلم الذي برع فيه بنو موسى هو علم "الحيل النافعة"، أو الهندسة الميكانيكية -
بِلُغَةِ العلم المعاصرة - وهو يمثِّل الجانب التقني المتقدِّم في علوم الحضارة
الإسلامية؛ حيث كان المهندسون والتقنيون يقومون بتطبيق معارفهم النظرية للإفادة
منها في كل ما يخدم الدين، ويُحَقِّق مظاهر المدنية والإعمار، وقد جعلوا الغاية من
هذا العلم هي: "الحصول على الفعل الكبير من الجهد اليسير"، ويُقصد به استعمال
الحيلة مكان القوَّة, والعقل مكان العضلات, والآلة بدل البدن، وذلك بعد أن كانت
غاية السابقين من علم الحيل لا تتعدى استعماله في التأثير الديني والرُّوحي على
أتباع مذاهبهم، مثل استعمال التماثيل المتحرِّكة أو الناطقة بواسطة الكُهَّان،
واستعمال الأرغن الموسيقى وغيره من الآلات المصوّتة في المعابد[7]!!
ومن أمثلة تركيبات بني موسى الميكانيكية هذه عَمَلُ سراج إذا وُضِع في الريح العاصف
لا ينطفئ، وعملُ سراج يُخرِج الفتيلة لنفسه، ويصبُّ الزيت لنفسه، وكل مَن يراه
يظنُّ أن النار لا تأكل من الزيت ولا من الفتيلة شيئًا ألبتة، وعملُ نافورة يَفُور
منها الماء مدَّة من الزمان كهيئة التُّرس، ومدَّة متماثلة كهيئة القناة، وكذلك لا
تزال دهرها تتبدَّل.
وكان استخدام بني موسى للصمامات المخروطية ولأعمدة المرافق التي تعمل بصورة آليَّة،
وغير ذلك من مبادئ وأفكار التحكُّم الآلي استخدامًا غير مسبوق، وسبقوا به أوَّل
صَفٍّ لآليَّة عمود المَرَافِق الحديث في أوروبا بخمسمائة عام، ويُعَدُّ أيضًا مِن
أهمِّ الإنجازات في تاريخ العلم والتقنية بشكل عامٍّ. وقد استحدثوا كذلك آلات لخدمة
الزراعة والفلاحة، مثل المعالف الخاصة لحيوانات ذات أحجام مُعَيَّنة تتَمَكَّن أن
تُصِيب مأكلها ومشربها، فلا تُنازِعها غيرها الطعام والشراب، وعمل خزانات
للحمَّامات، وآلات لتعيين كثافة السوائل، وآلات تُثَبَّتُ في الحقول كيلا تضيع
كَمِّيَّات الماء هدرًا، ويمكن بواسطتها السيطرة على عملية رَيِّ المزروعات، وكان
لكل هذه الأفكار الإبداعية أثر كبير في دفع مسيرة تقنية "الحيل النافعة" أو الهندسة
الميكانيكية قُدُمًا، حيث تميَّزت تصاميمها بالخيال الخصب والتوصيف الدقيق
والمنهجية التجريبية الرائدة[8].
|