|
ولدت سيدتنا رملة قبل مبعث النبي الكريم بثلاث عشر سنة . نشأت على
الترف ، والعز ، والرفاهية . وحفظت المأثور من القول والحكمة . وهي ضليعة في الأدب
. وكان والدها ذو مكانة عالية . فانتظرت رملة الى أن جاءها من عنده الكفاءة ،
والتماثل الإجتماعي ، ثم تزوجته .
زوجها هو هبد الله بن جحش . هو ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم
. علمت سيدتنا رملة بالإسلام ، وسماحته ، وصفاته الجليلة ، فآمنت وحسن إيمانها .
أما زوجها فآمن ظاهريا وسنرى ماذا سيحصل له . ووالدها ظل على الكفر في هذه الفترة .
كانت رملة عندها جانب كبير من رجاحة الرأي ، وقوة الإرادة . فتغلغل
الإيمان في قلبها . فراحت تسمع آيات الله عز وجل . وأخذت تحفظ ما يتنزل على سيدنا
محمد عليه الصلاة والسلام من آيات الذكر الحكيم ، وتتذوق حلاوتها . فهي كما قلنا
ضليعة في الأدب ، عاقلة ، فصيحة . هذه الصفات ساعدتها على تذوق معاني القرآن الكريم
.
عندما هاجر المسلمون الى الحبشة ، كانت رملة حامل . فوضعت في الحبشة
فتاة سمتها حبيبة . ولقنت بأم حبيبة . ظلت أم حبيبة ملازمة للعبادة ، ترعى إبنتها
وتغذيها على طاعة الله عز وجل ، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم . بينما راح
زوجها يُطيل المكث مع الرهبان ، والجلوس اليهم ، فأُعجب بما يقولون على مر الأيام .
فقال لزوجته في الصباح : يا أم حبيبة ، إني نظرت في الدين فلم أجد
دينا خيرا من النصرانية . فها أنا سأعتنق المسيحية . فحاولت أن تقنعه عن العدول على
هذا القرار ، لكن بدون جدوى . وذكرت له رؤياها في زوجها . إذ رأته قبيحا بعد أن كان
جميلا .
ودعاها الى متابعته ومشاركته ، لكنها رفضت . فاعتكفت في دارها لا تزور
ولا تُزار ، تقوم الليل تناجي ربها . فهو عليم بها ، وبما أصابها في غربتها ، وفي
وحدتها .
واستهوت زوجها خمور الحبشة ، فأخذ يشرب منها حتى الثمالة . واستمر على
ذلك أياما طوالا . فأخذ يُوصل الليل في النهار ، وهو يُعاقر الخمور . حتى احترق
كبده ، والتهبت أمعاؤه ، فقضى كافرا .
قضت رملة أيامها في دار الهجرة في عذابين : عذاب البعد عن الوطن
والأهل ، وعذاب الترمل وفقد الزوج والمعيل . لكنها بما أوتيت من إيمان عظيم ،
استطاعت أن تصمد في وجه المحنة .
علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حصل مع رملة ، وكيف أنها تعيش
وحدها مع طفلتها حبيبة . فرأى عليه الصلاة والسلام أن يُكرمها . وأن يُجزيها خير
الجزاء عن صبرها ، وعن تمسكها بدينها . وبلغه ما بلغه عن صيانتها ، وعبادتها ،
وعفتها ، وصبرها . فعزم الرسول الكريم أن يتزوجها ، وأن يشرفها بأشرف مقامات القرب
. فما أعظم من أن تكون أما للمؤمنين ، ومن أهل البيت الذي طهرهم الله عز وجل تطهيرا
.
حمل عمر بن أمية الضمري الى النجاشي كتاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم الذي يدعوه فيه الى الإسلام . فأسلم وحسن إسلامه . وصلى عليه الرسول الكريم
صلاة الغائب . وهي أول مرة يصليها النبي الكريم ، إذ أن النجاشي تُوفي في أرض فيها
نصارى ولم يكن هناك قوم من المسلمين ليصلوا عليه . فتولى النبي الكريم هذه المهمة .
وأي شرف ناله النجاشي إذ صلى عليه أطهر الناس ، وأشرفهم ، وأعلاهم مقاما وقربا .
وكذلك صلى عليه الصحابة الكرام الذين أخذوا بسنة النبي الكريم ، وعضوا عليها
بالنواجذ . فتراهم أقرب الناس الى اتباعه .
دعونا نعود الى موضوع الكتا ب الذي أرسله سيدنا محمد عليه الصلاة
والسلام الى النجاشي . فقد ضمن النبي الكريم في الكتاب طلبا كريما ، وهو أن يخطب
له النجاشي رملة بنت أبي سفيان. فقبل النجاشي مهمة الخاطب ، وأرسل الى سيدتنا رملة
إحدى جواريه تبشرها بالخبر . ففرحت كثيرا . ثم وكلت خالد بن سعيد بن العاص لإتمام
مراسم الزيجة .
