|
جويرية هي بنت الحارث الذي هو سيد قومه . نشأت في عز . والبيوت
العريقة لها أعظم الأثر في تربية بناتها وأبنائها .
زين الله عز وجل السيدة جويرية بالرغم من حداثة سنها بكريم الصفات ،
وجميل الأخلاق ، وحُسن الأدب . وبسبب هذه الصفات الكريمة ، أصبحت جويرية واحدة من
نساء أهل البيت الذي أذهب الله عز وجل عنه الرجز وطهره تطهيرا .
وتزوجت مسافع بن صفوان أصل بني المصطلق . وعم نور الإسلام الدنيا ،
وآمن عدد كبير في الجزيرة العربية إلا بني المصطلق بزعامة والدها الحارث . كانوا لا
يزالون بغطون في نوم الرواسب الجاهلية . وكانوا يُصدمون عندما يعرفون أن المسلمين
انتصروا في معارك عديدة .
المكانة الرفيعة بين العرب ، والمنزلة السامية التي وصل اليها سيدنا
محمد عليه الصلاة والسلام، حركت نزعة الحارث الجاهلية . فقام بحشد أتباعه ، وتهيئة
جيشه ، والسير بهم الى المدينة لقتال المسلمين .
كان سيدنا محمد يعرف ما يحصل حواليه في الجزيرة العربية . فأتم رسول
الله صلى الله عليه وسلم استعداداته ، ثم خرج على رأس جيش المسلمين الى بني المصطلق
لمفاجأتهم . والتقى الجيشان في مكان يُدعى المريسيع .
دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الإسلام فأبوا . ثم نشب
القتال بالسهام أولا ، ثم بالسيوف حيث انهزم بني المصطلق هزيمة نكراء . ووقع أكثرهم
أسرى في يد المسلمين . ومن ضمنهم ابنة الحارث جويرية . وبلغ عدد الرهائن 700 رجل .
وكان زوج جويرية مسافع قد قُتل في هذه المعركة .
وقعت جويرية من نصيب ثابت بن قيس . فكاتبها على تسع أواق من الذهب .
المكاتبة تعني أن الأسير أو العبد يشتري نفسه من سيده مقابل مبلغ معين يحدده السيد
.
دخلت جويرية على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان في بيت عائشة .
وذكرت عنده أن ثابت كاتبها على كاتبها على تسع أواق من الذهب . فطلبت من سيدنا محمد
أن يعينها على سداد هذا المال . فعرض عليها أن يؤدي عنها المال ويتزوجها فوافقت .
وعلم أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر هذا الزواج . فقالوا ،
وقد صقلت أنفسهم التربية المحمدية ، وهذبتهم الآيات القرآنية ، كيف يكون أصهار رسول
الله صلى الله عليه وسلم أسرى . فأطلقوا سراحهم اكراما لهذا الزواج المبارك . وكان
عدد من أُطلق سراحهم من أهلها 100 أسير.
وعندما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان عمر جويرية 20 عاما
. لكنها كانت ذو عقل رشيد ، ورأي صائب . كما أن الإيمان رسخ في نفسها ، فجعلها
رزينة ، هادئة ، مطمئنة الضمير .
لنرى كيف كان حالها في بيت النبوة . كانت جويرية من الذاكرين الله
كثيرا والذاكرات ، ومن العابدات القانتات ، وكانت صبورة جدا . وكانت تناجي الله عز
وجل ، وتحمده ، وتذكره بالغدو والآصال ، وحين تُصبح ، وحين تُظهر ، وحين تُمسي .
هذا مثال عن ذكرها لله عز وجل . صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
عندها الفجر، وخرج ولم يعد الى أن ارتفع الضحى ( بعد طلوع الشمس بنصف ساعة ) .
