|
ميمونة بنت الحارث بن هلال أحد أشراف
قريش وسادتها ، وأحد زعائم مكة . أمها : هند بنت عوف سيدة من سادات أم القرى
اللواتي اشتهرن بالفضل والنسب الرفيع .
أمن ميمونة هي خالة خالد بن الوليد . خالد هو فارس الإسلام ، وسيف
الرحمن ، ومُذِل المشركين. وكذلك هي خالة عبد الله بن عباس حبر الأمة ، وفقيه
الفقهاء ، وابن عم المصطفى صلى الله عليه وسلم .
أختها أم الفضل هي زوجة العباس بن عبد المطلب عم النبي . وسلمى أختها
الأخرى هي زوجة حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء ، وعم النبي الكريم . من خلال ما
تقدم ، نجد أن عائلة سيدتنا ميمونة مليئة بالمصاهرة مع سيدنا محمد . وأتت أمنا
ميمونة لتكمل هذه السلسلة المباركة ، وتكون أما للمؤمنين .
إن أمنا ميمونة – رضي الله عنها – واخواتها من سادات النساء ، وممن
شهد لهن الرسول الكريم بالإيمان . وهل تعدل بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحدا ؟
ولدت سيدتنا ميمونة – رضي الله عنها – قبل نبوة سيدنا محمد صلى الله
عليه وسلم بست سنوات. وتزوجت من مسعود بن عمرو . وكان أصيلا ، جميلا ، غنيا ، فيه
كبرياء الجاهلية ، وغطرسة الشرك .
كانت ميمونة كثيرة التردد على أختها أم الفضل زوجة العباس . فأم الفضل
هي الكبرى بين أخواتها ، وفي صدرها رحابة ، وفي قلبها حنان . وهي ذات حكمة فتجد كل
أخواتها يستشرنها في أمورهم بعد وفاة والدتهم .
وفي بيت أختها أم الفضل ، كانت ميمونة تصغي بشوق وإهتمام الى بعض
تعاليم الإسلام ، والى أخبار المسلمين . لم يطل زواجها من مسعود كثيرا ، فسرعان ما
تم الفراق بين أم المؤمنين وزوجها الكافر . هيا نعود معا الى أصل هذا الفراق ، وكيف
حصل .
كانت ميمونة في بيت شقيقتها أم الفضل عندما علم العباس أخبار المسلمين
في خيبر، وانتصارهم على اليهود . ففرحت كثيرا ، وأظهرت فرحتها .
وحين عادت الى بيت الزوجية ، كانت هي سعيدة ، مستبشرة بفوز المسلمين .
وكان هو مغموما حزينا بسبب انهزام المشركين في تلك المعركة .
فتشاجرا ، واشتد الخلاف بينهما . ثم أعلن مسعود مفارقتها . فخرجت من
عنده الى بيت العباس بن عبد المطلب تقيم عنده .
لقد فارقت مسعود غير آسفة ، ولا حزينة . بل منشرحة الصدر ، نفسها
راضية . فتحررت إرادتها بهذه المفارقة ، وأصبحت حرة في الإختيار ، والسلوك ، والسير
على الصراط المستقيم .
كانت ميمونة تنظر الى حشود المسلمين ، وطوافهم ، ودعائهم ، وتستمع الى
تلبيتهم . وكانت تبكي من عِظَم ما رأته ، وهي مبتسمة .
كانت ميمونة – رضي الله عنها – مؤمنة تكتم إيمانها في أجواء مكة
الكافرة ، فإذا بهذا الإيمان عند رؤية النبي الكريم وأصحابه يتفجر ، فأعلنت إسلامها
على الملأ .
لم تتوقف عند هذا الحد ، بل أرسلت العباس بن عبد المطلب – رضي الله
عنه – ليعرض رغبتها في الزواج من سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام . فقبل سيدنا محمد
، ولبى نداء النفس الزكية الطاهرة ، والقلب الجياش بالإيمان .
كانت مدة الأيام الثلاثة قد انتهت . هذه الأيام نص عليها صلح الحديبية
. وعلى أساسها أقام المسلمون العمرة بعد عام من هذا الصلح . ووجب عليهم فقط أن
يمكثوا في مكة لأداء العمرة 3 أيام فقط .
كما قلنا ، كانت مدة الثلاثة أيام قد انتهت ، فعرض عليهم سيدنا محمد
أن يتركوه يُجري عرسه في مكة ، ويحضر المشركون وليمة العرس .
أراد سيدنا محمد أن يتخذ من زواجه من ميمونة ذريعة لإطالة إقامتهم .
وليجدد الحوار بينه وبين القرشيين . لعل الله سبحانه وتعالى يهديهم الى الإسلام .
ثم أقام ، صلى الله عليه وسلم ، حفلا دعا فيه أكابر قريش . وفي أثناء
الحفل الكريم ، أعلن سيدنا محمد ذواجه من ميمونة . وحفاظا منه على نصوص معاهدة
الحديبية ، لم يتزوجها في مكة بسبب انقضاء مهلة الثلاثة أيام . ثم تزوجها في سَرَف
.
كانت هذا المرة الأولى التي يدخل فيها سيدنا محمد مكة منذ أن خرج
مهاجرا في سبيل الله . مدة الإقامة في المدينة المنورة بعيدا عن مكة هي سبعة أعوام
كاملة .
دخلت ميمونة البيت النبوي ولم تتجاوز الست وعشرين . فأحست بهذا الزواج
المبارك كأنها ارتفعت حتى كادت تلامس نجوم السماء .
أخذت ميمونة تستمع الى الأحاديث النبوية من الرسول الكريم ، وتهتدي
بما يقوله . فكانت تُكثر من الصلاة في المسجد النبوي الشريف . فهي سمعت النبي
الكريم يقول : " صلاة في مسجدي هذا ، أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام
" .
وضم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام اليها في بيتها شقيقتها سلمى
أرملة عمه حمزة ، وشقيقتها عمارة التي لم تتزوج بعد . فجعل في هذا البيت ركنا لذوي
الفضل ، وممقصدا لأهل الخير ، ومحجة لطلبة العلم من الصحابيات الجليلات .
تمسكت أمنا ميمونة بأوامر الله سبحانه وتعالى ، وتطبيق السنة النبوية
المطهرة . زكتها أم المؤمنين عائشة بعد وفاتها قائلة : " ذهبت والله ميمونة ، أما
أنها كانت من أتقانا لله ، وأوصلنا للرحم " .
روت ميمونة 76 حديثا . ما اتفق عليه الشيخان هو 13 حديثا .
من الأحاديث التي روتها :
1.
الملائكة
لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة .
2.
ما من مسلم
يستدين ، ويعلم الله منه أنه يريد أداء هذا الدين ، إلا أداه الله عنه في الدنيا .
3.
صلاة في
مسجدي هذا ، أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام .
بلغت ميمونة 51 عاما . أمضتها صلاحا وتقوى . كانت وفية لذكرى رسول
الهدى ، ومعلم الإنسانية ، محمد بن عبد الله ، صلوات الله وسلامه عليه . وتوفيت في
خلافة معاوية – رضي الله عنه .
من كثر حبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، توفيت في نفس المكان
الذي تزوجت به سيدنا محمد ، وتحت نفس الشجرة في سَرَف . ودفنت تحت تلك الشجرة .
|