كانت أم حبيبة قد اقتربت من الأربعين ، وكانت رائعة الجمال . لكن
الصفات التي أحبها الرسول الكريم في سيدتنا رملة هي ورعها ، محافظتها على دينها ،
وعلى صلاتها .
كيف لا تكون الصفات الروحية هي التي شدته اليها ، وهو القائل : "
تُنكح المرأة لثلاث : لجمالها، نسبها ، ودينها . فأظفر بذات الدين تربت يداك . "
ودبر الرسول الكريم هذا الزواج ليحقق :
1. رفعة لرملة فوق مكانتها .
2.
جدع أنف
أبي سفيان ، والد رملة القاسي . أو يلين قلبه الغليظ ، ويخشع لما نزل من الحق ،
فينشرح صدره للإسلام .
وعادت أم حبيبة مهاجرة الى المدينة سنة سبع من الهجرة ، عقب فتح خيبر
. وفرح النبي الكريم بقدوم هؤلاء الأحبة بعد غياب دام طويلا . ومعهم أم حبيبة التي
عادت لتكون مع الرسول الكريم، بعد انتهاء عدتها من زوجها عبد الله .
ومنذ أن دخلت أم حبيبة البيت النبوي ، غدت من نساء آل البيت الطاهر ،
وراحت تنهل من معين القرآن الكريم ، والحديث الشريف الذي فاتها من هجرتها بالحبشة .
فغدت واحدة من فقيهات نساء الأمة .
وليس أدل على وفائها ، وإيمانها ، ودينها من تلك الحادثة المشهورة في
حياتها . إذ قُدٍر لها أن تواجه والدها أبا سفيان وجها لوجه . وقفت منه الند للند .
لا تخشى أذاه ، ولا ترهب سطوته ، ولا تجزع من سلطانه ، وجبروته .
عرفته مكانته بين الكفر والإيمان بمنتهى رباطة الجأش والسكينة .
وأعلنت بكل فخر واعتزاز ولاءها لله عز وجل ، ولرسوله ، لا لإحد سواهما . هذا الموقف
حصل في هدنة الحديبية .
ثم ما لبث أن آمن أبا سفيان بعد أن رأى عظمة هذا الدين ، وعظمة الرسول
الكريم . ولمس حب الصحابة للرسول ، وطاعتهم له ، وعدم مخالفة أمره إذ أنه لا ينطق
عن الهوى .
كانت أم حبيبة راضية النفس ، مطمئنة الفؤاد . فإنكبت على شكر الله
تعالى ، وذكره كثيرا بعد أن هدى والدها أبا سفيان ، وأهل بيته . وأصبح أقرباؤها ،
وذويها ، جنود وفرسان مدرسة النبوة .
أم حبيبة هي في المرتبة الرابعة في رواية الحديث بعد أمنا عائشة ،
وأمنا أم سلمة ، وأمنا ميمونة. روت من الأحاديث ما سمعت عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم . فأسهمت في تنمية التراث العلمي الإسلامي . روت 65 حديثا ، وكانت تعمل
بما جاء بهم .
نماذج من بعض الأحاديث التي روتها :
1. لولا أن أشق على أمتي ، لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ، كما يتوضؤون .
2.
من صلى
أربعا قبل الظهر ، وأربعا بعدها ، حرمه الله عز وجل على النار .
3.
من صلى في
اليوم 12 ركعة تطوعا ، بنى الله له بهن بيتا في الجنة .
4.
كلام ابن
آدم عليه ، لا له ، إلا أمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وذكر الله عز وجل.
كانت أم حبيبة من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات . وكانت موصولة القلب
بالله عز وجل . وصلت ليلها بنهارها ، ونهارها بليلها في الطاعات ، وفي الصلاة .
وكانت تحث أهلها وأخواتها على التمسك بالهدي النبوي في الصلاة .
وخصوصا صلاة التطوع . فلم تتركه منذ سمعت ذلك من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
عاشت أم حبيبة - رضي الله عنها – حياة العلم والزهد بعد رسول الله صلى
الله عليه وسلم . فلم تخرج من بيتها إلا للصلاة ، ولم تكن تترك المدينة إلا للحج .
وعاشت أم حبيبة حتى أدركت خلافة أخيها معاوية بن أبي سفيان . وقدمت
دمشق زائرة له ، ثم عادت الى المدينة المنورة تتابع حياة العلم ، وحياة الزهد .
وفي خلافة أخيها معاوية ، توفيت أم حبيبة رضي الله عنها . ولم تترك
في البيت النبوي ، وعند نساء النبي الكريم إلا كل أثر طيب كريم مبارك .
كانت وفاتها سنة 44 من الهجرة . أي في نهاية العقد السابع من عمرها .
وكان وفاة أم المؤمنين، أم حبيبة بالمدينة المنورة ، في الدار التي كانت لعلي بن
أبي طالب رضي الله عنه ، ودفنت بالبقيع .
|