|
كانت
زينب تميل الى حب المساكين والعطف عليهم . وما من شك أن رؤيتها - رضي الله عنها -
المسكين الذي عُذب بسبب عدم استئذان سيده في تناول الطعام ، وقد أتعبه الجوع . كان
لهذه الحادثة أثر عميق في قلبها الطيب ، وفؤادها الرحيم ، ونزعتها الإنسانية .
فكانت - رضي الله عنها – تدخر قوتها ، وما تحصل عليه من مال أو مصروف
، ثم تنفقه على المساكين والمحتاجين ، حتى عرف بذلك القريب والبعيد من الناس ، وشاع
خبرها بين أهل مكة جميعا . فلقبت بأم المساكين حتى قبل أن تدخل الصرح النبوي الشريف
. وكانت في سن السادسة عشرة .
حياة زينب في مكة بعد زواجها وإسلامها كانت قاسية جدا . عاشت أيام
الحرمان والإضطهاد والعذاب ، وتحملت بجلد قوة القطيعة الإقتصادية والإجتماعية التي
فرضتها قريش على المسلمين حين دخلوا الشُعب .
فعاشت السنوات الثلاث في جوع وألم . ولكن كان عندها ثقة في المستقبل
وأن ما تمر به مع باقي المسلمين هو ابتلاء وامتحان ، لا يضاهيه إلا الصبر عليه .
وعاشت مع زوجها بعد الهجرة ، حياة طيبة كريمة . فكان الإحترام ،
والمحبة والتعاون متبادل بينهما . وساهم في إنجاح هذا البيت الشريف ما كانت تتمتع
به زينب من نضوج عقلي ، وسماحة، وبساطة في الحياة ، ورضى وقناعة . حتى كان ذلك
اليوم العظيم – يوم بدر . فقد أصيب عبيدة بن الحرث بن عبد المطلب – زوج زينب ،
إصابة بالغة في رجله . وعاد الى معسكر المسلمين يئن من شدة الجرح ونزف الدم .
وانتصر المسلمون إنتصارا ساحقا . وكان الجميع سعيدا إلا بيتا واحدا .
نعم ، هو بيت زينب . فقد كانت في حزن شديد على زوجها وحبيبها الجريح الطريح الفراش
.
الحبيب الذي قضت أجمل أيام حياتها ، وأهنأ فترات عمرها . كانت ترعاه
وتعتني به ، وتقدم كل ما يمكنها من إسعاف رجاء أن يشفى وتعود اليه عافيته .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبعض الصحابة يزورونه في البيت
ليطمئنوا عليه ، ويواسونه في مرضه ، ويشجعونه ، ويبعثون في نفسه وفي قلبه الأمل .
لكن القدر اصطفى عبيدة شهيدا . واختاره الله عز وجل الى جواره . فحزنت
زينب عليه كثيرا ، وبكته بكاء شديدا . ووجدت نفسها وحيدة ، حزينة في المدينة
المنورة ، وليس لها من معيل ، أو معين سوى الله عز وجل .
إلا أن زينب كانت موصولة القلب بالله عز وجل . وأدركت أن الله لن
يضيعها . فأسلمت اليه أمرها ، واستسلمت لقضائه وقدره .
وكان من عادة العرب أن يكرموا أحبائهم ، وأقربائهم ، وعظماءهم بالزواج
من نسائهم بعد موتهم. ومن أولى من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمواساة زينب .
وانقضت العدة . فلم تشعر إلا ورسول الله عليه الصلاة والسلام جاء ليخطبها .
فاغرورقت عيناها بالدموع حزنا على زوجها الحبيب . لكنها جعلت أمرها
الى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فهو خير من يتولى أمرها ، ويرعى شأنها .
وسكنت زينب الى جانب زوجات النبي الكريم بالقرب من المسجد النبوي
الشريف ، في بيت خاص بها .
ولم تشعر عائشة أو حفصة بغيرة من سيدتنا زينب . فكانا يعرفان أن سيدنا
محمد عليه الصلاة والسلام ، تزوج من أم المساكين السيدة زينب ، رحمة منه وعطفا
عليها . ولم تكن زينب تنافسهم.
وكانت قريرة العين ، مطمئنة القلب بأن أصبحت زوج لرسول رب العالمين
محمد صلى الله عليه وسلم . فما كانت الغيرة تعرف الى نفسها سبيلا . فهي سعيدة ،
راضية ، بأن أصبحت أم المؤمنين، وأم المساكين . وغمرت أهل الصفة ، أولئك الأبرار
الذين انقطعوا للعبادة والمناجاة في المسجد النبوي الشريف ، وعملوا على حراسة
الحبيب . غمرت هؤلاء بعطفها ، وبرها ، وخيرها ، وكرمها ، وإحسانها ، حتى أصبح
الجميع يدعون لها ويثنون عليها .
كانت زينب تعيش في عالم العطف والمودة والحنان . وتعيش في دفء الإسلام
وعظمته . فكانت تحس سعادة عظيمة في رحمة المساكين ، وفي رقتها عليهم ، ورفقها بهم ،
والإحسان اليهم . فجعلت وقتها كله في عبادة الله عز وجل ، وفي رعاية المساكين
وإطعامهم والتصدق عليهم ، وبهذا غلب عليها لقب أم المساكين .
ولقد كانت مدة إقامتها في بيت النبوة قصيرة جدا ، لم تتجاوز بضعة أشهر
. وكانت قد أتمت الثلاثين حين داهمها الموت ، في عز شبابها وقوتها .
ولقد كان يوم وفاتها يوما حزينا . فتركت رغم قصر مدة العشرة مع رسول
الله عليه الصلاة والسلام أطيب وأعمق الأثر في قلبه . فقد مرت أيام العشرة هينة ،
لينة ، طيبة ، لا مشقة فيها ولا عسر .
وتذكر سيدنا محمد بموت أم المساكين زينب ، سيدة نساء العالمين خديجة
التي كانت له وزير صدق على الدوام . وأول أمهات المؤمنين ، وأحبهن الى قلبه الشريف
، حاضنة الإسلام ، والتي بشرت في الجنة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب .
وصلى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم دفنها في البقيع . وبعد
أن ووريت الثرى ، عاد الجميع وفي مقدمتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يدعون لأم
المساكين بحسن المآب وعظيم الثواب .
|