|
كانت خديجة رضي الله
عنها تهيء لرسول الله صلى الله عليه وسلم تهيء لرسول الله عليه الصلاة والسلام كل
أسباب الراحة والنعيم . فكانت سخية بعواطفها وأحوالها وكشاعرها . وكانت تكرم من يحب
زوجها إكراما يملأ النفس رضى وسرور .
وفي يوم أتت حليمة
السعدية الى بيت خديجة . أتذكرون من هي ؟ نعم ، هي أولى مرضعاته . فتسارعت الذكريات
الجميلة وأخذت تطفو على سطح ذهنه . فتذكر أيام طفولته ، وأيام نشأته بين ذراعي
حليمة وفي أحضانها . وأخذ يسألها عن حالها . فشكت اليه ما أصابها وقومها من قسوة
الحياة والقحط الذي نزل ببني سعد . ففاض عليها من كرمه . وكذلك أكرمتها سيدتنا
خديجة رضي الله عنها .
فرحت خديجة كثيرا
عندما علمت أنها حامل وأنها ستضع أول مولودة لها . وأحست أن من إنجابها الذرية من
محمد صلى الله عليه وسلم شيء رائع يثلج الصدر ويجعل النفس تشرق بآمال عظيمة .
فوضعت أول طفلة
وسماها الحبيب زينب . كان يفرح كثيرا عندما يراها فيرفعها ويقبلها في حنان. كان
سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام يتفرس في وجه إبنته زينب ويجد أنها تشبه خديجة.
وهذا ما يزيده حبا لها . ثم جاءت رقية عندما كان عمر زينب حوالي السنتين . بعد ذلك
جاءت أم كلثوم . وأخيرا ، سيدة نساء العالمين أم الحسنين ، فاطمة الزهراء . وأنجبت
له أيضا القاسم وعبد الله . لكن الولدان لم يعيشا كثيرا . إذن ، أنجبت خديجة من
سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أربع بنات وولدين .
في العام الذي سيسطع
فيه نور الإسلام ، حُبب الى سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام الخلاء والتأمل .
فلاحظت أمنا خديجة سمات جديدة تعلو وجه النبي الكريم ، وصمتا طويلا عميقا يلازمه ،
وتأملا شديدا يسرح به ، وهو مع ذلك يزداد تألقا وصفاء ويشع نورا وبهاء .
فأحست بأن أمر النبوة
قد حل أجله ، فوفرت للنبي صلى الله عليه وسلم كل أسباب الصفاء ، وما عكرت عليه أبدا
خلواته وتأملاته . واذا ما انطلق النبي الكريم الى غار حراء للعبادة ، ظلت عيناها
ترعاه من بعيد . ولم تكتف بذلك ، بل كانت ترسل وراءه من يحرسه ويرعاه دون أن يقتحم
عليه خلوته ، أو يعكر عليه صفاءه ، أو يقطع صلته بربه في ذلك الغار .
فلما أصبح عمر سيدنا
محمد عليه الصلاة والسلام 40 عاما ، أشرقت عليه أنوار النبوة ، وأكرمه الله عز وجل
برسالته ، وبعثه الى خلقه .
كيف بدأ الوحي ؟ هيا
نكتشف معا .
أول ما بدىء به رسول
الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة . فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل
فلق الصبح ، ثم حُبب اليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء يتعبد الليالي حتى جاءه
الحق وهو في غار حراء .
في يوم خالد كريم ،
وفي ليلة مباركة هي ليلة القدر ، أشرقت الأرض بنور ربها واصطف الملأ الأعلى وازينت
السماء ونادى المنادي : هذا يوم البشرى .
ثم هبط جبريل عليه
السلام بالأمر المبين الى الرسول الكريم . فقال له : اقرأ . قال النبي : ما انا
بقارىء . فأخذه سيدنا جبريل وضمه بقوة ثم أطلقه ، وكرر الأمر ثانية . في المرة
الثالثة : قال النبي ماذا أقرأ ؟ فطلب منه سيدنا جبريل قراءة : " اقرأ بإسم ربك
الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان
ما لم يعلم " .