فوجدها في مكانها حيث أدت فريضة الفجر خلفه . وهي تذكر الله عز وجل . فعلمها رسول
الله صلى الله عليه وسلم كلمات توازي أضعاف ما ذكرت وهم : سبحان الله عدد خلقه (3)
، سبحان الله رضا نفسه (3) ، سبحان الله زنة عرشه (3) ، سبحان الله مداد كلماته (3)
.
وأسلم أهلها وحسن اسلامهم . ومنهم والدها الحارث الذي كان قد نظم غزوة
بني المصطلق . وكان أهلها من كتائب المجاهدين الذين اختصهم الله عز وجل لنصرة دينه
، ونشر رسالته ، وإعلاء كلمته .
إذا أراد الله بعبد خيرا ، أكرمه بالإقبال على العلم ، يقتبس من نوره
ما يشاء . ليكمل طريق الهداية والحق في هذه الحياة الدنيا . ولكي يكون من المقبولين
، ومن الفائزين ، ومن السعداء .
وأمنا جويرية هي ممن أراد الله عز وجل بها الخير . فكانت ترقبه عليه
الصلاة والسلام في عبادته الخاصة يوم يكون في بيتها ، وتشهده في تسبيحه لخالقه ،
وتقديسه لبارئه ، وتصغي اليه وهو يوحّد الله عز وجل . وتعي ما تسمع من آداب الإسلام
الإجتماعي . وتلحظ تلطفه صلى الله عليه وسلم في عشرته الزوجية ، وتلاحظ الرحمة في
تعاملاته الداخلية والخارجية .
وكانت جويرية واعية ، عالمة بما تسمع ، عاملة بما تعلم ، تقية ، نقية
، ورعة ، فقيهة ، عابدة ، مضيئة القلب والعقل ، مشرقة الروح ، تحب الله عز وجل ،
وتحب رسوله الكريم ، وتحب الخير للناس أجمعين .
وكانت جويرية تروي من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . ويرويه
عنها أحسن علماء الصحابة الكرام ، لينشروه في المجتمع المسلم علما وعملا ، ودعوة
وهداية .
وروى عن أمنا جويرية حبر الأمة عبد الله بن عباس ، وجابر بن عبد الله
الأنصاري ، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم .
وروى عنها أصحاب السنن الأربع ، ومنهم البخاري ومسلم . من الأحاديث
التي ذكرتها : " يوم الجمعة يوم عيد ، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم ، إلا أن
تصوموا قبله أو بعده " .
وكانت جويرية ممن كتب لها شرف الجهاد ، وشرف الصحبة مع الرسول الكريم
الى ساحات إعلاء كلمة الله عز وجل .
يوم كان انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى ،
كانت جويرية أدنى الناس الى فراشه ، تتأمل وجهه الشريف ، وتذكر الأيام الخالية ،
وتنظر الى المستقبل المجهول بعين القلق ، ثم تبكي لكن دون نحيب أو عويل .
وانقضى المأتم ، وعادت جويرية الى وحدتها ، ليس لها من أنيس سوى
اتصالها الدائم بالله تعالى، عن طريق عبادتها قياما وصياما .
وعاشت أمنا جويرية بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم راضية مرضية .
قضت جزء من حياتها مع أزواج النبي الطاهرات . وكانت حياتها مفعمة بالعلم ، والذكر،
والدعاء ، والتسبيح . وتلقين العلم لأهل العلم الذين يطلبون علمهم في المدينة
المنورة ، ويقصدون منارات العلم . ومن هؤلاء المنارات زوجات النبي الطاهرات رضي
الله عنهم .
أما انفاقها فعظيم . تُعطي كل ما تكسب من مخصصات بيت المال الى
الفقراء ، والمحتاجين ، والمساكين .
وكانت تقصد الى الحج في كل موسم . فتؤدي المناسك بقلب طاهر خاشع ،
ونفس مشرقة .
وامتدت حياة امنا جويرية الى خلافة سيدنا معاوية بن أبي سفيان . وقد
بلغت 70 عاما . وصلى عليها مروان بن الحكم والي المدينة ودفنت بالبقيع .
☺ ☺ ☺
|