بعد هذه البشرى وبعد
هذا اللقاء العظيم ، عاد النبي الكريم الى الصدر الحنون والقلب الكبير ، والنفس
المواسية . عاد الى خديجة مرتعبا يحدثها بما رأى وسمع . فهدأته سيدتنا خديجة .
وقالت له : أنه أُريد بك الخير العظيم . ومدحته بالحق فقالت إنك لتصل الرحم ، وتصدق
الحديث ، وتكرم الضيف ، وتعين على النوائب . ثم بعد أن هدأت نفسه ، أخذته الى ابن
عمها ورقة بن نوفل . فقال ورقة : " قدوس قدوس ، والذي نفس ورقة بيده ، لقد جاءك
الناموس الأعظم الذي كان يأتي موسى ، وليتني أكون حيا إذ يُخرجوك قومك . وبالفعل
عاداه قومه وعذبوه .
كانت خديجة أول من
آمن بالدين الحنيف . لم يسبقها رجل أو امرأة . كان النبي الكريم لا يسمع شيئا يكرهه
من رد عليه ، وتكذيب له ، فيحزنه ذلك ، إلا فرج الله عز وجل عنه بخديجة . اذا رجع
اليه تثبته ، وتخفف عنه وتصدقه ، وتهون عليه أمر الناس .
علي بن أبي طالب هو
ابن عم الرسول الكريم . كان ثاني من أسلم بعد خديجة . فقد آمن في سن الصبا قبل أن
يبلغ الحلم . فشب معه الإيمان حتى خالط مشاعره وملأ قلبه ، وأفعم بالنور روحه .
وكانت العناية الإلهية قد ساقته الى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجه خديجة
الطاهرة .
وآمن أيضا زيد ابن
حارثة الذي فضل البقاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على العودة مع أبيه وعمه
الى دار الكفر .
ولا يجب أن ننسى بنات
الرسول الكريم ، أسبق السابقات الى الإسلام ، فصدقوا برسالة أبيهن سيد الخلق ، الذي
كان أبا قبل أن يكون رسولا .
الله عز وجل فرض
الصلاة على سيدنا محمد أول ما بدأ الوحي . فعلمه سيدنا جبريل كيف يتطهر للصلاة .
فعلم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام بدوره زوجته ذلك . فكانت أسبق السابقات الى
الصلاة .
ومكث سيدنا محمد عليه
الصلاة والسلام يدعو الى الله عز وجل سرا 3 أعوام . حتى أمره الله أن يجهر بدعوته .
فنزلت الآية الكريمة : " فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين " .
في هذه المرحلة ، بدأ
الصراع العنيف الحاد من قبل قريش لدعوة الحق . وامتدت يد قريش الى تجارة خديجة تنال
منها . فتصادر الموارد ، وتقطع السبل ، وتحرض الأتباع ، وترشو المساهمين . فكانت
رضي الله عنها تتقبل كل ذلك راضية مرضية .
ولقد أمعن أبو لهب مع
زوجته أم جميل حمالة الحطب ، في إيذاء النبي الكريم . فأمر ولديه عتبة وعتيبة أن
يُطلقا ابنتي رسول الله رقية وأم كلثوم نكاية ليُحزنوه فتخف دعوته الى الدين الحنيف
. وسرعان ما تزوج عثمان بن عفان ، الرجل الذي كانت تستحي منه الملائكة ، من رقية .
فأبدلها الله عز وجل خير من زوجها الأول . فلا ننسى عند المصيبة أن نقول : " اللهم
أجرني في مصيبتي وأخلفني خيرا منها " .
ويأتي جزاء سيدتنا
خديجة ، الزوجة الوفية ، المؤمنة الصابرة ، والمسلمة المجاهدة . فقال سيدنا محمد
عليه الصلاة والسلام مبشرا لها : " الله يقرؤك السلام على لسان جبريل ويبشرك ببيت
في الجنة من قصب ذهب لا نصب فيه ولا صخب " . فقالت خديجة رضي الله عنها : هو السلام
، ومنه السلام ، وعليك السلام يا جبريل .
أذن النبي صلى الله
عليه وسلم لأصحابه بالهجرة الى الحبشة ، فرارا من أذى قريش وظلمها . فودعت خديجة
ابنتها رقية المهاجرة مع زوجها عثمان ، وقلبها يتفطر فراقا لفلذة كبدها .
اشتد الضغط على سيدنا
محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه . فقرر كفار قريش قتل الرسول الكريم لتحطيم الدعوة
وقتلها في مكة ، قبل أن تعم الأرض .
وثار بنو هاشم وبنو
المطلب على ما أجمع عليه كفار قريش . وأعلن بنو هاشم حمايتهم لرسول الله صلى الله
عليه وسلم . وكان منهم المؤمن ومنهم الكافر . فنبذ كفار قريش هاتين القبيلتين
بالكامل وأخرجوهم ( مؤمنهم وكافرهم ) الى شُعب ابي طالب . وضيقوا عليهم بمنع حضور
الأسواق ، وألا يناكحوهم ، وألا يقبلوا منهم صلحا حتى يسلّموا رسول الله صلى الله
عليه وسلم للقتل . وكتبوا بذلك صحيفة علقوها على الكعبة المشرفة .
مضت ثلاث سنوات عجاف
على المسلمين ، وهم محاصرون داخل الشُعب . كانت أيامهم فيها أيام شدة وضيق . فقد
نفذ بعد السنة الأولى ما كان عندهم . وراحوا يصرخون يطلبون الطعام ، فكانت دموع
النساء تنهمر ، وأكباد الرجال تتفتت .
وكان لخديجة في سنوات
المحنة فضل كبير . كانت تواسي نساء المسلمين بنفسها ومالها ، وتنفق انفاق من لا
يخاف فقرا . وتغدق عليهم من فيض حنانها ومحبتها وإيمانها . ثم انهارت مقاومة قريش ،
وعاد المسلمون الى مكة ، وهم أصلب عودا .
توالى الوحي ، وأخذ
أمر الرسالة يقوى ، ورايتها تعلو ، والصراع بين الإيمان والكفر يشتد ، وأخذت وفود
العرب تتعرف على محمد ودعوته .
وفي عام واحد ، أُصيب
رسول الله صلى الله عليه وسلم بحادثتين كبيرتين جعلاه يسمي ذلك العام بعام الحزن .
فقد توفي عمه أبو
طالب الذي كان درعه الواقية ، يدفع عنه الأذى ويحميه ، تهابه قريش لمكانته فيها
وتحترمه لرجاحة رأيه . فمات الرجل الذي كفله صغيرا ، ورعاه يافعا ، وحماه نبيا .
ثم لحقته خديجة . فقد
أوهنت سنوات الحصار والمقاطعة يقسوتها جسد الطاهرة والمجاهدة الكريمة الصابرة .
فسقطت صريعة المرض . وأحس النبي صلى الله عليه وسلم بالحزن والأسى، كما أحاطت
بالفراش الطاهر بناتها يبكون أغلى الأمهات وأكرم المجاهدات .
ثم دنا منها رسول
الله صلى الله عليه وسلم باكيا وهو يقول : " ما أمر الفراق يا خديجة ، سيكون اللقاء
في الجنة ، في قصرك يا خديجة الذي أعده الله لك من لؤلؤ مضيء . فتجيبه الصديقة مع
آخر نسمة من نسمات الحياة : " إن شاء الله " .
ويبكي النبي ، وتبكي
بناته ، ويخلو البيت الكريم من الشعلة الإيمانية التي أضاءت حياته وآفاقه 28 عاما .
ولحقت خديجة بالرفيق الأعلى ، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين
والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا .
وظلت خديجة رضي الله
عنها في قلب النبي الكريم في كل مناسبة . فيكثر من الثناء عليها . ويبدو أن ثناء
رسول الله صلى الله عليه وسلم على خديجة رضي الله عنها أثار غريزة الغيرة عند عائشة
التي تزوجها بعد وفاة خديجة بثلاث سنوات . فقالت : " ما غرت على امرأة ما غرت من
خديجة ، مما كنت أسمع من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لها " .
وكان رسول الله صلى
الله عليه وسلم يبر صديقات خديجة وأهلها بعد موتها ، إحياء لذكراها ووفاء لطهرها
وكرمها .
|